رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مقولة قديمة لا أعرف صاحبها قمت بتحريفها لأجعلها مثيرة نوعاً ما، واليوم سوف أتطرق لميدان حيوي، نمضي فيه وقتا لا بأس به، نتجول بين مساراته، شاردي الذهن تارة، ونصف مركزين تارة أخرى، حيث إن معظمنا هذه الأيام ينهك نفسه في محاولات بائسة للتوازن بين واقع حقيقي وواقع افتراضي مزعج ومشتت، فهو معلق بين هذا وذاك، واضعاً حياته على المحك، فلو انفصل قليلاً عن هاتفه؛ يعيش كاليتيم أو كالمفطوم عن ثدي الحياة، وإن كنتم حريصين على وقتكم، فافعلوا ما أفعله أثناء وجودي في السيارة، حيث بدأت منذ قرابة السنتين باستغلال هذا الوقت في التعلم والنمو، وأطلقت على ذلك آلية «التعلم على الماشي» وقد أثبتت هذه الطريقة فعاليتها ونجاعتها معي شخصياً، فبفضلها أستطيع أن أقوم ببعض الأمور التي لا أجد لها وقتاً كافياً، رغم حرصي على القيام بها كل يوم، إلا أنني أشعر بعدم إعطائها كامل حقها من الوقت، ومنها الاستماع إلى القرآن الكريم بخلاف تلاوته بالطبع، وتدبر كلمات الله، فأبدأ بطرح الأسئلة على نفسي: لماذا عبر القرآن بهذه الكلمة دون تلك في هذا الموضع؟ ما الحكمة من ذلك؟ وهنا تبدأ رحلة البحث في كتب التفاسير علني أجد ما يرضي رغبتي المتأججة في المعرفة، وربما أجد ما تستكين له نفسي في بعضها، بينما قد يخذلني البعض الآخر، أضف إلى ذلك سنحت لي آلية «التعلم على الماشي» حفظ أسماء الله الحسنى كاملة، وحفظت أذكار الصباح والمساء أيضا بنفس الطريقة، وبعض الأحاديث المتفرقة، واستمعت إلى العديد من (البودكاستات) أو النشرات الصوتية، والكتب المقروءة، والتي كانت دائماً تثير عندي التساؤلات، أو تستنبت الأفكار وتستنهضها، فأقف على جانب الطريق لأدون أفكاري وتساؤلاتي حتى أبحث عن إجابات لها لاحقاً، وأما حين أكون منهكة النفس ضائقة لموقف حدث لي أو أكون قد تعرضت لمشكلة ما؛ أتوقف عن التفكير المؤرق وأقضي هذا الوقت في ذكر الله عز وجل لتهدأ نفسي وتستقر فتبدأ الحلول تتنزل على وعيي وتنير بصيرتي.
وللحفاظ على مستوى لغتي الإنجليزية وتطوير مهارتي في الاستماع لها، فقد كنت أستمع إلى دروس ومحادثات ونشرات صوتية باللغة الإنجليزية مما ساعدني كثيراً في حفظ المزيد من الكلمات ومعرفة كيفية استخدامها في سياق اللغة.
كما أحاول في هذه الفترة من الوقت أن أستمع إلى مهامي التي يتوجب عليَّ القيام بها لهذا اليوم والتي كنت قد قمت بتسجيلها تسجيلاً صوتياً مسبقاً حتى أتجنب نسيانها.
وكثيراً ما كانت هذه الآلية تقدم لي الأفكار الجهنمية إن صح التعبير، أو تعرض لي مفاتيح لأبواب مغلقة، أو تستثير عاطفتي، بعدما أكون قد استمعت لبودكاست ديني يحثني على عمل الخير فأهرع لعمله دون تردد، فأحصل على أجرها وأضيف أجراً لصاحبها، أو ربما أشعلت حماستي تلك الكلمات المؤثرة التي أنصت إليها فحرضت شيئاً في نفسي، فبادرت من فوري لأحقق رغبة ما أو أقوم بعمل ما.
إلا أن «الحلو ما يكملش» على رأي إخواننا المصريين، فمضايقات مستخدمي الطريق كثيرة والأخطاء تتربص بنا من كل جانب، ومعظم هذه الأخطاء إما ناجمة عن جهل وقلة الوعي بأبجديات السياقة أو سوء تقدير أو سوء الخلق، أو معتقدات خاطئة لدى السائق يعبر عنها بسلوكيات مزعجة.
ومع تكرار رؤيتي لهذه السلوكيات تقافزت أفكاري الجهنمية لتخرج لي ببعض الحلول، للحد من هذه السلوكيات والخروج بجيل مثقف ومتحضر من السائقين، فقيادة السيارة فن راقٍ ومظهر حضاري، فطريقة قيادتها وأسلوب التعامل معها يعكسان شخصية ونمط حياة مستخدميها، ويظهران مدى التحضر والتقدم واحترام المجتمع والآخرين.
ومن هذه الحلول اعتماد اختبارات شخصية ونفسية وأخلاقية، واختبارات التركيز والقدرات للمتقدمين على تعلم السياقة، وعلى المتقدم أن يجتازها كشرط لقبوله في مدرسة تعلم قيادة السيارات، فبإمكان مثل هذه الاختبارات أن تبين لنا طبيعة الفرد، وردود أفعاله المتوقعة، ومدى التزامه أخلاقياً وذوقياً، ومدى صحته النفسية وقدرته على التركيز وتفادي المشتتات.
إن الارتقاء بقيادة السيارات، من مجرد قدرة الفرد على تشغيل المركبة وقيادتها، إلى فن أخلاقي وحضاري، ضرورة لابد منها، خاصةً وأنها تعتبر من الأشياء التي من الممكن أن تعطي انطباعاً أولياً للزائرين، عن مدى تحضر وتطور أفراد المجتمع.
فلا تتهاون عزيزي القارئ بثقافة الطريق ولا بالوقت الذي يمكن أن تمضيه على الطريق، لاسيما أثناء ساعات الذروة والطرق المزدحمة، وأثناء التوقف للانتظار، فإن أحسنت استغلاله ففيه من الفوائد الكثير، وإن كان مقدراً لنا أن نتعرض لحادث قد يودي بحياتنا لا سمح الله، فقد يكون آخر وخير ما نستمع إليه هو كتاب الله أو علم نافع.
دمتم بود
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1668
| 28 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
828
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
579
| 31 ديسمبر 2025