رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما نتحدث عن التحديات التي تواجه الأسرة القطرية، يتجه الحديث عادة إلى ارتفاع معدلات الطلاق وانخفاض الخصوبة، لكن هناك تحديًا آخر لا يقل خطورة عنهما، وهو عزوف الشباب والفتيات عن الزواج وتأخر سن تكوين الأسرة. لقد بتنا نشاهد شبابًا وفتيات يصلون إلى سن الخامسة والثلاثين وما بعدها دون زواج، وبعضهم لا تعوقه ظروف مادية أو صحية ظاهرة عن تكوين أسرة. وإذا تحولت هذه الحالات الفردية إلى اتجاه اجتماعي متنامٍ، فإن القضية لم تعد مجرد «اختيار شخصي»، بل تصبح ظاهرة تستحق الدراسة من منظور سكاني واجتماعي واقتصادي. فالزواج هو البداية الطبيعية لتكوين الأسرة، وبالتالي فإن تراجع معدلات الزواج أو تأخره يعني تقليص السنوات المتاحة للإنجاب، وقد ينعكس على معدلات الخصوبة والنمو الطبيعي للسكان. وإذا أضفنا إلى ذلك حالات الطلاق والتحديات التي تهدد استقرار الأسر القائمة، ومنها التخبيب، فإننا أمام سلسلة مترابطة من التحديات التي تمس مستقبل الأسرة القطرية. والسؤال الذي يتردد في نفوسنا ونتمنى أن نجد له إجابة شافية هو: لماذا يتأخر الشباب والفتيات في الزواج؟ وقبل أن نطالب الشباب بالزواج، يجب أن نعرف لماذا يترددون فيه؟ هل أصبحت تكاليف الزواج مرتفعة؟ هل تغيرت الأولويات؟ هل أصبح الاستقلال الفردي أكثر جاذبية من تكوين الأسرة؟ هل يخشى الشباب والفتيات من تجارب الطلاق التي يشاهدونها حولهم؟ وهل أصبحت بعض التوقعات والشروط المرتبطة بالزواج أكثر تعقيدًا مما كانت عليه سابقًا؟ وهناك سؤال آخر يجب ألا نخشى من طرحه: هل تجد بعض الفتيات صعوبة في التوفيق بين طموحهن المهني ومتطلبات الحياة الزوجية والأمومة؟ لقد أصبحت المرأة القطرية اليوم أكثر تعليمًا وحضورًا في سوق العمل، وهذا إنجاز يجب البناء عليه لا التراجع عنه. لكن نجاح المرأة مهنيًا لا ينبغي أن يجعلها أمام معادلة قاسية: إما العمل والنجاح، أو الزواج والأطفال. وهنا تكمن مسؤولية المجتمع ومؤسسات العمل والأسرة في إيجاد بيئة تسمح للمرأة بأن تكون ناجحة في عملها، وزوجة وأُماً في الوقت نفسه، من خلال المرونة في العمل، والسياسات الصديقة للأسرة، والإجازات المناسبة، والخدمات المساندة للأم العاملة. وفي المقابل، علينا أن نطرح سؤالًا يتعلق بالشاب أيضًا: هل أصبح بعض الشباب يخشى الارتباط بامرأة يعتقد أنها قد لا تملك الوقت الكافي للأسرة والأطفال بسبب التزاماتها المهنية؟ إذا كان هذا التصور موجودًا لدى شريحة من الشباب، فيجب دراسته ومعالجته، لا ترسيخه. فالحل ليس في مطالبة المرأة بالتخلي عن طموحها، وإنما في بناء نموذج أسري يقوم على الشراكة وتقاسم المسؤوليات، مع توفير بيئة عمل تراعي أن تكوين الأسرة والإنجاب مسؤولية وطنية واجتماعية وليست شأنًا خاصًا بالمرأة وحدها. ثقافة الزواج تبدأ من البيت وللأبوين دور أساسي في إعادة الزواج إلى مكانته الطبيعية في مشروع حياة الأبناء. فكما نربي أبناءنا منذ الصغر على أهمية التعليم والحصول على الشهادة والوظيفة وبناء المستقبل المهني، يجب أيضًا أن تكون ثقافة تكوين الأسرة حاضرة في التربية الأسرية. ومع انتهاء المرحلة الثانوية والدخول في مرحلة الشباب، ينبغي أن يبدأ الحوار الإيجابي حول الزواج والاستعداد له نفسيًا واجتماعيًا وماديًا، بحيث يدرك الشاب والفتاة أن الزواج لا يعني نهاية الطموح أو الحرية، وإنما بداية مرحلة جديدة من النضج والاستقرار وتحمُّل المسؤولية. بل إن القدرة على إدارة أسرة واتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية والتعامل مع تحديات الحياة هي في ذاتها من مظاهر النضج والشخصية القيادية. وقد لخّص القرآن الكريم المعنى الإنساني العميق للزواج في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الروم: 21. وقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء». فالزواج في جوهره سكن ومودة ورحمة، وليس مجرد مناسبة اجتماعية مكلفة أو التزامًا ماديًا يخشاه الشباب. والعزوف عن الزواج له فاتورة اقتصادية أيضًا فالمشكلة لا تتوقف عند الجانب الاجتماعي. فاستمرار انخفاض الزواج والخصوبة على المدى الطويل قد يؤثر في التركيبة العمرية للمجتمع، وحجم الأجيال القادمة، والقوى العاملة الوطنية، ونسبة كبار السن إلى السكان في سن العمل، ويزيد الحاجة مستقبلًا إلى سياسات أكثر تكلفة لمعالجة الاختلالات السكانية. كما أن الأسرة الممتدة والعلاقات القوية بين الأجيال تمثل مصدرًا مهمًا للدعم الاجتماعي والنفسي مع التقدم في العمر. ولذلك فإن تكوين أسرة مستقرة اليوم هو استثمار اجتماعي يمتد أثره لعقود. والمطلوب سياسة وطنية لتيسير تكوين الأسرة، لذلك يجب ألا تقتصر معالجة القضية على حملات تدعو الشباب إلى الزواج، بل نحتاج أولًا إلى دراسة قطرية معمقة تجيب عن السؤال الأهم: لماذا لا يتزوج شبابنا وفتياتنا، ولماذا يؤخر بعضهم الزواج؟ ومن نتائج هذه الدراسة يمكن بناء حزمة متكاملة تشمل تخفيف تكاليف الزواج، وتيسير السكن، والتوعية الأسرية، والتأهيل قبل الزواج، وتشجيع الأسر على التيسير، وتعزيز المرونة الوظيفية للأب والأم، وتطوير سياسات عمل أكثر دعمًا للحياة الأسرية والإنجاب ورعاية الأطفال. إن العزوف عن الزواج، عندما يتحول إلى ظاهرة واسعة، يصبح مهددًا صامتًا للنمو السكاني. وإذا كنا نقلق من انخفاض الخصوبة وارتفاع الطلاق، فمن المنطقي أن نقلق أيضًا من انخفاض عدد من يدخلون مؤسسة الزواج من الأساس. فالقضية ليست أن نقول لكل شاب وفتاة: «تزوجوا»، وإنما أن نبني مجتمعًا يجعل الزواج ممكنًا، جاذبًا ومستقرًا، ويجعل العمل والأسرة مسارين متكاملين لا متنافسين. فاصلة أخيرة إن مستقبل النمو السكاني في قطر لا يبدأ من غرفة الولادة فقط، بل يبدأ قبل ذلك بكثير؛ من قرار شاب وفتاة بتكوين أسرة. فالأسرة القطرية ليست مجرد شأن اجتماعي… إنها ركيزة من ركائز الأمن السكاني ومستقبل الوطن.
