رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. مريم السبيعي

مساحة إعلانية

مقالات

171

د. مريم السبيعي

فن النهوض بعد العثرات

06 أكتوبر 2026 , 12:00ص

ليست الحياة طريقًا مستويًا تمضي فيه الخطوات دون عوائق، بل هي رحلة تتعاقب فيها الأيام، وتتبدّل فيها الظروف، ويجد الإنسان نفسه أحيانًا أمام مواقف لم يكن يتوقعها، أو نتائج لم تكن كما أراد. غير أن العثرة لا تعني نهاية الطريق، بل قد تكون لحظةً يتعلم فيها الإنسان كيف يعيد ترتيب خطواته، ويكتشف في داخله قدرةً جديدة على الصبر والمواصلة.

إن النهوض بعد العثرات فنّ لا يتقنه إلا من أدرك أن التجربة، مهما كانت قاسية، تحمل درسًا يستحق التأمل. فليس المهم أن يظل الإنسان بعيدًا عن الخطأ، وإنما أن يعرف كيف يتعامل معه، وكيف يحوّل ما مرّ به إلى وعيٍ ونضجٍ وخبرة. وقد تكون بعض المواقف التي أوجعتنا سببًا في نضج قراراتنا، واتساع رؤيتنا، ومعرفتنا الحقيقية بأنفسنا وبمن حولنا.

ويبدأ النهوض بالاعتراف بما حدث دون إنكار، ثم مراجعة الأسباب بهدوء، بعيدًا عن جلد الذات أو تعليق المسؤولية على الآخرين. فالمراجعة الصادقة تمنحنا فرصةً لفهم التجربة، واكتشاف مواطن القوة والخلل، ثم وضع خطوات واضحة للعودة إلى الطريق. وليس عيبًا أن نعيد المحاولة، بل العيب أن نسمح لليأس بأن يصادر قدرتنا على البدء.

ومن أعظم ما يعين الإنسان على النهوض أن يحيط نفسه بالأشخاص الذين يمنحونه كلمة طيبة، ونصيحة صادقة، وحضورًا يبعث الطمأنينة. فالكلمة الدافئة قد تفتح نافذةً في يومٍ ثقيل، والمساندة الصادقة قد تجعل الطريق أقل مشقة. كما أن الإيمان بالله، وحسن الظن به، والرضا بتقديره، تمنح القلب سكينةً تعينه على تجاوز المراحل الصعبة بثبات.

ولن يكون النهوض دائمًا سريعًا أو ظاهرًا للآخرين؛ فقد يبدأ بخطوة صغيرة، أو قرار هادئ، أو عودة إلى عادة نافعة، أو استئناف حلمٍ تأجل. المهم ألا يحتقر الإنسان خطواته الأولى، فكل تقدم، مهما بدا بسيطًا، هو إعلان بأن الإرادة ما زالت حاضرة، وأن المستقبل لم يُغلق أبوابه.

إن العثرات لا تختصر الإنسان، ولا تحدد قيمته، ولا تلغي ما يملكه من مواهب وقدرات. هي صفحات من كتاب الحياة، وقد تحمل بين سطورها أجمل التحولات. فكم من شخص ظن أن طريقه انتهى، ثم اكتشف أن العثرة كانت بدايةً لاتجاه أكثر نضجًا ووضوحًا، وأن ما فقده في مرحلةٍ ما قاده إلى ما هو أعمق وأجمل.

فلنمنح أنفسنا فرصةً جديدة، ولنتعامل مع أخطائنا برحمة، ومع أحلامنا بثقة، ومع القادم بأمل. فالحياة لا تكافئ من لم يتعثر، بقدر ما تكافئ من تعلّم كيف يقف، وينفض عن روحه غبار التجربة، ويواصل السير بقلبٍ أكثر حكمة، وخطوةٍ أكثر ثباتًا.

مساحة إعلانية