رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جابر محمد المري

مساحة إعلانية

مقالات

765

جابر محمد المري

العزوف عن الزواج.. خطر صامت يهدد النمو السكاني في قطر

15 سبتمبر 2026 , 12:17ص

عندما نتحدث عن التحديات التي تواجه الأسرة القطرية، يتجه الحديث عادة إلى ارتفاع معدلات الطلاق وانخفاض الخصوبة، لكن هناك تحديًا آخر لا يقل خطورة عنهما، وهو عزوف الشباب والفتيات عن الزواج وتأخر سن تكوين الأسرة.

لقد بتنا نشاهد شبابًا وفتيات يصلون إلى سن الخامسة والثلاثين وما بعدها دون زواج، وبعضهم لا تعوقه ظروف مادية أو صحية ظاهرة عن تكوين أسرة. وإذا تحولت هذه الحالات الفردية إلى اتجاه اجتماعي متنامٍ، فإن القضية لم تعد مجرد «اختيار شخصي»، بل تصبح ظاهرة تستحق الدراسة من منظور سكاني واجتماعي واقتصادي.

فالزواج هو البداية الطبيعية لتكوين الأسرة، وبالتالي فإن تراجع معدلات الزواج أو تأخره يعني تقليص السنوات المتاحة للإنجاب، وقد ينعكس على معدلات الخصوبة والنمو الطبيعي للسكان. وإذا أضفنا إلى ذلك حالات الطلاق والتحديات التي تهدد استقرار الأسر القائمة، ومنها التخبيب، فإننا أمام سلسلة مترابطة من التحديات التي تمس مستقبل الأسرة القطرية.

والسؤال الذي يتردد في نفوسنا ونتمنى أن نجد له إجابة شافية هو: لماذا يتأخر الشباب والفتيات في الزواج؟

وقبل أن نطالب الشباب بالزواج، يجب أن نعرف لماذا يترددون فيه؟

هل أصبحت تكاليف الزواج مرتفعة؟ هل تغيرت الأولويات؟ هل أصبح الاستقلال الفردي أكثر جاذبية من تكوين الأسرة؟ هل يخشى الشباب والفتيات من تجارب الطلاق التي يشاهدونها حولهم؟ وهل أصبحت بعض التوقعات والشروط المرتبطة بالزواج أكثر تعقيدًا مما كانت عليه سابقًا؟

وهناك سؤال آخر يجب ألا نخشى من طرحه: هل تجد بعض الفتيات صعوبة في التوفيق بين طموحهن المهني ومتطلبات الحياة الزوجية والأمومة؟

لقد أصبحت المرأة القطرية اليوم أكثر تعليمًا وحضورًا في سوق العمل، وهذا إنجاز يجب البناء عليه لا التراجع عنه. لكن نجاح المرأة مهنيًا لا ينبغي أن يجعلها أمام معادلة قاسية: إما العمل والنجاح، أو الزواج والأطفال.

وهنا تكمن مسؤولية المجتمع ومؤسسات العمل والأسرة في إيجاد بيئة تسمح للمرأة بأن تكون ناجحة في عملها، وزوجة وأُماً في الوقت نفسه، من خلال المرونة في العمل، والسياسات الصديقة للأسرة، والإجازات المناسبة، والخدمات المساندة للأم العاملة.

وفي المقابل، علينا أن نطرح سؤالًا يتعلق بالشاب أيضًا: هل أصبح بعض الشباب يخشى الارتباط بامرأة يعتقد أنها قد لا تملك الوقت الكافي للأسرة والأطفال بسبب التزاماتها المهنية؟

إذا كان هذا التصور موجودًا لدى شريحة من الشباب، فيجب دراسته ومعالجته، لا ترسيخه. فالحل ليس في مطالبة المرأة بالتخلي عن طموحها، وإنما في بناء نموذج أسري يقوم على الشراكة وتقاسم المسؤوليات، مع توفير بيئة عمل تراعي أن تكوين الأسرة والإنجاب مسؤولية وطنية واجتماعية وليست شأنًا خاصًا بالمرأة وحدها.