1137
| 15 سبتمبر 2026
أطلقت وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة حملة «وصل عيالك» مع بداية العام الدراسي، لتعزيز الحضور الوالدي في حياة الأبناء، وهي مبادرة تحمل في مضمونها ما هو أكبر من مجرد توصيل الأبناء إلى المدرسة؛ إنها تعيد طرح سؤال مهم حول العلاقة بين الأسرة والعمل والإنتاجية. فتوصيل الأب أو الأم لأبنائهم إلى المدرسة ليس مجرد رحلة صباحية، بل وقت ثمين للحوار والإنصات والتوجيه، وفرصة يومية لبناء الثقة ومعرفة ما يشغل الأبناء. ومن الجميل أن نرى مسؤولين وقيادات وموظفين يحرصون منذ سنوات على توصيل أبنائهم وبناتهم بأنفسهم، لأنهم يدركون أن المسؤولية المهنية لا تلغي المسؤولية الأسرية. بل إن هذا السلوك يمثل مظهراً حضارياً يعكس وعي المجتمع، ويؤكد أن قوة الإنسان في عمله تبدأ من استقراره داخل أسرته. ولكن إذا كنا نريد أن تتحول هذه الثقافة من مبادرات موسمية إلى أسلوب حياة مستدام، فعلينا أن نذهب خطوة أبعد. وهنا يأتي الدور المهم لديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي في مواصلة تحديث منظومة الموارد البشرية الحكومية، والتوسع بصورة مدروسة في ساعات العمل المرنة، والاستئذانات المرنة، والعمل عن بُعد للوظائف المناسبة، وربط الأداء بالنتائج بدلاً من الوجود المادي وحده. فالمرونة لا تعني تقليل العمل، والانضباط لا يعني بالضرورة الجلوس خلف المكتب لساعات طويلة، والموظف المنتج ليس من يبقى في مكتبه أطول وقت، بل من يحقق أفضل نتيجة. وهذه هي النقلة التي تحتاج إليها المؤسسات الحديثة: الانتقال من إدارة الحضور والانصراف إلى إدارة الأداء والإنجاز. يمكن للموظف أن يكون حاضراً ثماني ساعات ولا يضيف قيمة حقيقية، ويمكن لموظف آخر في بيئة أكثر مرونة أن ينجز أكثر، ويبتكر أكثر، ويتحمل مسؤولية أكبر؛ لأن مؤسسته تقيسه بالنتائج لا بالدقائق، والأهم أن المرونة الوظيفية ليست قضية موظفين فقط، بل سياسة أسرية واجتماعية واقتصادية. فعندما تمنح الأب والأم مساحة معقولة لإدارة مسؤولياتهما الأسرية، تقل الضغوط اليومية، ويرتفع الاستقرار النفسي، ويتعزز الانتماء إلى جهة العمل، وتصبح الأسرة أكثر تماسكاً، والموظف أكثر قدرة على التركيز والعطاء. ومن هنا، قد يكون من المناسب التفكير في مرحلة جديدة من تطوير أنظمة الموارد البشرية تتضمن حلولاً عملية، مثل نافذة مرنة لبداية ونهاية الدوام، وساعات أسرية محددة خلال العام، وتسهيلات أكبر للوالدين خلال الأسابيع الأولى من العام الدراسي، وتوسيع العمل المرن وعن بُعد وفق طبيعة الوظيفة، مع تعزيز مؤشرات قياس الإنتاجية والإنجاز. والجميل أن هذه المعادلة لا تتطلب الاختيار بين مصلحة الأسرة ومصلحة جهة العمل؛ بل على العكس، يمكن أن تحقق الاثنتين معاً؛ مرونة أكبر و ثقة أكبر مقابل نتائج أفضل. كما أن تطوير التشريعات والسياسات في القطاع الخاص بالاتجاه نفسه سيجعل التوازن بين الأسرة والعمل ثقافة وطنية متكاملة، وليس ميزة مرتبطة بقطاع دون آخر. إن الدول والمؤسسات المتقدمة لم تعد تتنافس فقط على الرواتب والمزايا، بل على جودة بيئة العمل وقدرتها على استقطاب الإنسان المبدع والمحافظة عليه. والمرونة أصبحت جزءاً أساسياً من هذه البيئة. لذلك، فإن حملة «وصل عيالك» تستحق أن نقرأها بأفق أكبر، فإذا كنا نشجع الأب على أن يوصل ابنه، والأم على أن تكون حاضرة في تفاصيل يوم أبنائها، فمن المنطقي أن نواصل أيضاً تطوير الأنظمة التي تساعدهما على ذلك دون أن يشعر الموظف بأنه مضطر في كل مرة إلى الاختيار بين واجبه تجاه أسرته وواجبه تجاه عمله. قطر قطعت شوطاً كبيراً في تطوير الإدارة الحكومية، والخطوة القادمة يمكن أن تكون أكثر جرأة: بيئة عمل حكومية مرنة، ذكية، قائمة على الثقة والمساءلة والنتائج. فالمستقبل ليس لمن يملك أكبر عدد من الموظفين الحاضرين في المكاتب، بل لمن يمتلك أعلى نسبة من الموظفين المنتجين والمبدعين والمستقرين. وهنا تصبح المعادلة واضحة: أسرة مستقرة تصنع موظفاً مستقراً، وموظف مستقر يصنع إنتاجية أعلى، وإنتاجية أعلى تصنع دولة أكثر تنافسية. ولهذا فإن تطوير قوانين وسياسات الموارد البشرية لمزيد من المرونة الأسرية ليس ترفاً، ولا أمراً مستحيلاً، ولا تنازلاً عن الانضباط؛ بل هو استثمار مباشر في الإنسان والأسرة والإنتاجية. فاصلة أخيرة قد تكون «وصل عيالك» بداية جميلة لفكرة أكبر: لا نريد فقط أن نوصل أبناءنا إلى مدارسهم… بل أن نوصل بيئة العمل في قطر إلى مرحلة أكثر مرونة وإنتاجية وإنسانية.
