رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ذكرني وقوفه خلف منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة ممسكا بلوح أبيض كبير قد رسم عليه شكلا لقنبلة كاريكاتورية مؤشرا عليها بقلمه الفسفوري الأحمر، بأحد مدرسي مادة الفيزياء بالمدرسة الثانوية... إنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو شارحا وجهة نظر بلاده لمندوبي 192 دولة هم عدد- التلاميذ- أقصد الأعضاء بها. وإن لم يكونوا قد استعدوا بعد لبداية حقبتهم الدراسية الجديدة بإحضار الزي المدرسي المناسب والكتب والملازم التي تطبعها إسرائيل وتسوقها بعض وسائل الإعلام العالمية، بل والعربية.
إلى هذا الحد بلغ الاستخفاف وفقدان الأوراق الحقيقية مبلغه لدى الإدارة الإسرائيلية، وكأن شعوب العالم كلها قد أصيبت بالزهايمر، فلم نعد نذكر من هم حلفاء الأمس القريب الذين تعاونوا بينهم فيما عرف حينها بفضيحة إيران كونترا.
ولمجرد التذكير، فإن ما عرف بإيران كونترا هي تلك الفضيحة التي اهتز لها وجدان الرجل الأبيض على شاطئ المحيط الأطلسي، سواء في أوروبا الغربية أو في الولايات المتحدة الأمريكية، حين علم أن زعيم واشنطن والعالم المتحضر، الرئيس الأسبق رونالد ريجان، قد عمل على إمداد إيران بزعامة الإمام الخميني، والذي لم ينفك يسمي الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر... أقول عمل ريجان على إمدادها بصفقة أسلحة متطورة عبر إسرائيل ليشد من أزرها في مواجهة العراق أثناء حرب الخليج الأولى في ثمانينات القرن الماضي، في مقابل أموال إيرانية تم الدفع بها لمناهضة نفوذ الاتحاد السوفيتي في نيكاراجوا.
وربما تصور السيد نتنياهو أن مصر الثورة ما تزال منخدعة بتلك المشاحنات والحروب الوهمية التي تديرها إسرائيل حول إيران، أو أننا قد ارتجفت قلوبنا حول ضربة استباقية توجهها إيران إليه، أو أننا لا ندرك المصلحة الكبرى التي تؤديها إيران للولايات المتحدة الأمريكية ببقائها مهددة لدول الخليج العربي حتى تظل متمسكة بالوجود الأمريكي العسكري على أرضها وشواطئها، مبددة ثرواتها عليه طلبا للأمان.
ربما أرادنا السيد نتنياهو أن ننسى أنه حين قرر أن يضرب مفاعلا نوويا فقد ضرب المفاعل العراقي، وحين قررت أمريكا أن تفكك دولة فقد فككت العراق ووضعت على رأسه نظاما مواليا لإيران التي سبق أن دعمتها في حرب الخليج الأولى.
ولهذا كله فإن الدبلوماسية المصرية في عصر ما بعد ثورة 25 يناير قد قررت أن تفتح الباب على مصراعيه أما إيران لتثبت أو تنفى رغبتها في أن تتسق مع واقعها الإقليمي، بل ومع ثقافتها المقاومة المؤيدة لحق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار حكامها بملء إرادتها كما فعلت إيران نفسها في ثورتها ضد حكم الشاه، بأن وضعت أمامها قضية الشعب السوري من خلال إشراكها في الرباعية التي اقترحها الرئيس مرسي مع أخريات كالسعودية وتركيا.
وهنا يمكن أن نفهم تصريحات وزير الخارجية المصري عمرو كامل حينما قال: "قلنا للإيرانيين إما أن تكونوا جزءا من الحل أو أن تستمروا جزءا من المشكلة، وحينها ستسقطون مع نظام دمشق الساقط لا محالة".
