رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه فلسطين بصواريخها و"أبابيلها" ومجاهديها روحٌ حرّة تسري من جديد في جسد الأمّة، فتبعث فيها الأملَ بربيعها، وتستنهض أحرارها ليقفوا خلف مقاومتها:
أيّها المرابطون على ثغور الأمّة، الرابضون على قلاع الأمل بالنّصر، أيّها المنتشرون في أصقاع الأرض: في الحارات، في أزٌّقة المخيّمات، في عواصم أوروبا من لندن إلى روما، في العواصم العربية والعالمية، في المدارس، في الجامعات، في مؤسسات الإعلام، شيباً وشبّاناً، طلاّبا وطالبات.
يا كلّ من يصوّب سهام قلبه نحو فلسطين كلّ فلسطين أرض المسرى، ويرفع يديه يجأرُ بالدعاء ليل نهار لشهدائها والأسرى والمسرى! يا كلّ من يكتب كلمةً "تحريض" عن غزّة وصمودها وعزّتها، يا من يجمع القرش على الدرهم والريال ليخلف "غازياً" في الخليل يتربّص قطعان المستوطنين أو "يُجهّز" مهندساً يصنع "الأبابيل"، يا كلّ حرّة وحرّ يتحرّق شوقاً أنْ يكون هناك بين غبار القصف ورائحة البارود.
من حقّكم علينا جميعاً، تحيّة يُضمِّخها عبقٌ رمضانيّ مشبّعٌ بمسك الشهادة والشهداء، تحيّة محلاّةٌ بطَعم النّصر ونكهة العزّة والقوّة برغم الأذى والخسائر؛ فلا والله لا نعدّ ضحايانا فالقائد الذي يبدأ عدّ ضحاياه ينسى في خضمّ العدّ رايته، ولستُم ولسنا بالذي يُسقِطُ رايته!
تحيّة صادقة كصدق شهدائنا نبرقها لكم، ونحنُ نتفيّأُ ظلال معيّةً الله التي تغمُرُنا دوماً؛ فما أنْ تضيقُ عليها الأمور وتَسْتحكِم حلقاتها، وتبلغ القلوب الحناجِر، ويوشكُ شيطانُ "الاستيئاس" أنْ يتسرّب للنّفوس، حتى يأتيَ فَرَج الله ونصرُه من حيث لا يُحتَسَب! إنّها المعيّةٌ الرحمانية التي نستمطِرُ معها أملاً بالله أن يرحمنا منّةً منه وفضلاً وتكرّماً ثم ببركة مواكب شهدائنا ودمائهم التي تروي ثرى فلسطين المقدس، وتضحيات آلاف الأسرى ومعاناة ذويهم من خلفهم فداء للوطن وترساً للأمة.. كلّ الأمة.
نعم، ضاقت علينا الأرض بما رحبت! فغزة الصامدة المحاصرة منذ ثماني سنوات عجاف تذوي وتذوي حتى تلوذ "بالمصالحة" أملاً بالفرج، والضفة الثائرة الجريحة تئنّ تحت وطأة التنسيق الأمني "الفاجر"، وتتلوى في ثنايا جدار عنصريّ يلفّها وحواجز ذلّ تقطّع أوصالها، أمّا شتاتُ شعبِنا فتضيّق عليه الدنيا، فما أنْ يستقرّ في بلدٍ و"يضعُ" بعض شَعْثِه فيها حتى تطويه موجةٌ كاسحةٌ من التشرد، ومن هجرة إلى تهجير حتى البحار والمحيطات ابتلعت شبابنا المهاجر!
هذه حالنا إذ أوشكنا على "الاستيئاس"!! لكنّنا والله ما ظننّا بالله "الظنونا"؛ بل دوماً كان حادينا حُسن الظنّ بالله أن يكرِمَنا بما عوّدنا عليه من معيّته.. وهكذا كان؛ فهو – جلّ شأنُه – عند حُسن ظنّ عبدِه به!
