رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بالطبع أن تتحول مصر إلى دولة ديمقراطية حديثة مدنية عصرية أمر لن يتحقق بين ليلة وضحاها فهي ولادة عسيرة وقد تتم على نحو طبيعي أو يتدخل الأطباء لإجراء عملية قيصرية لكن المؤكد أن النتيجة بحول الله تعالى حاصلة وتتمثل في مولود جديد يحمل سمات الأصالة والبهاء والقوة والديمومة والقدرة على البقاء والتأثير والإشعاع في المحيط.
هكذا يبدو لي الأمر بالرغم من كل ما يبدو من محاولات شد مصر إلى الإقامة في خانة الماضي الكريه الذي يجسده النظام السابق بكل ما يعنيه من فساد وإفساد وزواج باطل بين السلطة والثروة وغياب العدل الاجتماعي وانتهاك الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان التي لم تكن رموز هذا النظام تقيم لها وزنا.
لقد حاولت النخبة المنتمية لهذا النظام والتي تهيمن على ما يطلق عليه بمؤسسات الدولة العميقة عبر تحرك سري وفي بعض الأحيان علني القضاء على كل أمل في خروج هذا المولود إلى آخر لحظة قبيل إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية فقد سارعت أبواقها الإعلامية إلى التسويق بفوز أحمد شفيق ومطاردة الفضائيات للتأكيد بتسلم قوات الحرس الجمهوري منزله وهو ما أثار قدرا من البلبلة وشخصيا تعرضت لنوع من حرق الدم ومن قبل كانت مختلف أجهزة الدولة المهمة تستعد لاستقبال شفيق رئيسا بل إن نفرا من قيادات الصف الأول بإحدى الصحف القومية وزعت في الثانية عشرة من ظهر ذلك اليوم أعباء العمل على اعتبار أن شفيق هو الرئيس القادم.
لا أود الخوض في تفاصيل مرهقة للروح بيد أن اللجنة الرئاسية حسمت الأمر لصالح الدكتور محمد مرسي والذي سرعان ما فرض فوزه روحا جديدة في مصر خرج الناس تسكنهم البهجة والحبور معبرين عن انتصار جزئي للثورة.
ومنذ بداية تسلمه السلطة في الثلاثين من يونيو المنصرم لم تهدأ محاولات السيطرة على الجنين إما لتأجيل انبثاقه أو إجهاض عملية الولادة بالكامل فثمة طرق متواصل على بوابة التفزيع من وصول قيادي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين إلى رئاسة الجمهورية على صعد مختلفة سواء سياسية أو أمنية أو اقتصادية وثمة مؤسسات لا يرضيها بقاء مرسي في هذا الموقع الرفيع رغم ما أبدته من ترحيب به من حيث الشكل وهناك تشكيك دائب في برنامجه للحد من بعض المعضلات الجماهيرية خلال المائة اليوم الأولى من رئاسته ومن خلال ملاحظاتي بوسعي القول إنه لم تحدث مقاربة حقيقية باتجاه التعامل مع هذه المعضلات ربما لأن حكومته القادرة على تنفيذ هذا البرنامج لم تتشكل بعد ولا أود أن أصل إلى حالة من سوء الظن بالأجهزة الحكومية الحالية التي تنتظر التغيير ولكن ثمة ما يؤشر إلى قدر من سوء النية وإلا فلماذا لم تبدأ محاولات جادة للبدء في تهدئة الاحتقان المروري الخانق في العاصمة ولماذا لم تبدأ محاولات التخفيف من أكوام القمامة في القاهرة والجيزة وضواحيهما وأطرافهما على نحو مقزز.
صحيح هناك بعض الحلول الجزئية لمشكلة وقود السيارات ولكن بعضا من الطوابير الممتدة على المحطات التي تقوم ببيعها ما زالت قائمة.
