رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انهت السلطة الفلسطينية أمس برنامجا أعدته ونفذت فعالياته لإحياء الذكرى الثامنة لرحيل عرفات – رحمه الله - وأعطت بذلك الانطباع بأنها الأخلص للرجل والأولى به والمعنية بذكراه.. وهنا – من وجهة نظري - إشكال حقيقي يجدر تفصيل القول فيه ؛ هذا الإشكال أتحدث عنه لا لعداوة مع أحد ولا لتجريح أحد ولا مشاركة في حملة على أحد لسبب أو لظرف أو لموقف أو لدافع ما.. ولكن لأن تركة عرفات السياسية والوطنية والثورية دفع ثمنها كل فلسطيني وكل من دعم القضية الفلسطينية وكل من ضحى من أجل فلسطين حتى صارت حقا وامتيازا وطنيا عاما بقدر ما صار عرفات نفسه رمزا وطنيا وشخصية عامة..
للأسف أن هذا الميراث الذي تركه الراحل لشعبه وأمته قد صار من بعده في يد فئة أحاطت به وبمشروعه ورؤيته في آخر حياته وواجهته وضايقته واقتطعت صلاحياته وأعانت على حصاره، ثم مات وهو عليها غاضب ولها ولمسلكها كاره ورافض! لما مات مشى هؤلاء في جنازته ولطموا الخدود وشقوا الجيوب كما لو كانوا عصبته فصاروا بذلك وٌرَّاثه وأولياء دمه.. ولما انتهى الحلم الذي عاش ومات على أمل تحصيله والفرص التي صنعها بسعي الليل والنهار والمواجهة والعناد ودفع حياته ثمنا لها تحت أيديهم ضيعوها بألاعيبهم وتنازلاتهم فانهارت وها هي تنهار وتتبدد الواحدة تلو الأخرى..
وأرى أنني قبل التوغل في تفصيل القول حول ذكرى الرجل وتأبينه ومن يحق أو لا يحق له أن يتصدى ويتصدر ذلك.. أرى أن عليّ الاعتراف بأن الحديث في عرفات - رحمه الله تعالى – وادعاء الحرص على تركته يحمل من الحساسية والانفعال ما يحمله بالأخص في ذكرى وفاته، وبأخص الأخص عندما يصبح التزلف له والتقرب منه بضاعة الهالكين البائرين المتسلقين، وعندما يكون المتحدث عنه ممن لم يدّعوا يوما الفناء في حبه والهيام في مشروعه بل وكثيرا ما كتبوا في نقده والاعتراض على اجتراحاته وتنازلاته – مثلي –.
لكن للرجل صفحات مشرقات يمكن الدفاع عنها! والرجل قد مات – أو قتل – تحت الحصار! وقد انقلب هو ذاته في السنوات الثلاث الأخيرة على مشروعه وسلطته التي رأى أنها تحولت لهيئة وظيفية خاضعة لالتزامات ومقتضيات الاحتلال - فإن نبكيه فنحن صادقون لأننا نبكي الرجل الذي حول أجهزة السلطة إلى مقاومين يَقتلون ويُقتلون، وإن نؤبّنه فنحن صادقون لأننا نؤبّن الرجل الذي شكّل وموّل وسلّح كتائب شهداء الأقصى وكلّفها أن تقاتل جنبا إلى جنب مع إخوانها في حماس والجهاد والمقاومة حتى صار الدم والغاية والرؤية والمصير واحدا موحدا وطريقا بيّنا محددا للشعب الفلسطيني ولكل فصائله.. وإن نحتفي بذكراه فنحن صادقون لأننا نحتفي بذكرى مرحلة وإن قصرت زمنيا لكنها كانت خاتمة حياته ومليئة بالحرص على الوحدة الوطنية وحاشدة بمحاولات إخراج الشعب الفلسطيني من تحت السقوف السياسية المنخنقة التي اعترف هو أنه تسبب فيها.. وإن نحزن على الرجل فإننا صادقون ومنسجمون مع أنفسنا وقناعاتنا لأننا نحزن على رجل تخلى عنه أقرب أتباعه وعاندوه وواجهوه وارتبطوا بمشاريع خارج وطنية وخارج ثورية، فلما رآهم كذلك لم يخضع لهم ولم يخنع لمؤامراتهم ولم يستسلم لتهويلاتهم وتهويناتهم بل طردهم وفضحهم وقلاهم وكرههم وحذر منهم وأبعدهم وربما لطم بعضهم..
