رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أجمل ما في الإعلام الحديث أن صناعة الرأي الآن بيد المتلقي لا كما تبدو سابقاً يُعلن الخبر دون خيار في الأخذ والرد حوله فيفرض مقتضاه على الرأي العام. بل إن وسائل الإعلام التفاعلي الحديث غدت مجالاً لقياسات الرأي والميول حيال أي حدث أو قضية. وفي نهاية الأسبوع الماضي تكثفت التعليقات والردود حول تصريح السيد علي لاريجاني وهو رئيس السلطة التشريعية في إيران حيث دعا في ندوة خاصة عن الحج والاقتصاد إلى ضرورة الحوار مع السعودية وتمتين العلاقات معها لتجاوز جملة الخلافات بين البلدين والمتمحورة حول اتهام إيران باستهداف السفير السعودي في واشنطن ووجهات النظر المتباينة لكلا البلدين حول الموقف في أحداث البحرين وكذلك في سوريا. ورغم الحشد الكبير من التعليقات حول مضمون هذا التصريح في معظم المواقع العربية والفارسية التي تناقلته وميول معظمها حول حالة اللاسلم بين البلدين وعدم جدوى الحوار بينهما. أيضا مما يلفت النظر إلى أن الشحن السلبي المتبادل قد بلغ ذروته في نفوس كل الأطراف فهناك تكريس لتغذية الرأي في كلا الطرفين نحو الآخر وهناك أيضاً اجترار مكثف للتاريخ وشواهده لاستعمار الحاضر مطية نحو مستقبل معتم دون أن يكون للعقل وأساليب العصر الحديثة وثقافتها مجالاً للتأثير في الرقي بمستوى التفاهم حتى دون أن يكون الطموح هو مجرد التعامل المشترك ونسيان الماضي وتبعاته من كلا الشعبين. ورغم أن عين العقل والمصلحة هما في صناعة التقارب والتعاون ووضع محاور محددة لعلاقات البلدين ترقى فوق أي خلاف في وجهات النظر بل إن أي نوع من علاقات التقارب السعودي الإيراني سينعكس إيجاباً على جملة من القضايا المحلية والإقليمية وسيساهم في شطب الكثير من المفردات المتبادلة ويمهد لمرحلة أعمق من التعاون المشترك. وحيث إن مثل هذا النوع من التعاون ممكن وبيد البلدين إذا ما رغبتا في ذلك بل ومورس فعلياً إبان فترة الرئيس علي خاتمي الذي فتح مجالاً للتواصل وإنها فترة خلاف واحتقان دامت سنوات أيضا كانت الوفود المتبادلة والزيارات الرسمية لا تنقطع كما شوهد العديد من رجال الأعمال يبحثون عن الفرص مابين طهران والرياض ولم يلبث شهر العسل هذا في العلاقات طويلاً إذ سرعان ما انتكست الأمور ليعود مستوى العلاقة إلى المربع الأول مع تولي الرئيس أحمدي نجاد رئاسة الجمهورية في إيران بل زادت الأمور سوءا مع أحداث البحرين وانتهاج الأخوة في إيران أسلوب الاستعداء الجماهيري تجاه السعودية والذي وصل حتى إلى مباريات كرة القدم بين البلدين حينما واجه الفريق السعودي نوعا من ذلك في المدرجات الجماهيرية الإيرانية. ومبتغى القول إن تصريح السيد لاريجاني وهو من موقعه على خلاف حاد مع الرئيس نجاد نلمس أن عقلاء النظام يحبذون الهدوء والتواصل مع شعوب المنطقة والعمل على حلحلة كل المشاكل أملا في صناعة مستقبل جيد للشعب الإيراني بعيداً عن التحشيد وافتعال الأزمات التي أضرت حقيقة بمستوى معيشة الفرد. أيضا يلمس في جانب من الموضوع أن هناك تحشيدا مبرمجا تجاه دول المحيط الإيراني يغذى غالباً تبعا لمصالح عليا وتديره أعلى سلطة في البلاد دون أن يمرر على الكثير من المؤسسات الرسمية وهو ما يعطي انطباعا عاما حول انقسام حقيقي في مؤسسات السلطة الإيرانية. أيضا من جملة التعليقات حول تصريح لاريجاني أن أتباع إيران ومحبيها أشد حماسة من الإيرانيين ذاتهم بل إن في بعض تصرفاتهم ضررا على السياسة الإيرانية وإحراجا لها في الكثير من المواقف والأزمات. أيضا تدرك إيران أن نوعا من العلاقة الإيجابية مع السعودية سيمهد لعلاقات طيبة مع المحيط الإقليمي عموماً وسيخفف من الضغط الدولي على إيران حول ملفاتها الساخنة لاسيَّما برنامجها النووي تبعاً للدور السعودي العالمي في المنطقة خاصة بعد التقارب المصري السعودي والتشكل المحوري المرتقب في المنطقة والذي قد يفقد إيران الكثير من نفوذها وطموحات مخططاتها الآنية، عموما تبقى مهمة البداية نحو المضي في مد يد التعاون نحو الآخر مرهونة بالظروف وحماسة الطرفين. إذا من يعلق الجرس لتجنيب المنطقة مزيدا من التوتر؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3735
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1152
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
765
| 27 أبريل 2026