إن مرسي وصل إلى الموقع الرفيع المقام في مصر عبر انتخابات نزيهة وشفافة ومن ثم فإن المطلوب هو أن تقف إلى جانبه كل مؤسسات الدولة لا أن تناصبه بعضها العداء والخصومة وأن يصل الأمر برئيس نادي القضاة بالقاهرة إلى تهديد رئيس الجهورية في لغة فجة على خلفية أزمة مجلس الشعب فقد اجتهد مرسي لمحاولة إعادة هذا المجلس المنتخب بطريقة نزيهة وشفافة باعتراف كل مؤسسات الداخل ومراقبي الخارج وذلك وفاء لتعهد التزم به بعد أن حلف اليمين الدستورية فلماذا قامت الدنيا ولم تقعد وتناوبت رموز قضائية أظن أن ولاءها ما زال موصولا بالماضي على توجيه الانتقادات الحادة وأحيانا الشتائم إلى الرئيس المنتخب ومع ذلك فإن الرئيس خضع لقرار المحكمة الدستورية عندما أكدت حكمها ببطلان انتخابات مجلس الشعب ودعت إلى تنفيذ القرار فورا ولم يلجأ إلى الرد على الشتائم معلنا احترامه للمؤسسة القضائية وذلك يجعلني اتفق مع المطالبين بتطهير مؤسسة القضاء بل وكل مؤسسات الدولة من العناصر المشبوهة بناء على تحقيقات نيابية تتسم بالنزاهة حتى لا تخضع الأمور إلى الهوى الشخصي أو الأيدولوجي إلى جانب أن الإعلام المصري بشقيه العام والخاص في حاجة إلى ترشيد في أدائه دون الإخلال بمبدأ الحرية ولكن البعض يستغل مناخاتها السائدة فيلجأ إلى الفبركة والإثارة على حساب الحقيقة وقد هالني في هذا السياق ما ذكرته صحيفة روز اليوسف اليومية في عددها الصادر يوم الجمعة الفائت من أكاذيب تتعلق باتفاق السلطات القطرية مع خيرت الشاطر النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين في مصر على تشكيل جيش إخواني في قطر مكون من مائة ألف مصري فأي بلاهة وأي خطل يتسم بهما من كتب هذا الخبر الخالي من المصادر الرسمية والذي يحاول أن يبني علاقة عضوية بين قطر وجماعة الإخوان المسلمين ومن قبل أثار البعض تقارير أنا على يقين عدم صدقيتها حول توجه قطر لضخ استثمارات في المنطقة المحيطة بقناة السويس سعيا إلى السيطرة على هذه المنطقة التي تتسم بأبعاد إستراتيجية وهو ما نفته الجماعة ذاتها وأنتظر أن تنفيه سلطات الدوحة والتي ما زال اللوبي الإعلامي المرتبط بنظام مبارك يحاول تشويه مواقفها تجاه الثورة المصرية وقد بلغ الخطل ببعض هؤلاء حد القول إن قطر بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية وراء تفجير الثورة المصرية وغيرها من ثورات الربيع العربي والخطورة في هذا الطرح تكمن في محاولة استبعاد حراك الشعوب في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا لتدافع عن حقوقها في الكرامة والعزة الإنسانية والعدالة الاجتماعية بعد أن تجاوز حكامها المستبدون المدى في القمع والقهر والتهميش.
أعود إلى الرئيس مرسي وأطالبه بسرعة تشكيل مؤسسته الرئاسية وحكومته حتى يكون بمقدورهما البدء في تنفيذ برنامجه القصير الأمد المحدد بمائة يوم وبرنامجه الطويل الأمد وألا يلقى بالا للكلام يبدأ في مقاربة الفعل حتى يشعر الشعب المسكون بالنصب والمكابدات والعذابات الطويلة من جراء حكم فاسد كريه استمر ثلاثة عقود بأنه بدأ يجني ثمار ثورته وذلك يستوجب الوفاء بكل التعهدات التي التزم بها مع القيادات الوطنية وفي مقدمتها إشراك مختلف القوى السياسية في هياكل مؤسسات الدولة حتى تكون للجميع دون أن يهيمن عليها لون واحد.
وثمة تحذير واجب في هذا السياق مؤداه عدم المساس بالمنجزات الاجتماعية لثورة الثالث والعشرين من يوليو التي سنحتفل هذا الشهر بذكراها الستين فلا ينبغي التعامل مع هذه المنجزات من منطلق تصفية حسابات فهي ملك للشعب المصري أقول هذا الكلام بمناسبة ما قرأته عن دراسات تجريها بعض دوائر حزب الحرية والعدالة لإلغاء مجانية التعليم فلو حدث ذلك فقد يفتح أبواب جهنم للقضاء على مكاسب حقيقية لشعب ناضل من أجلها ودفع ثمنا باهظا من دماء أبنائه.
السطر الأخير: في انتظار طلوع شمسك بالمدينة
هي معتمة
زاخرة بغياب البهجة
لا يعانقها مطر أو ندى فجر
سحاباتها متوقفة عن الهبوط بأنحائها
مؤلم سفرك
وجعي لن يكف عن الخفقان إلا عندما تستعيدك المدينة
فعودي أيا مسافرة
ارشقي بعطرك روحي المتعبة
كوني الدواء
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4278
| 23 سبتمبر 2026