رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن الشعور بالذنب الذي يرتكبه الإنسان المذنب فطرة فطرة الله الناس عليها وما كان للتهوين من شأن الذنب، ولا للتخفيف من آثاره أن يهدي من روع المذنب، لأنه يعلم أنه ارتكب ذنباً ووقع في خطيئة، لهذا فإن عقدة الشعور بالذنب لا يزيلها من النفس إلى التوبة النصوح التي تتوفر فيها شروط التوبة من إقلاع عن الذنب وندم على فعله وإصرار على عدم العودة إليه مع العزيمة الصادقة القادرة على التغيير، فشعور الإنسان بأن الله عز وجل يقبل توبة التائبين (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) ويمحو بها آثار الخطيئة مما يجعل الإنسان المذنب تعود إليه راحة قلبه وطمأنينة نفسه لأنه يعلم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب عليه بهذا أخبر النبي الكريم الرحيم وهو ميراث تعلمناه من أبينا أدم (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم).
إن عقدة الشعور بالذنب التي تطارد العبد المسلم الذي يقع في الخطيئة هي السبب في التوتر الدائم والقلق المستمر وهي في أخر المطاف تؤدي إلى الكراهية العميقة للمجتمع لأنه يرى فيه شبح الذنب الذي ارتكبه متمثلاً في كل شيء في الناس الذين سهلوا له الوقوع في المعصية وفي كل من كان سبباً في إغرائه وكذلك البيت الذي لم يهتم بتربيته أو توجيهه وينقم حتى على المدرسة التي لم تساهم في تقويمه مع الرغبة الملحة للي إزالة كل ما يذكر بالذنب الذي ارتكبه ولهذا فإنه يحاول أن يترجم ذلك كله بالتدمير وعدم المبالاة بالأخلاق والأعراف الاجتماعية ويتمرد حتى على النظم، ويجعل من ذلك تعبيراً عن المأساة التي يعيشها في تلك المرحلة الشبابية، إلا أن العلاج الوحيد لتلك العقد
إن علاج مشكلة المراهقة وتداعياتها يتحقق إذا استطاع الشاب أن يجد الزوجة الموافقة الكريمة المنبت ليحقق من خلالها رجولته دون أن يصاحب ذلك ما يعكر صفو حياته فالزواج الشرعي هو الحل الأمثل والناجع لمشكلة خروج الشباب عن مألوف الشرع والعرف والقانون من أجل ذلك جاء في الأثر أن الولد إذا بلغ وكان بإمكان ولي أمره أن يزوجه فلم يزوجه حتى وقع الشاب- ذكر أو أنثى- في الخطيئة فإن ولي الأمر يحاسبه الله يوم القيامة لأنه كان بإمكانه أن يحول بين الشاب والخيطئة فلم يفعل.
وعلى هذا لا يوجد حل أمثل ولا أحسن من إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ألا تفعلوا تكن في الأرض فتنة وفساد كبير لأن سعار الشهوة الذي يطارد الشاب سوف يؤدي إلى حرق كل خلق كريم ينطوي عليه قلب ذلك الشاب.
إن الزواج يبعث الثقة نفس الشاب- ذكر أو أنثى- لأنه حينما يلتقي كل زوج بالآخر يلتقيات وفي قرارة نفسيهما أنهما يمارسان حقاً أقره الله وحث عليه وجعله حقاً من حقوقه المشروعة وأجاز الشرع للشاب الذي يريد الزواج للإعفاف أن يطلب من الجهات المسئولة عن الزكاة أن تقوم بمساعدته، وقد كان هذا المبدأ من مذهب عمر بن عبدالعزيز- رحمه الله- حيث أمر منادياً ينادي أن على الشباب من يجد الرغبة في الزواج ولا يجد ما ينفقه فيه فليأتنا نزوجه.
وقد عرض عثمان بن عفان رضي الله عنه الزواج على عبدالله بن مسعود رضي الله عنه بعد وفاة زوجته كما جاء في صحيح البخاري قال: يا أبا عبدالرحمن إن لي إليك حاجة فخليا فقال عثمان لعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكراً تذكرك ما كنت تعهد؟ فلما رأي عبدالله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إلى علقمة- تلميذ عبدالله فجاء إلى عبد الله فقال ابن مسعود لعثمان رضي الله عنهما أما لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
فهذا عثمان رضي الله عنه يتذكر عبدالله أنه لا زوجة له فلابد له من زوجة يخلوا بها.
