رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشعب الليبي يقود حركة التحرر الوطني لنيل الاستقلال الثاني
ما الذي استدعى المجتمع الدولي للتدخل العسكري (الجوي) في ليبيا والذي آلت قيادته إلى حلف الناتو؟!
بحسب قرار مجلس الأمن 1973 المشفوع بطلب جامعة الدول العربية جاء التدخل الدولي لحماية المدنيين الليبيين من مذابح كتائب القذافي. أما بحسب القوميين العرب المتقاطعين مع بروباغندا إعلام القذافي فإن الجواب الجاهز: لأن ليبيا دولة نفطية. وأن الغرب ما كان ليتدخل فيها لو لم يكن بها نفط. وأن حاجته للتدخل باسم حماية المدنيين هو في الحقيقة استعمار ليبيا والسيطرة على نفطها. ورغم ما قد يظهر من وجاهة على ظاهر قول كهذا إلا أنه في التحليل الدقيق يبين حقيقة الأمر. لأن الشعب الليبي على وعي وطني أصيل وفهم جلي لمقاصد الضرورات التي تبيح المحظورات. فبفضل التدخل الدولي الجوي، الفرنسي خصوصا، وفي الوقت المناسب، وبضغط قطري، تم إنقاذ مدينة بنغازي التي هاجمها العقيد هولاكو بكتائبه الجرارة. فمن كان لينقذ أهلها من جنون القذافي الدموي غير التدخل الدولي؟! هل كان سينقذهم مقالات عبدالباري عطوان العنترية أو تفذلكات عزمي بشارة في تحليل تقنع القوى الاستعمارية بقناع "الامبريالية الإنسانية".
لكن هل يعني ذلك أن تدخل الغرب العسكري (الجوي) في ليبيا مرده دافع إنساني بحت.؟! بالقطع لا. والليبيون يعرفون ذلك. ولاسيَّما ثوارهم. وهم ليسوا في حاجة لمزايدات عبدالباري عطوان أو تفلسف عزمي بشارة، على سبيل المثال، كي يعوا مقاصد القوى الغربية. فهم أحفاد عمر المختار بالمعنى التاريخي الدقيق للكلمة. أي أنهم لن يسمحوا بأي حال من الأحوال أن ينزل حلف الناتو من السماء على أرضهم ليشكل مستقبلهم السياسي على ما تهوى مصالحه. وحدهم فقط القطريون والإماراتيون، خصوصاً القطريين، سوف يرحب بهم الليبيون بحب غامر وامتنان لجميل لا يرد أبد الدهر.
وليطمئن الخاشون من نزول الناتو من السماء للهيمنة على مستقبل ليبيا بعد الخلاص من القذافي. فأحفاد المختار لن يرضوا بليبياهم إلا وهي حرة كاملة السيادة بإرادتهم. ولدولة ثورة أحفاد المختار أن تأخذ في الاعتبار أولية مصالح الدول التي سارعت إلى نجدتها. وفي طليعتها قطر الأحب إلى القلوب الليبيين بعد ليبيا. ثم تأتي الإمارات. فتونس (شعباً). فمصر (شعباً). وتلك نجدة الأخ لأخيه. أما الدول الغربية، أمريكا فرنسا بريطانيا تحديداً، فقد تدخلت لأسباب متعددة: مسؤوليتها الدولية... ضغط رأيها العام.. ومصالحها بطبيعة الحال... الليبيون أذكياء بما يكفي ليدركوا أن ساركوزي وكاميرون وأوباما ليسوا باعة آيس كريم مجاني. لكن ما قد لا يعرفه العرب عن ليبيا أن استقلالها العام 1951 كان أول اختبار دولي في ملف تصفية الاستعمار.
فلسنوات، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تم تداول قضية استقلال ليبيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي مجلس الأمن. وكانت القوى الوطنية ثابتة على موقفها في رفض الوصاية والانتداب وكل أشكال الاستعمار المقنّع. والمطالبة بالاستقلال التام، على أساس وحدة ليبيا بأقاليمها الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان). ومن جهة أخرى كانت القوى الأجنبية، أمريكا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي، في ذروة شراهتها لغنائم الحرب العالمية الثانية. كانت القوى الغربية العظمى (الأمريكية والبريطانية وإلى حد ما الفرنسية) في جهة والاتحاد السوفيتي في جهة أخرى، يتصارعان على مكسب النفوذ في دولة تخلى عنها المستعمر الإيطالي مهزوما. ولأن السوفييت أدركوا ألا مكسب لهم فيها انضموا بقوة إلى حق شعبها في تقرير مصيره رافضين أي صيغة للوصاية عليها.. وقبل البريطانيون والأمريكيون بوجود عسكري في قواعد عسكرية على الأرض الليبية لفترة محددة. وبالنتيجة نالت ليبيا استقلالها وسط ألاعيب لعبة الأمم... وها يثور أحفاد عمر المختار، بعد واحد وأربعين سنة وبضعة أشهر، على طغيان القذافي (موسوليني المحلي) وكتائبه الإجرامية، بما يعيد إنتاج تجربة استقلال ليبيا الأول من موسوليني الإيطالي. ورغم أن ليبيا كانت خارجة في ذلك الوقت من زمن مستعمر متخلف كريه ترك وراءه أقل من خمسة في المائة على مقاعد الدراسة وخمسة عشرة في المائة عميان وخراب رهيب وإفلاس تام، تمسكت نخبته الوطنية بحق شعبها في تقرير مصيره. وهو ما تحقق لها رغم وجود القواعد الأجنبية. الآن، وبعد 60 عاما على استقلال ليبيا، الذي سبقته ملحمة جهادية مسلحة ضد الاحتلال الإيطالي وأعقبتها، بعد الحرب العالمية الثانية، معركة سياسية خاضتها القوى الوطنية في رفض الوصاية الدولية ونيل حق تقرير المصير، يعيد الليبيون إنتاج تجربتهم التاريخية تلك في تشابه يقارب التطابق. فهم من جهة يخوضون ملحمة تحرر مسلح ضد كتائب القذافي الفاشيستي الذي لا يختلف في الجوهر في شيء عن المستعمر الإيطالي الفاشيستي بل إن موسوليني "الليبي" تفوق في جرائمه على موسوليني الطلياني. ومن جهة أخرى قد يواجه الثوار الليبيون، بعد الخلاص المؤكد من نظام القذافي عاجلا وليس آجلاً، كما واجه رجالات حركة الاستقلال الوصاية الدولية، محاولات القوى الكبرى، التي تقود التدخل الدولي من السماء، كي تنزل بالتدخل السياسي على الأرض للمشاركة في تشكيل مستقبل ليبيا السياسي بما يخدم أطماع هذه القوى في الهيمنة الإستراتيجية. لكن الواقع ووقائعه اليوم مفارق، في المعطيات والظروف والوعي والممارسة لأحوال الأمس. اليوم يقود حركة التحرر الوطني لنيل الاستقلال الثاني شعب محمول على وعي سياسي وطني مدرك برؤية تاريخية ومستقبلية لمعنى تمام الاستقلال والسيادة. بحيث سيظل دور الناتو محصورا في تدخلها الدولي المقيد بقرار مجلس الأمن 1973. ولن يقبل الثوار بأقل من الخلاص من القذافي ونظامه بقضه وقضيضه مع الشكر لقوى التدخل الدولي والأخذ في الاعتبار لحجم دورها عند النظر في صيغة علاقات ليبيا الدولية دون أن يأتي الأمر على حساب مصالحها العليا.
farag-asha@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
2802
| 22 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1248
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
918
| 17 مارس 2026