576
| 10 سبتمبر 2026
مع بداية العام الدراسي وعودة أبنائنا وبناتنا إلى مقاعد الدراسة، لا ينبغي أن تقتصر استعدادات الأسرة على شراء المستلزمات والحقائب والزي المدرسي، بل يجب أن تبدأ معها مسؤولية أكبر وأعمق وهي تهيئة الأبناء نفسياً وفكرياً، وغرس قيمة العلم في نفوسهم، وربط نجاحهم بمستقبل وطنهم. فالأسرة هي المدرسة الأولى، ودور الوالدين لا ينتهي عند متابعة الدرجات والواجبات، بل يبدأ من بناء الدافع الحقيقي للتعلم. علينا أن نزرع في أبنائنا منذ الصغر ثقافة وطنية واضحة تتمحور حول هذه الأسس؛ نحن ندرس لنبني وطننا. نحن ندرس لنرد جزءاً من جميل قطر علينا. نحن ندرس لكي تكون قطر في مقدمة دول العالم في مختلف المجالات. حين يفهم الطالب أن تعليمه ليس مجرد شهادة أو وظيفة في المستقبل، وإنما مسؤولية تجاه وطنه ومجتمعه، تتغير نظرته إلى المدرسة والجامعة، ويصبح للعلم معنى وغاية أكبر. ومن هنا يأتي دور الوالدين في غرس ثقافة الوقت والانضباط والمسؤولية. فالوقت الذي يعتاد الطالب اليوم على احترامه سيصنع مستقبله غداً، والطالب الذي يتعلم تنظيم يومه، والالتزام بواجباته، والقراءة والبحث والتعلم المستمر، هو الذي سيكون أكثر استعداداً للمنافسة والنجاح في عالم سريع التغير. كما يجب ألا يكون حديث الأسرة مع أبنائها مقتصراً على سؤال: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ بل علينا أن نعلمهم استشراف المستقبل: ما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر أو عشرين سنة؟ وما المهارات التي يجب أن أبدأ باكتسابها من اليوم؟ العالم يتغير بسرعة كبيرة، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعلوم والطب والهندسة والأمن السيبراني وتحليل البيانات وغيرها من المجالات تعيد تشكيل سوق العمل. لذلك علينا مساعدة أبنائنا على اكتشاف قدراتهم وميولهم، وفي الوقت نفسه تعريفهم بتخصصات المستقبل والمهارات التي ستجعلهم قادرين على خدمة وطنهم والمنافسة عالمياً. ويجب أن نغرس في أبنائنا مفهوماً مهماً: الذود عن الوطن لا يكون فقط بحمل السلاح، بل يكون أيضاً بالعلم والمعرفة والتخصص. فالطبيب القطري المتميز يذود عن وطنه، والمهندس يذود عن وطنه، والمتخصص في الأمن السيبراني يحمي وطنه، والباحث والعالم والمبرمج والمتخصص في الذكاء الاصطناعي يساهمون جميعاً في حماية مكتسبات الدولة وتعزيز أمنها واستقلالها وتقدمها. إن قطر استثمرت الكثير في التعليم، وأنشأت المدارس والجامعات والمؤسسات البحثية، ووفرت لأبنائها فرصاً كبيرة للتعلم والتطور، ولذلك فإن من أجمل صور رد الجميل للوطن أن نحول هذه الفرص إلى علم وإنجاز وابتكار يخدم قطر وأهلها. وفي المقابل، يحتاج أبناؤنا خلال رحلتهم الدراسية إلى الدعم النفسي من الوالدين. ليس كل تعثر فشلاً، وليست كل درجة منخفضة نهاية الطريق. علينا أن نستمع إليهم، ونفهم الضغوط التي يواجهونها، ونساعدهم على النهوض بعد الإخفاق، وأن نربي فيهم الثقة بالنفس والمثابرة والطموح بدلاً من الخوف من الخطأ. لا شك أن أبناءنا وبناتنا هم الثروة الحقيقية لقطر، والاستثمار الحقيقي في هذه الثروة لا يكون فقط بتوفير أفضل المدارس والجامعات، بل ببناء جيل يعرف قيمة العلم، ويحترم الوقت، ويمتلك المهارات، ويستشرف المستقبل، ويشعر بمسؤوليته تجاه وطنه. ومع بداية هذا العام الدراسي، لنجعل في كل بيت قطري رسالة واضحة لأبنائنا: تعلموا، واجتهدوا، واكتسبوا المهارات، واستعدوا للمستقبل؛ فأنتم لا تبنون مستقبلكم وحدكم، بل تبنون مستقبل قطر. فكل طالب ناجح اليوم، قد يكون طبيباً أو عالماً أو مهندساً أو مبتكراً أو قائداً في الغد، وكل عقل نستثمر فيه اليوم هو قوة تضاف إلى قوة الوطن. فاصلة أخيرة فلنجعل التعليم في نفوس أبنائنا رسالة وطنية قبل أن يكون رحلة دراسية؛ لأن مستقبل قطر يبدأ من مقاعد الدراسة.
