رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا تكاد تجد تقديرًا للعلم واحتفاء بقيمته وقدره مثلما تجد ذلك في الإسلام، حيث يقرر صاحب طلب العلم » الرسالة صلى الله عليه وسلم أن بل إنه يجعل من العلم . « فريضة على كل مسلم من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا » : طريقًا للجنة ويجعل العالم ،.« سهل الله له به طريقًا إلى الجنة العالم والمتعلم » : والمتعلم شريكين في الأجر إنما بعثت » : وجعل هدف بعثته التعليم فقال ،« شريكان في الأجر وجعل الله تعالى أتقى طبقة من الناس له هم العلماء ﴿ إِنَّمَا ،« معلمًا
يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾.
ولم يرد نص شرعي يحدد أن هناك علوما ممنوعة وأخرى محظورة، بل نصوص الإسلام في مجموعها تؤكد على أن كل علم ينتهي بنا إلى مصالح دينية أو دنيوية فهو مطلوب شرعا، وهو حق مشاع للناس جميعا، الإناث والذكور على حد سواء، وليس لأحد مزية على آخر في هذا الصدد إلا بمقدار ما يحقق من نتائج، وما يقدم من آثار .
لقد دعا الإسلام إلى حرية التعلم، وكفل لكل فرد تؤهله قدراته ومؤهلاته أن يخوض غمار المجال العلمي الذي يهواه، ويغلب على ظنه أن يحقق فيه نفعا، وإفادة مرغوبة .
ولذلك لم يشترط الأصوليون أن يكون المجتهد ذكرا، بل الباب مفتوح ،« وفي ذلك فليتنافس المتنافسون » ، للذكور والإناث على حد سواء .« وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء » والتاريخ يحدثنا عن فقيهات ومحدثات عظيمات، رغم أن المجتمع قديما لم يكن يهتم بتعليم المرأة اهتمامه بتعليم الرجل لاعتبارات كثيرة، منها عدم وجود معاهد علمية بالمفهوم المعاصر، وصعوبة خروج المرأة لطلب العلم وحدها دون محرم خارج بلدها، ويذكر التاريخ نماذج مشرقة لبعضهن، من هؤلاء فاطمة ابنة علاء الدين السمرقندي، وأبوها أحد كبار علماء الأحناف، وكانت هي من الفقيهات الورعات، أخذت العلم عن جملة من الفقهاء وأخذ عنها
كثيرون، وكان لها حلقة للتدريس، وكان لأبيها كتاب يسمى علاء الدين » فحفظت التحفة، وكان له تلميذ يسمى « تحفة الفقهاء » برع في علم الأصول والفروع، وشرح تحفته في كتاب ،« الكاساني وعرضه على شيخه، » بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع » سماه فازداد فرحاً به، وزوجه ابنته، وجعل مهرها ذلك الكتاب، فقال الفقهاء في عصره: شرح تحفته وزوجه ابنته. وكان زوجها يخطئ فترده إلى الصواب، وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها – توقيعها
- وخط أبيها قبل زواجها، فلما تزوجت كانت تخرج وعليها خطها وخط أبيها وخط زوجها، أشبه ما تكون بفتوى جماعية، أو ما يسمى في عصرنا بالاجتهاد الجماعي.
ومنهن كريمة بنت أحمد بن محمد المروزية التي توفيت سنة 463 ه، كانت ركناً ركيناً للحديث، ويحضر دروسها العلماء الكبار كالمحدث الخطيب البغدادي، والمحدث السمعاني. جاورت بمكة وروت صحيح البخاري عن الكشميهني حتى إن محدث هراة (أبا ذر رحمه الله) قد وصى طلابه ألا يأخذوا الجامع الصحيح إلا عنها، وقد قيل: إن روايتها أصح روايات البخاري.
وقال الشيخ عطية رحمه الله: قد رأيت بنفسي وأنا مدرس بالأحساء نسخة لسنن أبي داود عند آل المبارك وعليها تعليق لأخت صلاح الأيوبي. وفي صحراء إفريقية وفي شنقيط تحديدا، جاءت الأخبار أن الشيخ المختار الكنتي الشهير، ختم مختصر خليل (متن أصيل لدى المالكية ) للرجال، وختمته زوجته في جهة أخرى للنساء. وقد زرت الشيخ أيمن سويد في بيته بجدة في عام 2002 ، وعلمت أن زوجته مجازة بالقراءات العشر، وهو يجيز الرجال، وهي تجيز النساء .
وليس هنالك من نص شرعي يحجر على علم، أو يضيق بآخر، غاية ما هنالك ألا يخرج ذلك العلم عن الحكمة إلى العبث، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الإعمار إلى التخريب، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد – كما يقول ابن القيم -، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل.
ولم يعرف المسلمون الدعوة إلى دراسة العلوم الشرعية، وإهمال العلوم التجريبية، بل دعوا إلى وجود من يقوم بفرض الكفاية عن الأمة في كليهما، وكان لعلمائنا في كل منهما نصيب كبير، حتى إن بعضهم جمع بين العلوم الشرعية وعلم الطب في زمانه، وقد قيل في ترجمة الإمام ابن رشد الحفيد: كان يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في ،» بداية المجتهد ونهاية المقتصد » الفتوى في الفقه، وله في الفقه كتاب . وفي الطب كتاب « الكليات في الطب »
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4386
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4044
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
1893
| 07 مايو 2026