رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشعب...، أي شعب في العالم عندما يرضخ لظروف قاهرة لإرادته وأمانيه وتطلّعاته، لا يعدم الوسيلة للتخلص من الظلم والقهر والتسلط المنفرد أو الجمعي، عبر الثورات بكل أشكالها وصورها، أو الاحتجاجات، ومن ذلك أيضا الاعتصامات والعصيان المدني، والإضرابات، وغير ذلك من المظاهر وردود الفعل الشعبية.
مع انسداد آفاق التسوية مع (إسرائيل)، وفشل نهج المفاوضات، الذي اتبعته منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة وحزبها حركة فتح، ارتفعت مجددا أصوات الشبان الفلسطينيين، فنظّموا حملة من المظاهرات والمسيرات انطلقت في 15 مارس عام 2011، وتلاحقت على فترات متباعدة في كل من مدن الضفة الغربية وقطاع غزة للمطالبة بإنهاء الانقسام بين قطبي الثنائية الفلسطينية، حركتي فتح وحماس، منها مجموعات وتكتلات وائتلافات شبابية، أطلقت على نفسها اسم (شباب 15 مارس)، وما أطلق عليه (جيل أوسلو)، والملتقى الوطني (أنا فلسطين) الذي نظّم مؤخرا اعتصاما في بلدة أبو ديس بضواحي القدس، تحت شعار(استمرار الانقسام وصمة عار في جبين الشعب الفلسطيني).
هذا الانقسام الذي ارتبطت أسبابه بعراقيل الانتقال السلمي للسلطة بعد فوز حركة حماس بأغلبية المقاعد في الانتخابات التشريعية في العام 2006، غذّتها أمريكا وإسرائيل وبعض دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب أنظمة عربية رسمية، أفرز حكومتين بسلطتين سياسيتين وتنفيذيتين في الضفة الغربية وقطاع غزة، إحداهما تحت سيطرة حركة فتح، والأخرى تحت سيطرة حركة حماس.
طالب الشبان الفلسطينيون في بيان منشور على وسائط التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر.. إلخ) بحل جذري للوضع الراهن يبدأ بإخراج كل الأسرى السياسيين والمعتقلين من سجون حركتي حماس وفتح، وبإجراء انتخابات مجلس وطني جديد بمشاركة كافة المكونات السياسية للشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، فلسطينيي المخيمات في الدول العربية، وفلسطينيي الشتات حول العالم، وبوقف كافة أشكال الحملات الإعلامية من الطرفين، واستقالة حكومتي إسماعيل هنية في غزة وسلام فياض في رام الله للتمهيد لحكومة وحدة وطنية متفق عليها من كافة الفصائل الفلسطينية.
وشددوا على وقف أو تجميد المفاوضات مع (إسرائيل)، كما طالبوا بإنهاء الفساد والعمل على الإصلاح السياسي والاقتصادي، ووقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله مع إسرائيل، والعمل على إنهاء حصار قطاع غزة وإعادة إعمار مدنها ومخيماتها، وفتح المعابر، كما طالبوا بانتخابات حرة ونزيهة، واقتصاد حر مستقل.
مجموعة هذه المطالب المتدرّجة التي حوتها صفحات الإنترنت حينها، مع اندلاع الاحتجاجات والمسيرات في العديد من المدن الفلسطينية الكبرى، فاجأت السلطة الفلسطينية، كما كان مفاجأ بذات القوة والقلق لقيادتي حركتي فتح وحماس من اتساع نطاق الحراك الشعبي، خاصة أن الفضاء العربي المحيط بفلسطين متخم بالأحداث المتسارعة وبالاحتجاجات العارمة مطلع العام 2011، أي ما سمي بثورات الربيع العربي (الثورة التونسية والثورة الليبية وثورة 25 يناير المصرية التي أطاحت بالرؤساء زين العابدين بن على ومعمر القذافي وحسني مبارك).
كما أن من مظاهر المشاهد التي تستدعي القراءة، حملة (وطنيون لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الفلسطينية)، حيث عقد القائمون عليها، وينتمون إلى شرائح اجتماعية مختلفة، فنانون ومثقفون وحقوقيون ونشطاء سياسيون ومدنيون، رجال ونساء، وشباب، وشخصيات دينية، جمعتهم قضية واحدة، وهي قضية المصالحة الوطنية، وإنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة السياسية والديمغرافية بين الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، مؤتمرا موسعا في طولكرم، تمخّض عن تشكيل لجنة دائمة ومسؤولة للمتابعة.. والسؤال أين هي هذه اللجنة، وماذا جنت؟
وسجّل الرصد في هذا الصدد، عقد مؤتمر نقاشي لمركز مسارات للدراسات الإستراتيجية في مدينة البيرة بالضفة الغربية المحتلة بداية شهر أغسطس الماضي، بعنوان (نحو رؤية شاملة لإعادة بناء الوحدة الوطنية) بمشاركة مواطنين من مختلف الشرائح في جناحي الوطن الفلسطيني عبر نظام (الفيديو كونفرنس)، وشارك فيه أيضا ممثلون عن المخيمات الفلسطينية في لبنان، طرحت خلاله ما خلاصته "ما العمل" لتحقيق الوحدة ومواجهة الانقسام السيئ الذكر والصيت والسمعة، والذي يمكن اعتباره بمثابة النكبة الثالثة أو الرابعة؟
بدا الأمر في المشهد الفلسطيني كما ذكرت مفاجئا، من حيث هوية الحراك الشعبي، فنحن لا نتحدث عن وسيط بين طرفي الانقسام، بل عن مكونات أصيلة للشعب الفلسطيني، بمختلف توجهاته الفكرية والسياسية، وتحظى بمكانة اعتبارية عمّدتها بصمودها الأسطوري على أرضها، ونجاحها الفائق في حفظ هويتها الوطنية، ونضالها الذي لا يتوقف لانتزاع حقوقها الوطنية من سلطات احتلال استعماري متوحّش.
