رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يدور الحديث هذه الأيام عن تعديل قانون الصحافة والمطبوعات، وجرت محاولات لعزل أو تجاوز اتحاد الصحفيين عن المشاركة في هذا الحوار من جهات عديدة.. جهات معنية بالأمر وجهات غير معنية ودخيلة وليس لها دراية بخلفيات هذه المهنة ومنابعها وتاريخها وكيف بلغت هذه الدرجة من التنظيم.. نحن مع تنظيم المهنة ومع رفع درجة الممارسة المهنية ومع قيام أهل التخصص والموهبة والقدرات ولسنا مع التدجين والهيمنة والسيطرة والتكبيل والتقييد.. لأنها قاتلة وعدو الصحافة الأول في عصر تكسرت فيه الحدود...وتجاوز الناس كل القيود التي يسعى البعض أن يضعها في وجه الحقيقة.. الإعلام اليوم صار حقاً تجاوز وثيقة الحقوق الأساسية المضمنة في الإعلان الدولي لحقوق الإنسان وتجاوز المادة 19 من تلك الوثيقة التي حاولت أن تقنن للحق في الإعلام وصار إعلام القرب هو الأقوى والإعلام الاجتماعي والتواصلي والتفاعلي متاحاً يملأ سموات الدنيا وفضاءاتها..
قانون الصحافة الذي تفتقت عنه عقلية المستعمر الإنجليزي عام 1930 لم يعد يصلح اليوم إذا مارسنا التعامل معه بذات العقلية التحكمية.. هذا القانون عندما نشأ كان تابعاً للسكرتير الإداري (وزير الداخلية) وكانت له مطلق الحرية في إيقاف الصحف والصحفيين.. ثم صار تابعاً لسلطات الجمارك لأن المؤسسة الصحفية كانت بجانب إصدار الصحيفة تقوم باستيراد الصحف الأجنبية وتوزيعها، والاتجار كذلك في الأدوات المكتبية ومطلوبات صناعة الصحافة.. فكان مكتبة السودان التي عرفناها مسبقاً بـ Sudana Book Shop هي واجهة جريدة السودان الحقيقية.. ومكتبة النهضة كانت تابعة لمجلة النهضة التي كان يصدرها محمد عباس أبو الريش.. ومن هنا جاءت تبعية القانون لسلطات الجمارك لرعاية الواردات من أدوات صناعة الصحافة والصحف والمجلات الإنجليزية والعربية.. وكان القانون تابعاً لوزارة الاستعلامات والعمل ثم إدارة صغيرة لوزارة الإعلام ولكن وبعد مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا الإعلام الذي شارك فيه كل ألوان الطيف الصحفي عام 1989م وكان من مخرجاتها قانون الصحافة بسماته الحالية وكان المجلس المهني الذي تم اقتراحه بصورة ونفذ بصورة مغايرة هو الحال اليوم.
إذا أراد البعض أن يتحدث عن المجالس المهنية التخصصية فلينظروا وهم يعملون على تعديل القانون والمادة ترتيب الاختصاصات ومفردات تشكيل مجلس الصحافة وأن يتأكدوا من أن المجلس المهني يتكون من داخل مختصين بالمهنة لأنهم أدرى بضروبها وأعلم بمطلوباتها وشروطها.. ووقتها سوف تتغير أمور كثيرة... فلن يكون لغير المتخصص في الصحافة مكان لا في المجلس ولا في الممارسة وعليهم أن يدركوا أن امتحان مهنة القانون المؤهل لممارسة القضاء جالساً وواقفاً يتيح المجال لحملة الشهادات في المهن الأخرى للجلوس للامتحان وليس هناك مجلس بمعزل عن اتحاد المحامين يقوم بتسجيل ومساءلة المحامين، وقس على ذلك مهنة الهندسة، الطب، البيطرة وجميع التخصصات... ففي عصر التخصصات لا مجال لغير المتخصصين لولوج المهنة.. صحيح قد تكون لطبيب أو محام أو أديب مهارات وقدرات بلاغية.. ولكننا تجاوزنا في مهنة الصحافة مثل هذه المهارات وصارت هناك معايير أخرى تقنية وفنية ومهنية ينبغي على الصحفي امتلاك ناصيتها وعلى رأسها صياغة الخبر والعمل الاحترافي في المعرفة بكل قوالب العمل الصحفي والإعلامي.. وأمامنا تجارب عديدة تؤكد فشل وإخفاق كثيرين ظنوا أنهم بامتلاك ناصية الكلمة بوسعهم أن يكونوا صحفيين.. إذاً نحن في الاتحاد نتحرك وفق معرفة وخبرة وتجربة متراكمة.. ونتحرك وفق رؤية علمية أكاديمية سواء في قياس درجات المعرفة أو في تقييس مقدار ما يتوفر لدى القادم للمهنة من قدرات معرفية ومعلومات عامة ولغات... وهي المعايير التي ذكرها القانون.. ولعل الأمين العام السابق العبيد مروح الناطق الرسمي باسم الخارجية وهو يتلمس خطاه إلى دهاليز وزارة الخارجية لم تسعفه مقدراته الدبلوماسية على اختيار التوقيت ولا العبارات ولا المفردات الملائمة في الإدلاء برأيه ذلك لكي يقول لأصدقائه أنه أوفاهم حقهم الذي كان يجب أن يوفيه وهو على كرسي الأمانة العامة، وقد أدركنا هذه الحقيقة من خلال محاورتنا بعض منهم حول هذه القضية.