ثقافة الزواج تبدأ من البيت وللأبوين دور أساسي في إعادة الزواج إلى مكانته الطبيعية في مشروع حياة الأبناء.

فكما نربي أبناءنا منذ الصغر على أهمية التعليم والحصول على الشهادة والوظيفة وبناء المستقبل المهني، يجب أيضًا أن تكون ثقافة تكوين الأسرة حاضرة في التربية الأسرية.

ومع انتهاء المرحلة الثانوية والدخول في مرحلة الشباب، ينبغي أن يبدأ الحوار الإيجابي حول الزواج والاستعداد له نفسيًا واجتماعيًا وماديًا، بحيث يدرك الشاب والفتاة أن الزواج لا يعني نهاية الطموح أو الحرية، وإنما بداية مرحلة جديدة من النضج والاستقرار وتحمُّل المسؤولية.

بل إن القدرة على إدارة أسرة واتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية والتعامل مع تحديات الحياة هي في ذاتها من مظاهر النضج والشخصية القيادية.

وقد لخّص القرآن الكريم المعنى الإنساني العميق للزواج في قوله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الروم: 21.

وقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء».

فالزواج في جوهره سكن ومودة ورحمة، وليس مجرد مناسبة اجتماعية مكلفة أو التزامًا ماديًا يخشاه الشباب.

والعزوف عن الزواج له فاتورة اقتصادية أيضًا فالمشكلة لا تتوقف عند الجانب الاجتماعي. فاستمرار انخفاض الزواج والخصوبة على المدى الطويل قد يؤثر في التركيبة العمرية للمجتمع، وحجم الأجيال القادمة، والقوى العاملة الوطنية، ونسبة كبار السن إلى السكان في سن العمل، ويزيد الحاجة مستقبلًا إلى سياسات أكثر تكلفة لمعالجة الاختلالات السكانية.

كما أن الأسرة الممتدة والعلاقات القوية بين الأجيال تمثل مصدرًا مهمًا للدعم الاجتماعي والنفسي مع التقدم في العمر. ولذلك فإن تكوين أسرة مستقرة اليوم هو استثمار اجتماعي يمتد أثره لعقود.

والمطلوب سياسة وطنية لتيسير تكوين الأسرة، لذلك يجب ألا تقتصر معالجة القضية على حملات تدعو الشباب إلى الزواج، بل نحتاج أولًا إلى دراسة قطرية معمقة تجيب عن السؤال الأهم:

لماذا لا يتزوج شبابنا وفتياتنا، ولماذا يؤخر بعضهم الزواج؟

ومن نتائج هذه الدراسة يمكن بناء حزمة متكاملة تشمل تخفيف تكاليف الزواج، وتيسير السكن، والتوعية الأسرية، والتأهيل قبل الزواج، وتشجيع الأسر على التيسير، وتعزيز المرونة الوظيفية للأب والأم، وتطوير سياسات عمل أكثر دعمًا للحياة الأسرية والإنجاب ورعاية الأطفال.

إن العزوف عن الزواج، عندما يتحول إلى ظاهرة واسعة، يصبح مهددًا صامتًا للنمو السكاني.

وإذا كنا نقلق من انخفاض الخصوبة وارتفاع الطلاق، فمن المنطقي أن نقلق أيضًا من انخفاض عدد من يدخلون مؤسسة الزواج من الأساس.

فالقضية ليست أن نقول لكل شاب وفتاة: «تزوجوا»، وإنما أن نبني مجتمعًا يجعل الزواج ممكنًا، جاذبًا ومستقرًا، ويجعل العمل والأسرة مسارين متكاملين لا متنافسين.

فاصلة أخيرة

إن مستقبل النمو السكاني في قطر لا يبدأ من غرفة الولادة فقط، بل يبدأ قبل ذلك بكثير؛ من قرار شاب وفتاة بتكوين أسرة.

فالأسرة القطرية ليست مجرد شأن اجتماعي… إنها ركيزة من ركائز الأمن السكاني ومستقبل الوطن.

مساحة إعلانية