إن هذا الدين ليس دين مظاهر وطقوس ولا تغني فيه مظاهر العبادات والشعائر ما لم تكن صادرة عن إخلاص لله وتجرد مؤدية بسبب هذا الإخلاص إلى أثار في القلب تدفع العبد إلى العمل الصالح وتتمثل في سلوك تصلح به حياة الناس في هذه الأرض وترقى.
كذلك ليس هذا الدين أجزاء وتفاريق موزعة منفصلة يؤدي الإنسان منها ما يشاء ويدع منها ما يشاء إنما هو منهج متكامل تتعاون فيه عباداته وشعائره وتكاليفه الفردية والاجتماعية حيث تنتهي كلها إلى غاية تعود كلها على البشر.
إن من مهام العبادات كالصلاة والزكاة والصوم وقراءة القرآن والأذكار إن من مهامها أن تدفع العبد القائم بها إلى العمل الصالح والخلق النبيل، وقد ذكر الله أن ناساً لم تظهر عليهم نتائج عباداتهم في سلوكهم الاجتماعي مع شريحة اجتماعية لا يخلو منها عصر ولا مصر إنهم الذين فقدوا الصدر الحاني واليد الرحيمة أنهم (الإيتام) فالذين يتعاملون مع الأيتام على غير الحالة اليت ينبغي أن يعاملوا بها أبناءهم من زجراً وعنف في الفعل أو القول هؤلاء لا يعدون في سلك المؤمنين حقاً.
وقد سأل جابر بن عبدالله الأنصاري الذي ابتلي بأيتام تركهم أبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطريقة التي ينبغي أن يعامل بها اليتيم فقال : يا رسول الله مم أضرب منه يتيمي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم مم كنت ضارباً منه ولدك غير ما واق بماله حتى يستغني عنه برشده وبعمله وحسن أدبه.
ومن أجل إن كثيراً من الأيتام لا يجدون الرعاية التي ينبغي أن يحظوا بها قال النبي صلى الله عليه وسلم : أنا وكافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة وأشار بالمسبحة والوسطى ترغيباً في رعايتهم وترهيباً من ضياع حقوقهم أو إيصال الأذى المادي أو المعنوي إليهم حتى ولو كان هذا الكفيل جداً أو أما أو أخاً أو ما إلى ذلك من ذوي الأرحام. ومن ثم أصبحت العناية باليتيم تعد من أفضل القربات لنيل أعلى الدرجات فالذي يعمل بمضمون هذا الحديث يكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة ولا منزلة في الآخرة أفضل من هذه المنزلة. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أول ما يفتح باب الجنة فإذا امرأة تبادرني فأقول من أنت؟ فتقول أن امرأة تأيمت على أيتام لي" فإن في هذا الحديث سرعة دخول كافل اليتيم مع النبي صلى الله عليه وسلم الجنة وعلو منزلته.
وهذه الفضيلة تحصل لمن كفل اليتيم من مال نفسه أو مال اليتيم. ولأجل ذلك كانت كفالة اليتيم تعد من أعلى درجات الإحسان " والله يحب المحسنين" ومكافأة هذه الكفالة الدنيوية- العاجلة- هي الشعور بالمتعة الروحية والرضا النفسي، أما المكافئة الآخروية فهي عند الله أكبر وأبقى لأن الكافل يتعامل مع مصرف الإحسان والإنفاق فيه ابتغاء وجه الله والنفقة في هذا المصرف تضاعف إلى سبعين ضعفاً ربحاً حلالاً طيباً من رب غفور شكور (كمثلٍ حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبةٍ...).
وقد يضاعف الله عز وجل ثواب المحسن الكافل أضعافاً كثيرة حى تصير المئة الواحدة مئات بل ألوفاً لأن (والله يضاعف لمن يشاء) وكافل اليتيم متصدق بماله وجهده وخلقه ووقته وراحته واستقراره لأن الصغار يحتاجون إلى صدراً واسع لأنهم لا قدرة لهم على التمييز بين الخطأ والصواب. لذلك لما كان الكافل محسناً وليس كأي محسن وكلما ذكر الله عز وجل الإحسان في كتابه العزيز وحث عليه ورغب فيه خص اليتيم وذكره على التعيين وأوصى به ونهى عن إيصال الأذى له أو قهره. وجعل من صفات المكذب بيوم القيامة والقرىن والإسلام الذي يقهر اليتيم أو يظلمه أو لا يطعمه ولا يحسن إليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5148
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4947
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1674
| 13 مايو 2026