رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقول ابن خلدون رحمه الله تعالى " اعلم أن السلطان شخص ضعيف في نفسه، لكنه يحمل مسؤولية ثقيلة، خاصة وقد استرعاه الله تعالى أمر خلقه، وهو محتاج لمن يعينه لردع الأعداء، كما يحتاج إلى كف أذى رعيته بعضها على بعض، وإلى حماية أموالهم ومصالحهم ومعايشهم " بتصرف
تحدث ابن خلدون عن المهام الأصيلة للسلطان، المتمثلة بتحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس، وحماية أموالهم ومصالحهم، فكيف الحال إذا كان السلطان نفسه الناهب لأموال الناس، والمعتدي على مصالحهم، والمنتهك لحرماتهم، والسالب لحرياتهم؟!
لقد أثبتت الثورات العربية المباركة التي حدثت أن بعض الحكام يقومون برعاية كل شيء إلا مصالح شعوبهم، ودورهم لا يختلف كثيراً عن دور " المندوب السامي " إبّان الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي.
القيادة موضوع خطير وعميق ودقيق، ولقد أوتيت الأمة من قبل قادتها، الذي أفسدوا أكثر مما أصلحوا، ودمّروا أكثر مما شيّدوا، ولو تأملنا الأزمات التي تعاني منها الأمة خاصة أزمات التخلف العام، وعدم الفاعلية، والسلوك، لوجدنا أن هذه الثلاث ما هي إلا انعكاس لأزمتي القيادة والفكر.
تعريف القيادة
القيادة بالنسبة لي تعني ببساطة: القدرة على توجيه الناس نحو الهدف.
القيادة قدرة، فمهما قرأ الإنسان في كتب القيادة، ومهما شارك في دورات التنمية البشرية، ومهما أكثر من سماع المحاضرات، فلن يصبح قائداً ما لم يوجد لديه الحدّ الأدنى من القدرة على القيادة، وتشير الدراسات إلى أن:
- (1%) هم قادة بالفطرة، أمثال علي بن أبي طالب وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد والأحنف بن قيس.
%- (1%) لا يستطيعون تعلّم القيادة، حتى لو حاولوا.
-- (98%) ليسوا قادة بالفطرة، ولكنهم يستطيعون اكتسابها لو بذلوا جهداً في ذلك، ولو وجدوا من يدرّبهم على القيادة، فالأغلبية الساحقة تستطيع اكتساب الصفات القيادية، لو وجدت من يرعاها ويأخذ بيدها، خاصة فئة الشباب.
الهدف من القيادة
أهم ما في القيادة أن لدى القائد والمجموعة التي يقودها، جملة من الأهداف التي يسعون لتحقيقها، ولا يشترط أن يطمح القائد إلى تحقيق أهداف سامية، وغايات نبيلة، فمن الممكن أن تكون للقائد نوايا سيئة وخبيثة، ويسعى إلى تحقيق أهداف سلبية وغير شريفة، فهذا فرعون كان قائداً لقومه، لكن أهدافه السيئة، وطويته الخبيثة قادته وقومه إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى واصفاً حالهم (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (هود/98
وأحياناً قد ينقاد الناس لأهداف لا يعرفونها، وأتساءل دوماً عن هؤلاء الناس الذين يخرجون كل صباح لأعمالهم، كم منهم من هو مطّلع على الخطة الإستراتيجية للدولة؟!
القيادة أدوات وأساليب
تحريك الناس نحو الهدف يحتاج إلى أدوات وأساليب، والقادة غالباً ما يستخدمون أسلوب الترغيب والترهيب، وعلى مستوى الدول، فالدول ذات الطابع الجمهوري تكثر من استعمال الترهيب والعصا والقبضة الأمنية، أما الدول ذات الحكم الملكي الوراثي، فيكثر فيها استعمال الترغيب بالأعطيات والامتيازات، وقد يُشترى صمت الناس بالمال، وكذلك قد تُشترى المعارضة بمنحها المال الوفير.
ويستعمل بعض القادة فن الإلقاء والخطابة للتأثير على الناس، وجعلهم من الأتباع، ومنهم من يستعمل الإقناع كأسلوب للتأثير، أكثر مما يستعمل الأساليب التقليدية والعادية، والإقناع أحد أساليب القيادة الفعالة.
أهمية القيادة
لطالما شكّل موضوع القيادة وتعليمها، هماً أرقني طويلاً، وكنت كثيراً ما أوجّه الشباب لهذا الأمر، مطالعة ودراسة ومشاركة في الدورات التي تُعقد، وقضيت ما يُقارب الـ (25) سنة في دراسة علم القيادة والتدريب عليه، وتشكلت لدي رؤية لهذه المسألة المهمة، كما جمعت كثيراً من أدوات التدريب القيادي.
واستنتجت من خلال البحث والتقصي أن للقيادة تأثيراً مباشراً في كل المجالات، السياسية والاجتماعية والعلمية والصحية والتربوية والعسكرية والاقتصادية وغيرها، وكذلك على كافة المستويات، سواء الحكومات أو المنظمات أو الأحزاب والحركات وحتى في الأسر والبيوت، فكل النتائج السلبية في هذه المجالات وتلك المستويات هي بسبب وجود أزمة قيادة.
