رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جاسم الشمري

مساحة إعلانية

مقالات

255

جاسم الشمري

معجم وتاريخ وحضارة وتقدم

02 يناير 2026 , 01:29ص

المشاريع الحضارية المثالية هي التي تلتزمها الدول الناجحة وتُخطّط لها بحيادية وموضوعية علمية دقيقة، وجميع هذه المواصفات تَرَسّخت بمعجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة.

وشهدت العاصمة القطرية، الدوحة المعمورة، يوم 22 كانون الأول/ ديسمبر 2025 حفل اكتمال «معجم الدوحة» الذي أُقيم بحضور سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وهذا يُدلّل على أن القضية مركزية وتحت الرعاية الرسمية حفاظًا على لغة القرآن والعرب واعتزازًا بالماضي والحاضر والمستقبل.

وانطلق مشروع المعجم يوم 25 أيار/ مايو 2013 من قبل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وكانت المدّة التقديرية لإعلان اكتماله حوالي 13 عامًا، وشارك في ترتيبه المئات من الخبراء والعلماء العرب.

وهذا المشروع المعجمي التاريخي تتبع التطور العامّ لألفاظ اللغة العربية لنحو عشرين قرنًا، وهو من المشاريع النادرة والفريدة المهتمة بتاريخ لغة العرب وألفاظها ومعانيها.

ويُعدّ «معجم الدوحة» أول معجم عربي شامل، وقد أُلّف انطلاقًا من مدوّنة نصيّة مُمثّلة للّغة العربيّة في مراحلها المختلفة.

واعتمد المعجم على جملة من المراجع الأصيلة، ومنها القرآن الكريم والحديث النّبويّ الشّريف، ودواوين الشعر العربي والموسوعات والأعمال الشعرية القديمة والحديثة، وكتب النثر، والأدب، والنقد والمقامات وبقية العلوم الشرعية والإنسانية والعلمية والفلسفية وغيرها.

وَيتضمّن المعجم حوالي 10,000 جذر لغوي، وفي مجال الببليوغرافيا والمصادر يضمّ المشروع مكتبة تحتوي على أكثر من 10,000 مصدر نصي موثق من النقوش والكتب التاريخية، وما طرأ عليها من «تغيّرات في مبانيها ومعانيها داخل سياقاتها النصيّة، ويحتوي المعجم زهاء 300 ألف مدخل معجميّ، ومدوّنة نصيّة تتألّف من نحو مليار كلمة، مُهيكلة ومُؤرّخة ومُوثّقة».

ورغم ضخامة العمل إلا أنه امتاز بالدقة في نسبة النصوص لقائليها، وتحديد الرواية الأدق والأبرز في حال وجود روايات وحوادث مختلفة، وامتاز كذلك بالتوثيق العلمي، والتّفاعليّة عبر البوابة الإلكترونية التي تتيح التفاعل بين الجمهور والمختصين، واستعمال أحدث التقنيات الحاسوبية، والانفتاح على المستدركات والتّصحيحات بجميع أنواعها.

وحقق معجم الدوحة التاريخي جملة أهداف أصيلة، ومنها:

- توثيق اللغة العربية ودعمها، وحماية ألفاظها والعناية بها، وتوضيح معانيها وأهميتها.

- ربط الألفاظ العربية بالعلوم المختلفة، وتسهيل معانيها، وتاريخها، ودورها في مسيرة العلوم الشرعية واللغوية والعلمية والإنسانية وغيرها.

- رعاية المفردة العربية واشتقاقاتها ومصادرها وتطورها بحسب التسلسل الزمني.

- تأكيد حيوية اللغة العربية وفاعليتها في المسار الحضاري العالمي والإنساني والتاريخي، ومنح الكلمات بُعدًا تاريخيًا وجغرافيًا وإنسانيًا وعصريًا، وبالمحصلة صيانة أصول الكلمات وتاريخها، وتحديثها ضمن الأصول العلمية والفكرية الإنسانية.

- تساعد البوّابة الإلكترونيّة للمعجم في عرض موادّ المعجم، وتٌتيح البحث بالمدوّنة النصيّة، كما تُقدّم «الخدمات اللغوية والنصية والإحصائية، والبحث في ملايين النصوص».

- حماية الإرث الحضاري ورعايته في الجوانب اللغوية والتاريخية وبالذات في عصر الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) والسباق مع الزمن، والاعتماد «العرفي، وربما، الوظيفي» على اللغات الأجنبية وخصوصا اللغة الإنجليزية ولهذا فإن قضية حماية اللغة جزء من المسؤولية الإنسانية والتاريخية والأخلاقية.

- بيان سعة اللغة العربية، وقدرتها على التطور، والتعايش مع كافة العصور، وهذا الأمر ينبغي أن يكون من دوافع الافتخار باللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم واللغة الأوسع في الأرض، حيث إن عدد جذور كلماتها يقرب من 15 ألف جذر، ويمكن للكلمات المشتقات منها أن تصل إلى أكثر من 10 ملايين كلمة.

وهذا التميز للعربية بكونها لغة اشتقاقية جعلها من اللغات الأضخم في الأرض مقارنة باللغات العالمية الأخرى، ومنها اللغة الإنجليزية التي تحتوي 600,000 كلمة، والألمانية التي تضم 200 ألف كلمة، والفرنسية 150 ألف كلمة.

وبهذا يتضح أهمية المشروع لحماية اللغة العربية العملاقة من الضياع، وربما الإهمال والتخريب وسط الأمواج المتلاطمة للتقليد والتغريب الثقافي، وبالذات في عصر السرعة ومواقع التواصل الاجتماعي.

وهكذا تبلور معجم الدوحة ليكون الثمرة الطيبة للجهود الرسمية والمؤسساتية والعلمية الساعية لحماية تراث الأمة، وخدمة الإنسانية والعلم والعلماء.

مساحة إعلانية