هذه هي الفترة التي نبكيها ويبكيها كل مخلص، وهذا هو الرجل الذي نؤبّنه اليوم ويؤبّنه كل حر، وهذه هي مبررات الدفاع عنه وعن تركته.. ولهذا لا أجدني وأنا أفعل ذلك متزلفا كذبا ولا منفصما عن نفسي وقناعاتي التي عشت بها ولها وعليها.. فقد عارضناه يوم عارضناه وانتقدناه يوم انتقدناه وكتبنا ما كتبنا وخاصمناه ما خاصمناه على أساس واحد هو " الولاء لفلسطين وشعب فلسطين " ؛ فالحقيقة إذن واحدة ولكن الحال هو الذي تغير.. وهذا بالضبط هو الموضع الذي ينصبّ عليه اهتمامي في هذا المقال..
وأقول: إن الذين يؤبنونه اليوم من هؤلاء وإذا تجاوزنا ما يزعمون لأنفسهم من ولائه ومن حب وهيام فيه ونظرنا عوضا عن ذلك لنهايات ما وصلوا وأوصلوا قضيتهم وشعبهم إليه.. فإن جملة مساحات الفرق ودرجة الانحراف تصل إلى النقيض تماما لما كان عليه الراحل.. ولنسأل الأسئلة الافتراضية الآتية:
لو أن عرفات لا يزال حيا.. هل كان سيتجاهل رموزا كان يقود بها فتح والسلطة وكانت تمثل لديه قيمة وطنية وثورية كنبيل شعث وهاني الحسن (الذي توفي شبه مفصول من منظمته لرأي قاله واعتراض اعترضه) وأين فاروق القدومي وأين مروان البرغوثي.. أين هم منذ غاب عن الدنيا؟ ولماذا لم يعد لهم دور ولا قيادة ولا تأثير على مواقف وقرارات فتح والسلطة؟
ولو أن عرفات لا يزال حيا.. وهو الذي رفعوا في وجهه شعار " السلطة المطلقة مفسدة كاملة " اعتراضا عليه واستقطاعا لسلطاته.. هل كان سيسمح أن تجتمع (رئاسة السلطة، ورئاسة المنظمة، ورئاسة فتح، ورئاسة الدولة، في شخص واحد هو رئيس رئاسات الشعب والقضية والحاضر والمستقبل الفلسطيني " عباس "؟
ولو أن عرفات لا يزال حيا هل كان ليبقي على كل هذا التنسيق الأمني " أو التعاون المخابراتي " المجاني مع الاحتلال رغم تعطل التسوية واستمرار الاستيطان واستكلاب المستوطنين وتهويد القدس وتهديم أحيائها؟ وهل كان سيسمح بهذا التعقب الدموي الذي يطاول المقاومة ويستأصل شأفتها؟ وهل كان سيسمح لأحد مهما ادعى " هذا الأحد " لنفسه من وطنية وواقعية أن يجاهر ليل نهار بأنه لن يسمح بانتفاضة ثالثة وأنه لا يملك الحق في سكنى صفد أو يبنا أو عكا أو الجورة؟
ولو أن عرفات لا يزال حيا هل كان سيسمح لأشخاص اعتبروا منذ أول يوم من محاسيب واستقطاعات " أمريكيا تحديدا " أن يتصدروا السلطة وأن يحتلوها وأن يملكوا صادرها وواردها وإفقارها وإغناءها وعلاقاتها وتنسيقاتها وتسييراتها وتسهيلاتها وموازنات الفصائل المنضوية والمسيّرة داخل المنظمة؟
ولو أن عرفات لا يزال حيا ومع أنه اختلف مع فصائل المقاومة واستهدف حماس والجهاد في حدود تقبلتاها واحتملتاها ودون أن يفرط في شعرة معاوية - رضي الله عنه - هل كان سينساق في حملة على المقاومة تصل إلى الانقسام الدموي الذي تعاني منه القضية الفلسطينية كلها اليوم؟ وهل كان سيسمح بتفكيك كتائب شهداء الأقصى – الفتحوية – وأن تباع أسلحتها وأن يتحول بعض رموزها لممثلين من الدرجة العاشرة على مسارح مدينة جنين؟
آخر القول: ميراث عرفات ليس منصبا ورثه الوارثون، ولا مالا استولى عليه الشاردون، ولا هو ادعاء يدعيه المدعون، وهو لا يتأتى بالقرابة النسبية ولا بالصداقات الشخصية، ولا حتى بمجرد المشاركة الحزبية.. ولكنه بإحياء ما مات عليه وبحفظ وصون ما دفع حياته ثمنا له، بالتالي فعلى كل الفلسطينيين أن يؤبنوه وأن يبكوه.. اللهم ما عدا أولئك النفر الذين صيروا مشروعه وإنجازاته مسخة وعيبة في وجه التاريخ العربي وسبة في وجه القضية الفلسطينية..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3342
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1191
| 01 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
1020
| 06 أكتوبر 2026