القيادة من مفاتيح النهضة
من أسرار نهضة الأمة في عصورها الذهبية، هي أن النبي (هدف من تربيته إلى صناعة القادة، وإحاطة نفسه بالصحابة ذوي القدرات العالية والمميزة، الذين فتحوا البلاد من بعده (، وأناروا للشعوب دروب الحياة.
ومن أسباب تخلفنا عن ركب الأمم غياب هذا الهدف عن برامج الدولة ومشاريع الحكومات، فأين هي الدول أو الحكومات التي تضع ضمن خططها تخريج القادة في كافة المجالات والتخصصات، وأزعم أن الأمة لن تنهض من كبوتها ما لم تكن القيادة والتدريب عليها وتخريج الكفاءات القيادية ضمن أهدافها بل ومن أولى أولوياتها.
بين القيادة والدعوة
تظهر أهمية القيادة وخطورتها من خلال عقد مقارنة سريعة بين القيادة والدعوة:
تشير الإحصاءات الأخيرة للعام (2011)م إلى أن عدد المسلمين في العالم يقترب من (1500) مليون مسلم (مليار ونصف)، والسؤال ماذا سيتغير لو نشطنا في الدعوة، وأدخلنا في الإسلام (200) مليون مسلم جديد، ليصبح العدد (1700) مليون مسلم، هل ستصبح أمتنا في مصافّ الدولة المتقدمة..؟ هل ستعود لها السيادة والقيادة بمجرد العدد الكثير..؟ لن يتغير الأمر كثيراً لو زاد عددنا أضعافاً مضاعفة.
لكن في المقابل لو أضفنا للأمة (200) قائد، يعرفون دينهم حق المعرفة، ويفهمونه وفق مبادئ الوسطية وقواعد الاعتدال، ولهم تخصصات يتقنونها، ولديهم خبرة ودراية في التعامل مع الغرب، أزعم أن هؤلاء الـ (200) قائد سيكون لهم تأثير كبير، يفوق أثر الوعاظ والخطباء.
بين القيادة والإغاثة
تظهر أهمية القيادة وخطورتها كذلك من خلال عقد مقارنة سريعة بين القيادة والعمل الإغاثي:
لا يكاد يتأخر مقتدر أو مستطيع، عن مدّ يد العون وتقديم المساعدة إذا ألمت بأمتنا مصيبة، مثل كارثة أو فيضان أو مجاعة، ولأجل إغاثة المنكوبين تتحرك مئات الملايين من الدولارات لنجدتهم وإنقاذهم، وهذا أمر رائع وخلق جميل نحن مطالبون به، لكن ما أثر هذا على مشروعنا الحضاري، أثره قليل جداً، ولا يكاد يُذكر، بينما سيتضاعف الأثر وستنهض الأمة، وستقترب من تحقيق أهدافها النهضوية، لو أنفقنا (10 %) من تلك الملايين على صناعة القادة، الذين سيكون دورهم رفع البلاء والمصائب عن الأمة، فالكوارث والمشاكل لا تنتهي في أمتنا، لكن الذي سيخففها ويضع حلولاً ناجعة لها هم القادة وليس غيرهم.
بين القيادة والعمل الخيري
كذلك تظهر أهمية القيادة وخطورتها من خلال عقد مقارنة سريعة بين القيادة والعمل الخيري:
العمل الخيري يشمل كل صور النفع المادي والمعنوي التي يقدما الإنسان لغيره، دون أن ينتظر مقابلاً على فعله، ولقد تعوّدنا من التجار والمقتدرين على بذل المال الوفير لبناء مسجد، أو حفر بئر ماء أو كفالة يتيم، وهذا أمر في ميزان الشرع عظيم، لكن أين نفقاتهم على برامج إعداد القادة، ومشاريع تخريج القادة، التي هي من العمل الخيري، إن لم تكن أهم وأولى في بعض الحالات، قليل جداً من أصحاب الأموال من يفهم هذه المعادلة، ولا أبالغ إن قلت إن إعداد القادة مقدم على العمل الخيري، لأن القادة من سيطورون العمل الخيري بصور تكفل الحياة الكريمة للفقير والمسكين وصاحب الحاجة.
التجربة الماليزية
خلاصة القول أن القيادة هي التي ستغير من أحوال أمتنا، وهي التي ستنهض بها نحو المجد، وفي التاريخ شواهد تؤكد صدق ما أقول، والتجربة الماليزية أقرب شاهد، حيث كانت ماليزيا من دول العالم الثالث المتخلفة عالمياً، وخلال مدة قصيرة بالنسبة للدول، خلال (10) سنوات صارت ماليزيا من دول العالم الثاني، وقريباً ربما تصبح من دول العالم الأول، لكن ما الذي حدث..؟ وما الذي تغير؟ تغيّرت القيادة، فتولت زمام الأمور قيادة ذات رؤية وفكر، وهذا هو بيت القصيد، فمتى وجد القادة الذين يحملون الفكر والرؤية فإن حياتنا.. كل حياتنا ستغير نحو الأفضل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8928
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4848
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4155
| 23 سبتمبر 2026