واتحاد الصحفيين وهو الاتحاد المهني وفقاً لقانون الاتحادات المهنية الذي ينظم عمل المهن واتحاداتهم لم يضع يده على حق السجل الصحفي خلسة أو على حين غرة.. وإنما جاء ذلك بعد مناقشات وحوارات وتاريخ يحكي وجود السجل عند الاتحاد.. فالسجل الصحفي الذي أحتفظ به أنا كوثيقة صادر عام 1980 وموقع عليه رئيس لجنة القيد مولانا الجمري، وكان المجلس وقتها في رحم الغيب كما كان العديد من الذين يعتدون علينا ويتطاولون.. فالسجل الصحفي تمت كل الخطوات المعيارية التي تجعله مثالاً ونموذجاً للعلمية في التعامل معه، ولم ولن نقف عند النقطة التي تسلمنا فيها السجل وفيه ما يفوق الخمسة آلاف صحفي مسجل وضيقنا الهوامش ويقوم بفحص الطلبات ودراستها أمانة السجل ولجنة السجل التي تضم بجانب سبعة من المكتب التنفيذي المنتخب للاتحاد الأمين العام لمجلس الصحافة والأمين العام لاتحاد الصحفيين ورئيسه.. ولا مجال للمجاملة أو الانتقاء وبإمكان أي جهة تريد التحقق من الشفافية والضبط والربط أن يطلب ذلك شريطة أن تكون جهة معنية أو قانونية.
والسجل الصحفي هناك من يتربص به حتى دون أن يدري معاني العبارات التي تم تحفيظه لها لتمرير هذا المخطط.. وبصرف النظر عن العائد المادي الضعيف الذي يعود للاتحاد فإننا نصرف على إجراءاته أكثر بكثير حتى تكتمل الصورة!! وهي ليست عملية جبائية وتجارية كما يظن البعض.. وليست عملية سياسية لإقصاء البعض وتخصيص البعض الآخر.. لا والله وإنما هي عملية مهنية تخصصية رضي الذين كانوا يستفيدون من الدورات التدريبية أم لا...رضي الذين يتوهمون أن السجل يدر أموالاً طائلة ولابد أن تكون لهم فيه شلية أم لا.. أما أولئك الذين يلتمسون الأسباب والوسائل لكي يجدوا فرصة للانقضاض على الاتحاد كما انقضوا على نقابة الصحفيين بعد أن زوروا الكشوفات وحرموا قطاعاً كبيراً من الصحفيين آنذاك من ممارسة حقوقهم المشروعة وأتوا بوزير اتحادي نقيباً للصحفيين وتوزعوا النقابة التي كانت بمثابة وعاء يشمل الصحفيين فحولوها إلى كوتات حزبية بائسة، فليعلموا أن هذا الاتحاد هو اتحاد للصحفيين.. المهنة هي مهنة الصحافة.. والكرة في ملعب الصحفيين فهم أقدر بالدفاع عن كيانهم ومكتسباتهم ورحم الله جيل التأسيس!! الذي أنشأ هذا الصرح في عام مولدي.. وعام الفيضان عام.
كيف يكون التحول الديمقراطي؟!
هددت بعض الجهات التي تقاطع الانتخابات العامة بإجراء انتخابات موازية للانتخابات العامة، وهذا أمر جديد وغريب لم أر... اقرأ المزيد
721
| 05 فبراير 2015
المسؤولية هي العاصم من الانتهاكات
بدأت الأطراف ذات الصلة بالصحافة في إنزال مقررات مؤتمر الحوار حول قضايا الصحافة في بحث سبل صياغة المقررات... اقرأ المزيد
561
| 02 أكتوبر 2014
لماذا تبور منتجاتنا؟
يناقش مجلس الوزراء التحضيرات الجارية للموسم الزراعي أو العروة الصيفية هذا العام.. وهذا أمر يدعو إلى التفاؤل.. ذلك... اقرأ المزيد
538
| 08 مايو 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
34626
| 01 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10224
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8265
| 03 سبتمبر 2026