453
| 02 سبتمبر 2026
هناك لحظات في حياة الأسرة لا يكون فيها الخطر في المشكلة نفسها، بل في تجاهلها، فعندما يلاحظ الوالدان تغيرًا واضحًا في سلوك طفل أو شاب، أو بوادر اضطراب نفسي أو سلوكي، ثم يختاران الصمت أو الإنكار أو التأجيل خوفًا من الوصمة الاجتماعية أو من حديث الناس، فإن المشكلة لا تختفي، بل تكبر بصمت، وقد تتحول مع مرور الوقت إلى أزمة يصعب علاجها. إن الأبناء أمانة، ورعايتهم ليست خيارًا، بل مسؤولية شرعية وأخلاقية ووطنية، ومن أعظم صور هذه المسؤولية أن يبادر الوالدان إلى احتواء أبنائهم عند ظهور أي مؤشرات تستدعي الاهتمام، وأن يطلبا المساعدة المتخصصة دون تردد أو خجل. وقد أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، هذه الحقيقة في خطابه السامي بدور الانعقاد السنوي الرابع والخمسين لمجلس الشورى عندما قال: "أكرر التشديد على أهمية التربية الأسرية. وسبق أن دار حديث بيني وبين أعضاء مجلس الشورى حول أهمية دور الأسرة في عملية التربية وضرورة اضطلاع الوالدين مباشرةً بعملية تربية الأطفال". إن هذه الكلمات ليست مجرد توجيه، بل تمثل رؤية وطنية تؤكد أن الأسرة هي المؤسسة الأولى في بناء الإنسان، وأن التربية والاحتواء لا يمكن أن يُفوَّضا بالكامل إلى المدرسة أو المجتمع أو أي جهة أخرى. ومن المؤسف أن بعض الأسر تؤخر طلب المساعدة خوفًا من أن يعلم الآخرون، أو خشية أن تتأثر مكانتها الاجتماعية. والحقيقة أن المجتمع لا يحاسب الأسرة على طلب العلاج، وإنما قد يدفع الأبناء ثمن التأخر في التدخل، وهو الثمن الذي يمكن تجنبه إذا تم التعامل مع المشكلة منذ بدايتها. لقد قطعت منظمات المجتمع المدني في دولة قطر شوطًا كبيرًا في توفير خدمات متخصصة في مجال الصحة السلوكية، ومن أبرزها مركز دعم الصحة السلوكية، الذي يعتبر فريدا من خلال تقديم خدمات التشخيص والعلاج والتأهيل للأطفال والشباب والكبار من الجنسين، في بيئة مهنية تراعي السرية والخصوصية، وتقدم خدماتها بما يضمن كرامة المستفيد واحترام خصوصيته. إن اللجوء إلى المختصين ليس اعترافًا بالفشل، بل هو دليل على وعي الأسرة وحرصها على مستقبل أبنائها. وكما نسارع إلى الطبيب عند ظهور أي مرض عضوي، ينبغي أن نبادر أيضًا إلى طلب المشورة والعلاج عند ملاحظة أي تغيرات نفسية أو سلوكية تستدعي ذلك. ولا ينبغي أن تكون الوصمة الاجتماعية سببًا في حرمان طفل أو شاب من فرصة العلاج أو التأهيل، فكل يوم يتأخر فيه التدخل قد يزيد من تعقيد المشكلة، بينما قد يصنع التدخل المبكر فارقًا كبيرًا في حياة الإنسان ومستقبله. إن حماية الأبناء تبدأ من الإصغاء إليهم، واحتوائهم، وفهم احتياجاتهم، وفتح أبواب الحوار معهم، ثم الاستعانة بالمختصين متى دعت الحاجة. فالمجتمع القوي لا يقاس بعدد من يخفون مشكلاتهم، بل بعدد من يواجهونها بشجاعة ووعي ومسؤولية. فاصلة أخيرة حفظ الله أبناءنا وبناتنا، فهم ثروة قطر الحقيقية، ورهانها في المستقبل. فلنكن لهم الحضن الآمن، والسند الصادق، ولنرسخ ثقافة تعتبر طلب المساعدة قوة، لا ضعفًا، ومسؤولية، لا وصمة.
666
| 17 أغسطس 2026
بقلوب يعتصرها الحزن نودّع من أجمع كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة من مواطنين ومقيمين على محبته والحزن على فراقه، ومعهم الملايين من الشعوب العربية والمسلمة الذين شاركونا مصابنا الجلل في فقيد الوطن صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني طيب الله ثراه. نحزن على فقده لأنه هو من بنى نهضة قطر الحديثة وأحدث نقلة تاريخية غير مسبوقة لقطر ليضعها في مصاف الدول المزدهرة والطامحة لأن تسابق الزمن من أجل أن تكون قطر هي الرقم الصعب في كافة المناحي سواء الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والصحية، والرياضية. ولعل الإنجازات التي تحققت في عهده شاهدة على ما عمله سمو الأمير الوالد من أجل أن يتحقق حلمه بأن تُحلق قطر عالية في سماء التميز والريادة، فسموه الذي تعوّد على خوض التحديات والمغامرات من أجل أن يصل إلى هدفه السامي بجعل قطر تلك الدولة صغيرة المساحة قليلة السكان إلى دولة عظيمة لا حدود ولا سقف لتطلعاتها وأهدافها، حتى صارت حديث العالم أجمع. إنها قطر معشوقة حمد بن خليفة الذي أقسم منذ أن تولى مقاليد الحكم فيها عام 1995 بأن يعمل ليلاً ونهاراً من أجل رفعتها وازدهارها وجعلها في مصاف الدول المتقدمة، وبأن يجعل شعبه الوفي من أسعد شعوب العالم وأن يعيش حياة الرخاء والرفاهية. كيف لنا ألا تعتصر قلوبنا حزناً على فراقه وهو من جعلنا نتعلم كيف نتفانى ونجتهد ونعمل بكل أمانة من أجل قطر التي تستحق منا التضحية وبذل النفوس، وكيف لنا ألا نحزن على فراقه وكل ما نشاهده من ازدهار وتنمية شاملة وتطور لا مثيل له في مناحي الحياة في قطر هي من إنجازاته وصنيعه، بدءاً من التعليم والصحة التي اعتبرها سموه اللبنة الأساسية لبناء الإنسان الحقيقي القادر على المشاركة الفعّالة في التنمية وصنع المستقبل الزاهر. أما صناعة الطاقة وتغذية الدولة بالموارد الاقتصادية المتعددة فقد كان لسمو الفقيد الراحل الفضل الكبير بعد الله في جعل قطر في مصاف الدول المنتجة والمصدرة للغاز الطبيعي المسال الذي صار "ماركة مسجلة" ومطلوبا لدى دول العالم كمصدر طاقة نظيفة، حتى أصبحت قطر تتمتع بسمعة عالمية مرموقة كواحدة من أبرز وأوثق القوى العالمية في قطاع الطاقة. وفي عهده حقق نقلة نوعية للإعلام عندما ألغى وزارة الإعلام ورفع الرقابة وأسس قناة الجزيرة التي غيّرت مسار الإعلام العربي وصارت مصدراً موثوقاً للأخبار لوسائل الإعلام العالمية، ومن أهم القنوات الفضائية على مستوى العالم. وأما التعليم وما قدمه سمو الفقيد الراحل من دعم لا حدود له فخيرُ شاهد عليه "مؤسسة قطر" التي