وبالعودة إلى نتائج النقاشات التي دارت في المؤتمرين المذكورين، فقد كانت التصريحات المتباينة لكل من حركتي حماس وفتح واضحة، فكل طرف حمّل المسؤولية للأخر، مما يوحي بعدم رغبتهما التخلي الطوعي عن الانقسام، وفقا لمجمل تعليقات وآراء المشاركين، وأجملها الكاتب والصحفي الفلسطيني برهوم جرايسي فيما يلي:
1) المتابع للأوضاع الفلسطينية يلاحظ أنه كلما تم تشكيل لجنة للحوار بغرض إنهاء الانقسام، تعمّق أكثر، واتّسعت الفجوة بين الطرفين.
2) البعض داخل قيادة منظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية، وفصائل العملية السياسية، تتجه كلها نحو مأسسة الانقسام وإدارته.
3) ليس هناك مصلحة للطرفين الرئيسيين في إنهاء الانقسام، فلكل منهما باتت له منافع ومصالح وامتيازات أما شخصية أو حزبية لا يمكن أن يتخلى أو يتنازل عنها بسهولة تحت أي مسمى أو عنوان.
4) الاتهامات الحادّة والمتواصلة بين حركتي فتح وحماس حول الاعتقالات المتبادلة بين الطرفين في القطاع والضفة، لا تؤشر إلى وجود الرغبة لديهما في إنهاء الانقسام.
وتحت الضغوط الشعبية المتصاعدة. وقّعت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في القاهرة يوم 27 أبريل 2011 بالأحرف الأولى (وثيقة الوفاق الوطني للمصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني) برعاية مصر لإنهاء حقبة الانقسام الفلسطيني بعد أكثر من أربع سنوات من الانقسام، أي منذ يونيو 2007، ومهّدت الوثيقة (الاتفاق) لإقامة حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات عامة، فعمّت الفرحة والابتهاج الكل الفلسطيني، وسادت معالم الابتهاج والفرح بين الأوساط الشعبية، ورفعوا العلم الفلسطيني ورايات حركتي فتح وحماس جنبا إلى جنب.
وفي شهر أبريل من العام 2011، وقّعت باقي الفصائل الفلسطينية في القاهرة على (وثيقة الوفاق الوطني للمصالحة وإنهاء الانقسام)، والتي كانت رافعة لكل اللقاءات والحوارات اللاحقة في كل من العاصمة القطرية (الجلسات الحوارية بالدوحة)، وبنود اللائحة التنفيذية للقاء مخيم الشاطئ في غزة.
واجهت سلطات الاحتلال الإسرائيلي هذه الخطوة من جانب الفلسطينيين على طريق المصالحة وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني بالرفض، وحينها نقلت صحيفة (هآرتس) عن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه ومستشاريه أجروا محادثات مع الإدارة الأمريكية وجهات دولية أخرى لإحباط احتمالات المصالحة الوطنية الفلسطينية، والضغط على رئيس السلطة محمود عباس كي يمتنع عن تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حماس، وقال نتنياهو في مقابلة مع شبكة (سي أن أن) التلفزيونية الأمريكية يوم الأربعاء 16 مارس أن الفلسطينيين في فتح يتحدثون الآن عن وحدة وطنية مع حماس التي "تدعو إلى القضاء علينا"، وقال "على السلطة الفلسطينية الاختيار بين السلام مع إسرائيل أو السلام مع حماس"، كما طالب حزب (إسرائيل بيتنا) الحكومة والمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية بقطع كافة الاتصالات مع السلطة الفلسطينية.
أما الولايات المتحدة فردّت بفتور على الاتفاق، ووصفت حماس بأنها منظمة إرهابية،وقالت إن أي حكومة فلسطينية لابد أن تنبذ العنف،مشددة على مواقفها السابقة،وهي اعتراف حماس بإسرائيل،وهي مواقف أعلنتها واشنطن مرارا في عهد الرئيس السابق جورج بوش.