فمن خاصرتنا الضعيفة (مِنْ حيث لا نحتسِب) جاءنا دَفْق القوّة، ومن جُرحنا النّازف جاءنا البلسم الشافي لجراحٍ عَزّ طبيبها ودواؤها.. من خلف القُضبان ومن عتمة الزنازين ومن قرقرة الأمعاء الخاوية انطلق إعصار التحدّي بإضراب أبطالنا الأسرى الإداريين الذي استمر أكثر من 59 يوماً، هذا الصمود الأسطوريّ خلق جوّا من الغضب والثورة استفزّت هِمم ثلّة مباركة من شباب الضفّة الأتقياء الأخفياء؛ فقاموا بعمليتهم البطولية باختطاف ثلاثة من علوج المستوطنين، واختفوا عن الأنظار (ومازالوا مختفين)، في عمليّة نوعيّة برغم الوضع الأمني القاسي للضفّة.
وهنا جُنّ جنون الكيان الصهيونيّ وأجهزته وأجهزة شركائه في التنسيق الأمني؛ فانطلقوا يعيثون في أرض الضفّة فساداً ودماراً وخراباً، ثمّ جاءت الاعتداءات والاقتحامات المتكرّرة للمسجد الأقصى، وذروتها في محاولة فَرْض التقسيم الزماني والمكاني له، واستمرّ التكبر والعنجهية الإسرائيلية في الاستيطان والتهويد والاعتقالات التي طالت النوّاب والقيادات والمحرّرين من صفقة وفاء الأحرار، وامتدّ الصَلف الصهيوني ليصل أهلنا في 48 لتضامنهم مع إخوانهم.
وبعد عثوره على جثث المستوطنين وفشله في اكتشاف الخاطفين عمد إلى إطلاق قطعان المستوطنين تعيث في الأرض فساداً وحقداً؛ فلم يجدوا أمامهم إلاّ ذلك الطّفل محمّد أبو خضير فيقتلوه حرقاً بطريقة بشعة وهو حيّ بعد أنْ سقوه البنزين!! هنا هبّت الضفّة من جديد في انتفاضة القدس تعبّر عن غضبها وثورتها التي نسأل الله أن تستمرّ على هذا السلوك الإجرامي.
وسّع العدوّ الصهيوني تخبّطه وعدوانه بهدف إشباع غروره وإرسال رسائل انتقام لجمهوره ليقصف غزّة الصامدة؛ هنا كانت غزّة له بالمرصاد كعادتها، فأخرجت من جعبة القسّام ما أذهل العدوّ إرباكاً وشفى صدر قوم مؤمنين في أنحاء الكون كافّة عندما رأوا قطعان جنود الصهاينة مثل "البسس والفئران" كما وصفهم أطفال القدس الأبطال!
هذا قدرُنا أن نكون على موعد مع هذا العدوّ، موعد يختاره الله لنا ولا نختاره، لكنّنا وكتائبنا ومجاهدينا صُبُرٌ عند اللقاء بإذن الله وعونه، لا نتولّى لحظةَ زحف، وسنريهم منّا قوّة لم تخطر ببالهم حتى تسوء صباحاتهم وتتنكّد حياتهم، لا يضرّنا من خذلنا، ولا تفتّ في عضُدنا طائراتهم وهي تقصف بيوت أحبابنا، ما دامت تظلّنا معيّة الله وما دمتم "تخلُفون" مجاهدينا وتحملون في الآفاق راياتهم.
هذه رسالة مجاهدي فلسطين يا أمّتنا؛ رسالة معطّرة بغبار الميدان ومضمّخة بمسك الشهادة، لا تعرف تزويقاً ولا تنميقاً، تنبض بروح لا تهزّها زنّانات الصهاينة ولا الـ F16، ولن يُخيفَهم إنْ نفذ مخزون صواريخهم؛ وهم يعدّون الأيّام عدّا حتى يلتقون وجهاً لوجه مع بني صهيون! واثقون بالله أنّ النصر آت، روحهم تحلّق "كأبابيلهم" في عنان السماء، لا تعرف ضعف الطّين ولا تردّد الجبناء!
رسالة تذكر الفضلَ لأهله؛ لكنّها تصف الحال الذي يستصرِخ فينا مزيداً من المبادرة والمروءة التي يجب أن تتحرّك في جنبات كلّ منّا تجاه ما يرى من تضحيات وإبداعات وكذلك آلام وجراحات، فتدفعه للفعل! أم أنّ فلسطين لهم وحدهم؟!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4632
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026