تأسست فور توليه مقاليد الحكم عام 1995، وهو ما يدل على حرص سموه بأن يكون دعم التعليم ومخرجاته النبيلة هو أول شغله الشاغل وأول قراراته لخلق جيل متسلح بالعلم وقادر على الابتكار، والآن أصبحت مؤسسة قطر بعد 3 عقود من إنشائها منارة علمية لا تضاهيها أي مؤسسة في العالم وصارت رائدة في مجال البحث العلمي. وإن أردتم أن نتحدث عن الصحة فخير شاهد عليها مركز سدرة للطب الذي يُعد صرحاً طبياً متطوراً يدمج بين العلاج والتعليم الطبي والبحوث العلمية، بالإضافة إلى العديد من المستشفيات والمراكز الصحية التي تم إنشاؤها في عهد سمو الفقيد الراحل. ولأن سموه طيب الله ثراه من محبي وعشاق الرياضة، فلعل إنجاز استضافة كأس العالم في عام 2022 هو نتيجة ثمرات سنوات طويلة دَعَم خلالها سمو الأمير الوالد الرياضة والرياضيين حتى صارت قطر من أهم الدول الرائدة في مجال الرياضة وداعمة لها وصانعة لبطولاتها القارية والدولية، وتتبوأ المناصب القيادية في الاتحادات واللجان الدولية والقارية لكل الألعاب الرياضية. أما السياسة والدبلوماسية القطرية فقد تبوأت في عهده وحتى يومنا هذه سمعة دولية لا مثيل لها، فمنذ أن تسلم مقاليد الحكم في البلاد ونخوته العربية تستصرخه ويحمل في نفسه ألماً قديماً لما يحدث في أمته العربية والإسلامية من تشتت وخلافات جعلت منها أمة ضعيفة لا هيبة لها ولا مكانة لها على الساحة الدولية، فعاهد نفسه بأن لا يقف مكتوف الأيدي وأن يُصلح ما أفسده بعض الرؤساء والساسة بتقريب وجهات النظر بين الدول المتخاصمة والتي عانت كثيراً من ويلات الحروب والدمار، فجعل من قطر وسيطاً يثق به كل الأطراف لحل مشكلاتهم وأزماتهم، حتى باتت الآن قطر هي من تحل الملفات المستعصية بعلاقاتها وحنكتها السياسية والدبلوماسية. حقيقة يجف مداد الأقلام ولا يتسع المقام لذكر مناقب وصفات ومواقف وإنجازات فقيدنا الراحل، فهيهات أن تنجب النساء مثل حمد بن خليفة. فاصلة أخيرة ما يخفف من مصابنا وحزننا على فراق سمو الأمير الوالد أنه ترك وراءه رجالاً صناديد استمدوا منه حُسن الخلق والطيبة والكرم وحبهم لوطنهم وشعبهم، فنسأله جلّ في علاه أن يرحم عبده الشيخ حمد بن خليفة ويسكنه فسيح جناته ويجازيه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه، وشعبه، وأمته العربية والإسلامية.
309
| 15 يوليو 2026
في زمنٍ تتزايد فيه تكاليف الزواج، وتتسع فيه مظاهر البذخ والتفاخر في حفلات الأعراس، تبرز مبادرة الزواج الجماعي للرجال بمجلس الذخيرة كإحدى المبادرات المجتمعية الرائدة التي تعكس أصالة المجتمع القطري، وتؤكد أن التعاون والتكافل الاجتماعي هما السبيل لبناء أسر مستقرة ومجتمع أكثر تماسكًا. وتأتي هذه المبادرة، التي تنطلق في نوفمبر 2026 بإشراف مجلس الذخيرة، لتقدم نموذجًا حضاريًا يجمع بين المحافظة على العادات والتقاليد القطرية الأصيلة، وبين ترشيد النفقات والتخفيف عن الشباب المقبلين على الزواج، دون أن ينتقص ذلك من قيمة المناسبة أو مكانتها الاجتماعية. إن الزواج ليس مناسبة للتفاخر بالمظاهر، وإنما هو ميثاق غليظ وبداية لبناء أسرة صالحة تكون نواة لمجتمع قوي ومستقر. ومن هذا المنطلق، فإن الزواج الجماعي يعيد توجيه البوصلة نحو الجوهر الحقيقي للزواج، بعيدًا عن المغالاة التي أصبحت تشكل عبئًا على كثير من الشباب وأسرهم. وتسهم هذه المبادرة في تحقيق العديد من الأهداف النبيلة، من أبرزها: تخفيف الأعباء المالية عن الشباب المقبلين على الزواج وأولياء أمورهم، الحد من الإسراف والمبالغة في تكاليف حفلات الأعراس، وتعزيز قيم التكافل والتعاون بين أبناء المنطقة والقبائل والعائلات، وتشجيع الشباب على الإقدام على الزواج في سن مناسبة، بما ينعكس إيجابًا على استقرار المجتمع، وترسيخ ثقافة الاعتدال والابتعاد عن المظاهر التي لا تضيف قيمة حقيقية للمناسبة. كما أن المبادرة تؤكد أن الفرح الحقيقي لا يقاس بحجم الإنفاق، وإنما ببركة البداية، واجتماع الأهل والأحبة، والدعاء للعروسين بحياة سعيدة ومستقرة، فالوليمة المشتركة والاحتفال الجماعي لا يقللان من قيمة الزواج، بل يمنحانه بعدًا اجتماعيًا يعزز روح الأخوة والمحبة بين الجميع. ومن الجميل في هذه المبادرة أنها تقوم على مبدأ الاختيار الكامل، فهي ليست إلزامًا لأحد، وإنما فرصة كريمة لكل من يرغب في إقامة زواج ميسر يراعي الظروف الاقتصادية، ويحافظ في الوقت ذاته على العادات القطرية الأصيلة. واليوم، تقع على عاتق الأسر والوجهاء وشيوخ القبائل والشخصيات المجتمعية مسؤولية كبيرة في دعم مثل هذه المبادرات، وتشجيع الأبناء على الاستفادة منها، لأن نجاحها لا يقتصر أثره على الأزواج المشاركين، بل يمتد ليصبح ثقافة مجتمعية تقلل من تكاليف الزواج، وتفتح الباب أمام مزيد من الشباب لتكوين أسر مستقرة. إن المجتمعات القوية لا تُبنى بكثرة مظاهر الاحتفال، وإنما بكثرة البيوت العامرة بالمودة والرحمة، وكل ريال يتم توفيره من تكاليف الأعراس يمكن أن يكون عونًا للزوجين في بداية حياتهما، وأن يوجه نحو تأسيس منزل مستقر، أو تعليم الأبناء، أو بناء مستقبل أكثر أمانًا. ومن هنا، فإن مبادرة الزواج الجماعي بمجلس الذخيرة تستحق كل الدعم والإشادة، لأنها تقدم نموذجًا وطنيًا يعزز قيم المسؤولية الاجتماعية، ويحافظ على الموروث القطري الأصيل، ويؤكد أن التيسير في الزواج ليس انتقاصًا من المكانة، بل هو من الحكمة، ومن صور التكافل التي حث عليها ديننا الإسلامي، وأوصى بها الآباء والأجداد. فاصلة أخيرة فلنجعل من هذه المبادرة بداية لثقافة جديدة عنوانها "زواج مُيسّر وأسرة مستقرة ومجتمع متماسك”، ولتكن رسالة إلى جميع الأسر والمجتمع بأسره بأن التعاون في الخير، والتخفيف عن الشباب، هو استثمار حقيقي في مستقبل الوطن وأبنائه.