على مدى الأعوام الماضية، أي منذ العام 2011، بعد انهيار اتفاق المصالحة، وما سمي (وثيقة الوفاق الوطني للمصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني) برعاية مصر في ذلك العام، بسبب التجاذب الداخلي بين مصالح قيادات متنفّذة (جماعات المصالح)، التي نمت وترعرعت على مخرجات الانقسام السوداء، ومكاسب الحرس القديم ومناصبه وامتيازاته في حركتي فتح وحماس، وضغوطات خارجية وقفت وراءها (إسرائيل وأمريكا)، وتدخلات من بعض الأنظمة العربية الرسمية، وقف الشارع الفلسطيني، والأغلبية الصامتة، في حيرة من أمر القيادات السياسية.
دبّت الروح مجددا لدى الشبان الفلسطينيين والمثقفين ورجال الفكر ومنظمات المجتمع المدني، فتحرّكت في مظاهرات ومسيرات احتجاج عمت شوارع المدن في الضفة والقطاع مطالبة بوضع اتفاق المصالحة حيّز التنفيذ، وتحديدا عقب جولات الحوار الفلسطيني الثلاث بين قطبي الانقسام التي استضافتها دولة قطر بداية العام الجاري، وركام المبادرات والاتفاقات والتفاهمات التي سبق وأن أبرمت في حوارات القاهرة والدوحة وغزة وغيرها، بالتوازي مع مظاهر التصدّي لقوات الاحتلال ووحشيتها ومصادرة الأراضي والتغوّل الاستيطاني بكافة صوره وأشكاله، إلا أن قساوة وضراوة تعامل الشرطة الفلسطينية وأجهزة الأمن في الضفة الغربية قمعت الحراك الشعبي، وكذلك الأمر في قطاع غزة حيث لم يكن تعامل شرطة حماس وأجهزتها الأمنية بأقل قسوة وضراوة.
هذا الحراك الجماهيري الفلسطيني فشل، وسبب الفشل، كان غياب الشمولية والتنظيم والتنسيق وعدم بروز قيادة موحّدة لإدارة هذا الحراك وتطويره إلى انتفاضة سلمية بشعارات وطنية قوية ومحدّدة وواضحة، تماما كما حصل حين اندلعت انتفاضة الأقصى في العام 2000 ضد الاحتلال، وقبلها انتفاضة الحجارة.
الانقسام بين قطبيه، فتح وحماس، سيستمر، إلّا إذا مارس الشعب الفلسطيني بكل مكوّناته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، داخل الوطن المحتل، وفي دول الشتات والاغتراب، ضغوطا جدّية، منها، أولا، عقد مؤتمر شعبي موسع يمثل الكل الفلسطيني تحت شعار(المصالحة الوطنية أولا)، على قاعدة ما تم التوصل إليه في لقاءات القاهرة والدوحة ومخيم الشاطئ بغزة، على مرحلتين، الأولى داخل الوطن الفلسطيني، والمرحلة الثانية لفلسطينيي الخارج واللاجئين في عاصمة عربية برعاية جامعة الدول العربية لنفس الهدف، ثانيا، تكليف شخصيات وطنية مؤثّرة من المشاركين لعرض النتائج والمطلب الوحيد على السلطة وحزبها حركة فتح، وعلى قيادة حماس وباقي الفصائل الفاعلة، ثالثا، تنفيذ احتجاجات سلمية واسعة وشاملة، منها الاعتصامات المدنية والإضرابات والمسيرات في الداخل الفلسطيني والعمل على إنفاذها بكل السبل والأدوات المتاحة، وتنفيذ مماثل لفلسطينيي الخارج أمام سفارات وممثليات فلسطين في الإقليم العربي ودول الاتحاد الأوروبي وأمريكا وغيرها، بالتزامن، أو بالتدرّج الزمني، رابعا، تشكيل جبهة عريضة من القوى والشخصيات الوطنية العربية لمواجهة الانقساميين أن أصرّوا على وضع العراقيل أمام تنفيذ استحقاقات بنود المصالحة وحواراتها ومخرجاتها.
لا رابح من الانقسام سوى الاحتلال، وأهم خاسر لا محالة، هو الشعب الفلسطيني الذي ضاق ذرعًا باستمرار حالة التشظي، ولابدّ من التحرّك، عاجلًا قبل آجلًا، لوضع حد لهذه الحالة الشاذّة والمعيبة.
أدعوا جميع المخلصين والشرفاء من أبناء شعب فلسطين، وكل العروبيين والغيورين على القضية الفلسطينية، العمل معا كتفًا لكتف، إلى جانب الحراك الشعبي السلمي الفلسطيني، والقيام بما هو متاح من أنشطة وتحركات، حتى يجنح قطبي الانقسام لخيار تحقيق المصالحة، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وهي خطوة أولى على طريق تحرير الأراضي الفلسطينية، ودحر الاحتلال بكل مسميّاته وعناوينه العسكرية والاقتصادية والتجارية والأمنية.. إلخ، وهو ما افتقدته كافة المبادرات العربية التي عملت على إنهاء الانقسام طوال السنوات الماضية، أما لماذا فشلت الوساطات العربية (السعودية، مصر وقطر) في إنهاء الانقسام في البيت الفلسطيني الداخلي.. فللحديث بقية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3228
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1248
| 01 أكتوبر 2026