رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله النعمة

مساحة إعلانية

مقالات

381

د. عبد الله النعمة

«وخّر».. كلمةٌ لم يكتبها قانون المرور

07 أكتوبر 2026 , 12:00ص

تسير في المسار الأيسر على طريقٍ سريع بالسرعة المقرّرة، فيلمع ضوءٌ في مرآتك. ثمّ يقترب، ثمّ يلمع مرّةً أخرى. لا أحد ينطق بشيء، لكن الرسالة تصل كاملة: "وخّر"، "وخّر"، ... يعرف كل سائقٍ في قطر هذه الكلمة دون أن يسمعها، وأغلبنا قالها بأضوائه مرّةً على الأقل.

نتعامل مع هذا المشهد على أنه مسألة ذوقٍ مروري، أو خصومةٌ عابرة بين مستعجلٍ ومتمهّل. والأدقّ أنه مسألة سلامةٍ عامة. حين أعلنت وزارة الداخلية مؤشرات عام 2023، جاء ثالثَ مسبّبات حوادث الوفاة بنسبة 12.1%... "عدم ترك مسافة كافية"، بعد الإهمال والرعونة والانحراف عن المسار. فالمسافة التي تُختصر بين سيارتين لإقناع الأمامية بالتنحّي هي نفسها ما يقتل على طرقنا.

والقانون لم يترك المسألة فراغًا. فالمادة 64 من قانون المرور توزّع الواجب على الطرفين: تُلزِم السائق بترك مسافةٍ كافية بينه وبين من أمامه، وتُلزِم من يُتجاوَز ألّا يزيد سرعته وأن يمكّن غيره من التجاوز. نصٌّ متوازن، لا يمنح المسار الأيسر لمن جاء أسرع، ولا يبيح لأحدٍ أن يحتلّه متباطئًا.

فالخلل في الترجمة لا في النص. حين تحدّث مسؤولٌ في الإدارة العامة للمرور عام 2022 عن المسار الأيسر، أكّد أن السير البطيء فيه دون إفساحه مخالفة. وهذا صحيح، لكن النصف الآخر من المادة لا يَحظى بالقدْر نفسه من الحضور في الخطاب العام. وحين يُسمع نصفُ القاعدة وحده، يستنتج المجتمع قاعدةً لم يكتبها أحد: "المسار لمن يقدر على الضغط، والأضواء والاقتراب وسيلةٌ مشروعة لاسترداد الحقّ". هكذا نشأ عرفٌ كامل له لغته ورموزه، والسائق فيه لا يخالف عن سوء نيّة، بل يتصرّف بما علّمه إياه الطريق.

ولستُ أدافع هنا عن المتباطئ في المسار الأيسر، فمخالَفته قائمةٌ ويجب أن تبقى. السؤال عن النصف الآخر: لماذا يُذكَّر الناس بأحد الواجبين، ويُترك الآخر لتقدير الدورية إن صادفت المشهد؟

واجهت ألمانيا السؤالَ نفسه على طرقٍ سريعة لا حدّ للسرعة في بعض مقاطعها، واتخذت فيه قرارًا صريحًا. فمن يلتصق طويلًا بمن أمامه ويُلحّ عليه بالأضواء حتى يتنحّى خوفًا، لا يُعامَل مخالفًا لقاعدةٍ مرورية فحسب، بل يُلاحَق بجريمة الإكراه بموجب قانون العقوبات. وترصد شرطتها المسافة بين المركبات بالتصوير على مقاطع محدّدة من الطريق.

أما بريطانيا فاتخذت قرارًا يلتقي مع ما نطلبه هنا. ففي أغسطس 2013 منحت شرطتها صلاحية تحرير مخالفةٍ فورية للقيادة دون حرص، غرامتها 100 جنيه إسترليني وثلاث نقاط على الرخصة، وأدخلت في نطاقها الالتصاقَ بالسيارة الأمامية وسوءَ الانضباط في المسارات معًا. فعاقبت الضاغطَ والمعرقِلَ بقرارٍ واحد، ولم تترك لأحدهما حجّةً على الآخر.

وقطر ليست في حاجة لئن تبدأ من الصفر. فحين فعّلت نظام الرادارات الموحّد لرصد مخالفتي حزام الأمان والانشغال بالهاتف، عدّته الوزارة نفسها من أسباب انخفاض حوادث 2023. وكان إنجازاً حقاً لمن عرف أثر الحوادث آنها. ثمّ وسّعت في التقنية ذاتها عام 2024 إلى ضبط الحافلات وسيارات الأجرة في المسار الأيسر. فالطريق مراقَبٌ بالفعل، وبقي أن يُراقَب فيه ما يقتل.

ونقترح هذه الخطوات. أولاها إضافة قياس المسافة بين المركبات إلى منظومة الرصد الآلي على الطرق السريعة، بمعيارٍ يرتبط بالسرعة لا برقمٍ ثابت. والثانية أن يتوازن خطاب التوعية، فيُخاطَب الضاغط كما يُخاطَب المتباطئ، لأن العرف لا يتغيّر بالغرامة وحدها بل بالرسالة التي ترافقها. والثالثة أن ننشر ثقافة الشفافية، وهو حق المجتمع، في بعض المؤشرات فما لا يُقاس بانتظام لا يُعرف إن كان قد تحسّن.

«وخّر» كلمةٌ صغيرة، لكنها صارت على طرقنا قانونًا موازيًا. بل قاتلاً لأبنائنا.

اقرأ المزيد

لغة العلم عندنا.. استثناء صار قاعدة لغة العلم عندنا.. استثناء صار قاعدة

ليست اللغة في الجامعة مجرد وسيلة شرح، ولا أداة محايدة يمكن استبدالها بأخرى من غير أثر. فالجامعة هي... اقرأ المزيد

393

| 09 سبتمبر 2026

أخطاؤنا بيانات.. لا جرائم أخطاؤنا بيانات.. لا جرائم

في مارس 1977 اصطدمت طائرتان فوق مدرج مطار تينيريف فقُتل 583 شخصاً، في أسوأ كارثة في تاريخ الطيران... اقرأ المزيد

1206

| 02 سبتمبر 2026

التحول بلا قائد.. مشروع بلا عنوان التحول بلا قائد.. مشروع بلا عنوان

تُطلق مؤسسة حكومية مشروع تحول رقمي كبير: لجنة تُشكَّل، واستشاريون يُتعاقد معهم، وأنظمة تُشترى. وبعد عامين تعمل الأنظمة... اقرأ المزيد

645

| 25 أغسطس 2026

مساحة إعلانية