720
| 09 يوليو 2026
في السنوات الأخيرة، لم يعد تأثير مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي مقتصراً على الترفيه أو عرض أساليب الحياة المختلفة، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية لكثير من الأسر، فمع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، دخل المشاهير إلى منازلنا عبر الهواتف والشاشات، ورافق ذلك ظهور تحديات اجتماعية واقتصادية وسلوكية باتت تؤثر على استقرار الأسرة وقناعتها بما تملك. أحد أبرز هذه التحديات يتمثل في المقارنات المستمرة التي تفرضها المحتويات المعروضة، فبعض الزوجات قد يتأثرن بما تشاركه إحدى المشهورات من رحلات فاخرة أو مشتريات باهظة أو نمط حياة مترف، فينشأ شعور بالرغبة في تقليد هذه الحياة دون إدراك أن كثيراً من تلك المظاهر تأتي من عقود إعلانية أو رعايات تجارية لا تتحمل فيها المشهورة التكلفة الفعلية لما تعرضه. هذا الأمر قد يضع الزوج تحت ضغوط مالية متزايدة، ويخلق خلافات أسرية ناتجة عن توقعات غير واقعية لا تتناسب مع دخل الأسرة أو ظروفها الاقتصادية، ومع مرور الوقت تتحول المقارنات إلى مصدر للتوتر بدلاً من أن تكون وسيلة للإلهام أو التطوير. أما الأبناء، فقد أصبح كثير منهم يعيشون في عالم افتراضي يصور الشهرة السريعة والثروة الكبيرة على أنها أهداف سهلة المنال، وأصبح بعض الشباب يحلمون بتقليد المشاهير في كل تفاصيل حياتهم، من الملبس والمظهر إلى أسلوب الإنفاق، متجاهلين أن ما يظهر على الشاشات لا يعكس دائماً الواقع الحقيقي أو الجهد المبذول خلف الكواليس. وتؤكد الدراسات الاجتماعية أن التعرض المستمر للمحتوى الاستعراضي قد يؤدي إلى انخفاض مستوى الرضا عن الحياة، وزيادة الشعور بالنقص أو الحرمان، خصوصاً لدى الفئات العمرية الصغيرة التي لا تمتلك القدرة الكافية على التمييز بين الواقع والمحتوى التسويقي. ومن هنا تبرز أهمية دور الأسرة في بناء الوعي لدى أفرادها، من خلال ترسيخ قيم القناعة والاعتدال، وتوضيح حقيقة ما يُعرض على منصات التواصل، وأن كثيراً من الصور والمقاطع ليست سوى جزء مختار بعناية من حياة أصحابها أو مواد دعائية تهدف إلى تحقيق مكاسب تجارية. كما أن على الآباء والأمهات تعزيز ثقافة الإنجاز الحقيقي القائم على العمل والاجتهاد، بدلاً من ربط النجاح بالمظاهر والاستهلاك، فالسعادة الأسرية لا تُقاس بعدد الرحلات أو حجم المشتريات، بل بالاستقرار النفسي والتفاهم والرضا بما قسمه الله للإنسان. وعلى الرغم من الاعتقاد الشائع بأن المجتمعات المتقدمة لا تتأثر بالمشاهير، فإن الواقع يشير إلى أن التأثير موجود في كل مكان، إلا أن الفارق يكمن في مستوى الوعي والقدرة على الفصل بين المحتوى الترفيهي والواقع المعيشي، وعدم جعل حياة المشاهير معياراً للحكم على النجاح أو السعادة. فاصلة أخيرة وفي النهاية، تبقى مواقع التواصل الاجتماعي أداة يمكن أن تكون نافعة أو ضارة بحسب طريقة استخدامها، والمسؤولية تقع على الأسرة في حماية أبنائها من الوقوع في فخ المقارنات المستمرة، وغرس القناعة والرضا، حتى لا يصبح أفرادها ضحايا لصورة افتراضية بعيدة عن واقعهم.
642
| 23 يونيو 2026
قد تنتهي حفلات التدشين، وتنطفئ الأضواء، وتُطوى منصات الاحتفال، لكن ما يبقى فعلًا هو أثر تلك المشاريع في حياة المجتمع والدولة، فالأعمال لا تُقاس بلحظة الإعلان عنها، بل بما تتركه من نتائج حقيقية يشعر بها المواطن والمجتمع على أرض الواقع. في السنوات الأخيرة، شهدنا إطلاق العديد من المشاريع الإستراتيجية والمنصات الإلكترونية والكيانات المؤسسية التي تأتي ضمن أهداف الجهات والمؤسسات الحكومية والخاصة، وبما يتماشى مع إستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة، في مختلف القطاعات الصحية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي خطوة تعكس طموح الدولة ورؤيتها نحو تنمية مستدامة وشاملة، لكن بعد كل تدشين، يبقى السؤال الأهم الذي يتبادر إلى أذهان الجميع: ما الذي تحقق فعليًا؟ فنجاح أي مشروع لا يكمن في جودة الحفل أو حجم التغطية الإعلامية، وإنما في النتائج التي يحققها، والأثر الذي ينعكس على حياة الناس، وهل ساهم المشروع في تسهيل الخدمات؟ هل حسَّن جودة الحياة؟ هل دعم الاقتصاد؟ هل اختصر الوقت والجهد؟ هل أحدث تغييرًا ملموسًا يشعر به المواطن؟ هذه هي المعايير الحقيقية للنجاح. ومن المعلوم أن المشاريع التنموية ليست غاية إعلامية، بل أدوات لتحقيق قيمة مضافة للمجتمع، ولذلك فإن التركيز على "الأثر" يجب أن يكون حاضرًا منذ لحظة التخطيط وحتى مراحل التنفيذ والتقييم، فالمواطن في النهاية لا يبحث عن الشعارات، بل عن نتائج يراها ويلمسها في حاضره ومستقبله. ومن هنا تبرز أهمية الدور المحوري الذي يقوم به المجلس الوطني للتخطيط، ليس فقط في رسم الخطط والإستراتيجيات، بل في التأكد من أن هذه المشاريع تحقق أهدافها الفعلية، وتنتج أثرًا مستدامًا يتماشى مع رؤية الدولة وتطلعات المجتمع. فالمتابعة وقياس الأداء وتقييم الأثر ليست خطوات إدارية ثانوية، بل هي الضمان الحقيقي لتحويل الخطط إلى إنجازات مستدامة، كما أن تعزيز ثقافة المساءلة وقياس النتائج يساعد الجهات المختلفة على تطوير مشاريعها وتحقيق أفضل عائد تنموي ممكن. يجب أن يعي الجميع أن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من ثقافة "إطلاق المشاريع" إلى ثقافة "صناعة الأثر"، فالمجتمعات لا تتذكر عدد المنصات التي أُطلقت، بل تتذكر ما الذي تغيّر نحو الأفضل بسببها. لذلك، عندما نفكر في التنفيذ، علينا أن نتذكر دائمًا النتائج، وأن نجعل الأثر والقيمة هما المحرّك الحقيقي لكل مشروع ومبادرة. فاصلة أخيرة خلاصة القول، إن العرض قد ينتهي، لكن الجمهور يبقى شاهدًا على الأثر.