وهو ما يعني أنه على إيران أن تجيب على السؤال: هل ستدخل من خلال الباب الذي فتحه لها الرئيس مرسي إلى علاقات إقليمية سليمة؟ أم أنها ستغلقه دون نفسها فتترك وراءها كل فضاء كانت قد توغلت فيه خلال ثلاثة عقود مضت، احتفظ فيها مبارك بورقة إيران تحت إبطه، برهن الولايات المتحدة الأمريكية، يخرجها متى أرادت ويخفيها متى أرادت؟
إن الإحجام واللافعل الذي كان يجسده عصر مبارك هو الذي طرح مصر خارج المعادلة الإقليمية والدولية عقودا مضت، حتى أن المُراجع لبعض وثائق ويكيلكس عن لقاءات الرئيس السابق مع الأمريكيين يستشعر دون جهد أنه كان مجرد مراسل صحفي لهم في المنطقة، ينقل لهم انطباعاته وانطباعات الزعامات العربية فيها، حتى أنك تعجب من أن معظم المحادثات كانت تدور حول ما يطلبه الأمريكيون وليس بها أبداً شيئا عما تطلبه مصر. ونتيجة لذلك فقد تركت مصر بإحجامها عن أداء دورها فراغا سياسيا مهولا في العالم العربي شجع أطرافا عديدة على لعب أدوار لم تكن لها، حتى بلغ الأمر ذروته بطرح ما عرف حينها بالمنظومة الشرق أوسطية التي تعتبر فيها إسرائيل بالنسبة للعالم العربي دولة شرق أوسطية، مثلها مثل المملكة العربية السعودية مثلا.
ولعل التغير الحادث في بداية استخدام مصر لأوراقها الإقليمية فيما يخص إيران بعد ثورة 25 يناير هو ما يثير كثيرا من القلق لدى دوائر صنع القرار الأمريكي. ويحسن بنا هنا أن نسترشد بما ذكره السيد ديفيد شينكر والسيدة كريستيان لين في مقالهما في جريدة لوس أنجلوس تايمز قبيل زيارة الرئيس مرسي إلى الصين وإيران، تحت عنوان(تقارب مصر مع الصين وإيران يزعج السياسة الأمريكية) حيث قالا: إن هذه السياسة الجديدة التي تتبعها القاهرة والتي تتمثل في إعادة التقارب مع طهران هي الأوضح في محاور سياسة مرسي الخارجية. ورغم أن الفكرة بأن مصر هي حليف رئيسي للولايات المتحدة منذ فترة طويلة وأن توصيف نفسها كـ "غير منحازة" تعتبر فكرة بغيضة، إلا أنه ونظراً لتصاعد حدة التوتر بشأن برنامج إيران النووي فإن توقيت زيارة مرسي يبدو مستفزاً بشكل خاص.
وسواء اتفقنا أم اختلفنا مع تحليلهما إلا أن هذا يؤكد تحول مصر من سياسة الإحجام واللافعل إلى سياسة الإقدام والفعل المؤثر التي كنا نفتقدها في عصر ما قبل الثورة.
النفط والصراع السياسي في ليبيا
أعلنت القوات الموالية للحكومة غير المعترف بها في ليبيا، أنها سيطرت على ميناءي السدرة ورأس لانوف الرئيسيين في... اقرأ المزيد
646
| 16 سبتمبر 2016
أوروبا واليمين المتطرف
يبدو أن أوروبا مقبلة على صعود كبير لأحزاب اليمين المتطرف، خاصة بعد النجاحات التي حققتها تلك الأحزاب في... اقرأ المزيد
558
| 14 سبتمبر 2016
الانتخابات الصومالية وتحديات البناء
مع دخول شهر سبتمبر يكون الصومال على موعد مع إجراء انتخابات هي الثانية منذ العام 1991، عندما تمت... اقرأ المزيد
616
| 02 سبتمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4260
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3201
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1125
| 28 سبتمبر 2026