849
| 07 يونيو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1932
| 18 مايو 2026
" لا شيء يقتل الكفاءة الإدارية مثل تحوّل أصحاب الشلة إلى زملاء عمل" هكذا لخّص الأديب والوزير السعودي الراحل غازي القصيبي واحدة من أخطر الآفات التي تضرب المؤسسات وتُضعف قدرتها على النجاح والتطور، فحين تتحول مواقع المسؤولية إلى دائرة مغلقة تحكمها العلاقات الشخصية والمجاملات، تتراجع الكفاءة، وتُهمَّش الخبرات، ويصبح الولاء للأشخاص مقدماً على الولاء للعمل والوطن. "الشللية" ليست مجرد تجمعات اجتماعية داخل بيئة العمل، بل هي ثقافة تُقصي الكفاءات وتُعطل العدالة وتزرع الإحباط بين الموظفين، والموظف المجتهد حين يرى أن الترقية أو الفرصة أو القرار تُمنح على أساس القرب من المسؤول لا على أساس الجدارة، يفقد الحافز والتفاني في العمل، ويصبح الإبداع بلا قيمة، ويتحوّل العمل إلى ساحة للمحاباة بدلاً من التنافس الشريف. إن المؤسسات التي تُدار بعقلية "الشلة" لا يمكن أن تُحقق استدامة أو نجاحاً حقيقياً، لأنها تُقصي أصحاب الكفاءة وتُبقي على من يجيدون التملق لا الإنجاز، ومع مرور الوقت تتآكل بيئة العمل، ويغيب الابتكار، وتكثر الأخطاء، لأن القرارات لم تعد تُبنى على الخبرة والمعرفة بل على العلاقات الشخصية. والأخطر من ذلك أن "الشللية" ليست عدواً للمؤسسات فقط، بل هي عدو للتنمية الوطنية بأكملها، فلا دولة تتقدم بوجود مسؤول يؤمن بالمحاباة أكثر من إيمانه بالكفاءة، فالتنمية تحتاج إلى العقول المبدعة، وإلى منح الفرص لمن يستحقها، لا لمن تجمعه علاقة شخصية أو مصلحة مؤقتة مع صاحب القرار. ولعل التجربة القطرية تُقدّم مثالاً واضحاً على أن بناء الدول لا يكون إلا بالكفاءة، فقد استطاع صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أن يضع أسس نهضة حديثة جعلت من قطر نموذجاً يُحتذى به في التطور والتنمية، من خلال استقطاب الكفاءات وتمكين أصحاب الخبرة والرؤية، بعيداً عن الحسابات الضيقة، وجاء نهج سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى امتداداً لهذه الرؤية التي تؤمن بأن الإنسان الكفء هو أساس بناء الدولة الحديثة. ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق كل من يتولى منصباً أو أمانة، فالمناصب ليست امتيازاً شخصياً، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية، وعلى كل مسؤول أن يراقب الله في قراراته، وأن يكون مؤتمناً على مصلحة الوطن قبل أي اعتبار آخر، وذلك من خلال توظيف الأكفأ، ومنح الفرص بعدالة، وفتح الأبواب أمام أصحاب القدرات الحقيقية. إن القضاء على "الشللية" يبدأ بترسيخ ثقافة العدالة والشفافية والمحاسبة، ووضع معايير واضحة للتوظيف والترقية، وتشجيع بيئة عمل تقوم على الإنجاز لا العلاقات، فحين يشعر الجميع أن الفرص تُمنح بعدل، تتحول المؤسسات إلى بيئات منتجة تُحفّز الإبداع وتُطلق الطاقات. فاصلة أخيرة وفي النهاية، تبقى الحقيقة الثابتة أن الدول لا تُبنى بالمجاملات، بل تُبنى بالكفاءات. وكل مسؤول يختار أهل الثقة على حساب أهل الخبرة، لا يظلم فرداً فحسب، بل يعرقل مسيرة وطن بأكمله.
1008
| 14 مايو 2026
تشرفت الأسبوع الماضي بحضور جلسة مجلس الشورى التي تناولت المناقشة العامة لتقرير لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والإسكان بالمجلس والمتعلق بموضوع " تعزيز التنشئة الوالدية والتماسك الأسري، والتأكيد على دور الأسرة كنواة للمجتمع " وذلك بحضور عدد من ممثلي المؤسسات بالدولة ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وعدد من المختصين والخبراء في هذا الشأن. ولعل الحضور الكبير للجلسة من قبل المدعوين يعكس مدى أهمية هذا الموضوع على المستويين الرسمي والشعبي بعد أن شكلت هذه القضية هاجساً لدور الدولة والمجتمع ومدى وصول صدى تداعياته على الفرد والأسرة، مما يحتم على الجميع بأن يأخذ الموضوع بشكل جدي للسعي إلى وضع الحلول المناسبة لتعزيز رعاية الوالدين الذي من شأنه أن يشكل الركيزة الأساسية للتماسك الأسري والتنشئة التربوية السليمة. ولاريب بأن أهمية هذه القضية لم يكن لها أن تأخذ كل هذا الاهتمام والزخم لولا التوجيهات السامية لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد حفظه الله ورعاه، عندما وجّه سموّه خطابه خلال افتتاح دور الانعقاد الحالي لمجلس الشورى داعياً ومؤكداً على أهمية تعزيز التماسك الأسري وقيام الوالدين بدورهما في تربية الأبناء. ومنذ خطاب سموّه الكريم السامي ومجلس الشورى ممثلاً بلجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والإسكان وهو يكثف الجهود من أجل العمل على إيجاد الحلول الناجعة لهذه القضية والعمل على اقتراح القوانين المناسبة التي تدعم هذا الموضوع وتساهم في تعزيز التنشئة الوالدية الطبيعية والذي يرتبط بصورة مباشرة بحماية الهوية الوطنية وترسيخ القيم المجتمعية، بما يعزز استقرار المجتمع واستدامة تنميته. وكان مجلس الشورى ممثلاً بلجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والإسكان قد كثّف جهوده طيلة الخمسة شهور الفائتة وسلسلة من الاجتماعات المطولة مع مختلف الجهات ذات العلاقة بالدولة والتي بلغت 12 اجتماعاً، أثمر برفع المجلس للحكومة اقتراحاً برغبة تضمن عدة محاور شملت إنشاء لجنة وطنية دائمة معنية بالرعاية الوالدية والتماسك الأسري، وتطوير أنظمة العمل، وتحديث سياسات استقدام العمالة، ودور الحضانة، وسياسات التربية والتعليم، والإرشاد الديني، ودور الإعلام ووسائله في دعم هذا الموضوع. ولعل التقرير الصادر من اللجنة والذي جاء على لسان سعادة الدكتور سلطان بن ضابت الدوسري رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والإسكان بالمجلس جاء شاملاً ووافياً ومتضمناً لكل المسببات التي أسهمت في تفاقم هذه القضية، كما تضمن التقرير المقترحات والحلول اللازمة لعلاجها والحد من تفاقمها، وأن استقرار الأسرة وتماسكها يعد من أهم أركانها الرعاية الوالدية التي تضمن استقرارها وهو ما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية والعقلية للأبناء، ويسهم في تحسين سلوكهم الاجتماعي ويشجعهم على ممارسة دورهم الطبيعي في عجلة التنمية الاجتماعية للدولة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية دور كافة أفراد المجتمع في دعم هذه الجهود التي ليست هي فقط من الواجبات الموكلة فقط على الدولة ومؤسساتها والوالدين وإنما هي مسؤولية وطنية مشتركة يجب أن تتضافر كل الجهود من أجل دعمها وتعزيزها، فنحن نسير في مركب واحد تتلاطم حوله الأمواج، فإن لم نتمكن من تجاوز هذه الأمواج بحكمة وتعاون وصبر فإننا لن نتمكن من إيصال هذا المركب إلى شاطئ الأمان، لاسيما إن كان الأمر يتعلق بالحفاظ على الأسرة التي تعتبر نواة المجتمع وأساس استقراره. فاصلة أخيرة كنت أتمنى أن يكون لربات البيوت من المواطنات القطريات اللاتي آثرن تربية أبنائهم والبقاء في بيوتهن وعدم الانخراط في سوق العمل رغم حصول معظمهن على شهادات جامعية تؤهلهن للعمل، كنت أتمنى أن يكون لهن نصيب من الاهتمام ولو حتى بصرف مكافآت شهرية لهن دعماً لدورهن في استقرار أسرهن.
597
| 09 مايو 2026
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد خطوة نحو الاستقرار وبناء أسرة، بل تحوّل في بعض الحالات إلى ساحة تنافس مفتوحة، تُقاس فيها القيمة بمدى الفخامة، وعدد الحضور، وحجم التفاعل الاجتماعي. مشهد يتكرر: سباق نحو «أفضل عرس»، و»أفخم قاعة»، و»أكبر عدد من المعازيم»، و»أقوى تغطية إعلامية»، وكأن الحدث لم يعد بداية وبناء حياة جديدة، بل عرضًا قصيرًا يخضع لمقاييس الإبهار، وهي في الأساس أتت من مفهوم دنيوي خاطئ وهو البحث عن الوجاهة! ومن اللافت ظهور ممارسات دخيلة على ثقافة المجتمع، مثل تعدد الأزياء الرسمية خلال ساعات الحفل، أو الالتزام ببروتوكولات أقرب للمناسبات الرسمية منها للاحتفالات الاجتماعية، هذه التفاصيل؛ رغم بساطتها الظاهرية، تعكس تحوّلًا أعمق في مفهوم الزواج نفسه، حيث تتقدّم الشكليات على الجوهر. وخلف هذا المشهد للأسف يقف عامل مؤثر وهو «ضغط المجتمع»؛ فالكثير من الشباب باتوا يخشون «كلام الناس» أكثر من خشيتهم من التبعات المالية أو النفسية، مما تؤدي هذه الخشية إلى إنفاق مبالغ كبيرة، قد تصل إلى حد الاستدانة، فقط لضمان صورة مثالية في نظر الآخرين! لكن ما يغيب عن كثيرين، أن هذا «الاستثمار في المظهر» غالبًا ما يكون قصير الأمد، إذ ينتهي تأثيره بانتهاء حفل الزواج، بينما تبقى التبعات المالية والنفسية لفترة أطول، قد تمتد إلى بداية الحياة الزوجية نفسها. ولعل علم النفس يُفسّر هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ Status Anxiety، وهو القلق المرتبط بالمكانة الاجتماعية ونظرة الآخرين. في هذه الحالة، لا يُبنى القرار على القناعة الشخصية، بل على المقارنة المستمرة مع الآخرين، والسعي لتجنب الانتقاد أو التقليل. هذا النوع من التفكير قد يدفع الأفراد إلى تضخيم التفاصيل الشكلية على حساب الأساسيات، ويجعل من لحظة الفرح مصدر توتر بدل أن تكون مناسبة للراحة والاطمئنان. في مقابل هذا الاتجاه، يبرز مفهوم بسيط لكنه عميق الدلالة مفاده أن البركة تكمن في التيسير، وأن البدايات الهادئة قد تكون أكثر استقرارًا، فالزواج؛ في جوهره ليس مناسبة عابرة، بل مشروع طويل الأمد يقوم على التفاهم والمسؤولية والمودة. ولعل إعادة ترتيب الأولويات باتت ضرورة ملحة في مثل هذه الظروف، بحيث يعود التركيز إلى جودة العلاقة لا شكل الحفل، والاستقرار النفسي لا الانطباع الاجتماعي، والقدرة على الاستمرار لا لحظة الظهور. فاصلة أخيرة حين تتحول بداية الزواج إلى استعراض، يفقد الحدث معناه الحقيقي. أما حين يُبنى على القناعة والبساطة، فإنه يفتح الباب لحياة أكثر توازنًا وهدوءًا. فالزواج لا يُقاس بما يُقال عنه في ليلة واحدة، بل بما يُبنى على أسس نفسية وقناعة شخصية دون التأثر من ردود وآراء آنية.
1431
| 16 أبريل 2026
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
3045
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2217
| 23 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...
1044
| 27 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...
843
| 28 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
726
| 23 سبتمبر 2026
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...
588
| 27 سبتمبر 2026
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...
519
| 22 سبتمبر 2026
يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...
468
| 25 سبتمبر 2026
في قلب النهضة الشاملة التي تعيشها قطر، يبرز...
438
| 28 سبتمبر 2026
اليوم تنطلق في جدة النسخة الـ 27 من...
432
| 23 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية