رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"ليلة الكرامة" التركية أبهرت العالم
الحشود المليونية نزلت للميادين تلبية لنداء الرئيس وحفاظاً على مسيرة الديمقراطية
لم نعرف أردوغان إلا مدافعاً عن قضايا العرب والمسلمين ومحتضناً للاجئين وملاذاً للمضطهدين
بشار واجه الشعب بالدبابات.. فيما أردوغان واجه الدبابات بالشعب
لم تكن تركيا أو حزب العدالة والتنمية أو أردوغان وحده في ميدان معركة الديمقراطية مساء أمس ، بل إن شرفاء كثر من العالم كانوا في الميدان حاضرين وإن كانوا عن بعد.
لماذا كل هذا التعاطف، بل التأييد المطلق مع الرئيس رجب طيب أردوغان في " ليلة الكرامة " التركية، ليس من شعبه الذي زحف بالملايين إلى الميادين، بل من الشعوب العربية والإسلامية؟.
لم نعرف عن تركيا و"أردوغانها " منذ تولي حزبه حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا عام 2002، إلا انحيازه إلى القضايا العربية والإسلامية بصور شتى، وما لحظة " ون منت " في منتدى دافوس 2009، حيث انتفض أردوغان مزمجراً في وجه رئيس الكيان الإسرائيلي بيريز مدافعا عن غزة، ومعريا زيف وكذب الصهاينة، وكاشفا جرائمهم في عدوانهم على غزة، إلا واحدا من مواقف رجولية عديدة.
لم نعرف عن أردوغان إلا احتضانه لملايين اللاجئين من أشقائنا السوريين وغيرهم من العرب الذين اتخذوا من تركيا ملاذا آمنا لهم، بعد أن طاردتهم أنظمة بلدانهم.
لم نعرف عن أردوغان إلا أنه أعاد للمساجد دورها، وللمآذن تكبيراتها، وللحجاب قدسيته، وللإنسان التركي كرامته، وللدولة هويتها...
لم نعرف عن أردوغان إلا أنه نقل تركيا من دولة " هامشية "، تلهث خلف الدول، وتقف عاجزة تتسول الاتحاد الأوروبي، ومدينة لصندوق النقد الدولي بـ 26 مليار دولار، إلى دولة تحتل المرتبة 16 في الاقتصاد العالمي بعد أن كانت تحتل المرتبة 111، ولم يعد عليها دولار لصندوق النقد الدولي، بل أقدمت على تقديم قرض لصندوق النقد الدولي بقيمة 5 مليارات دولار، وباتت تعتمد على نفسها في كل صناعاتها، بما فيها العسكرية، وأصبح دخل الفرد فيها نحو 13 ألف دولار بعد أن كان لا يتجاوز 2700 دولار خلال 10 سنوات فقط.
لم نعرف عن أردوغان إلا محتضنا أبناء الثورات العربية، الذين طاردتهم أنظمتهم القمعية، بعد نجاح الثورات المضادة، فكانت تركيا هي الملاذ الآمن لهم من المطاردات...
في سنوات عشر استطاع حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس أردوغان أن يحدث نقلة نوعية قل نظيرها على مستوى العالم.. في التعليم.. الصحة.. الاقتصاد.. البنية التحتية.. القوة العسكرية.. يكفي أن نعلم أنه خلال هذه السنوات حدث الآتي:
الناتج القومي لتركيا عام 2013 حوالي تريليون ومائة مليار دولار.
أردوغان قفز ببلاده قفزة مذهلة من المركز الاقتصادي 111 إلى 16 بمعدل عشر درجات سنوياً، مما يعني دخوله إلى نادي مجموعة العشرين الأقوياء الكبار في العالم.
تركيا صنعت وللمرة الأولى في عهد حكومة مدنية أول دبابة مصفحة، وأول ناقلة جوية، وأول طائرة بدون طيار، وأول غواصة، وأول قمر صناعي عسكري حديث متعدد المهام، وتتطلع في العام المقبل لصناعة أول حاملة طائرات.
أردوغان في عشر سنوات بنى 125 جامعة جديدة، و189 مدرسة و510 مستشفيات و169 ألف فصل دراسي حديث ليكون عدد الطلاب بالفصل لا يتجاوز 21 طالبا، وأصبح التأمين الصحي متوافرا لكل فرد من أفراد الشعب التركي.
في تركيا تعمل الدولة جاهدة لتفريغ 300 ألف عالم — للبحث العلمي للوصول إلى عام 2023..!؟
في تركيا ارتفعت الرواتب والأجور بنسبة 300%، وأصبحت ميزانية التعليم والصحة أكبر من ميزانية الدفاع، وأعطي المعلم راتبا يوازي راتب الطبيب.
تركيا كانت صادراتها قبل مجيء حزب العدالة 23 مليارا، أصبحت 153 مليارا لتصل إلى 190 دولة في العالم.. وتحتل السيارات المركز الأول، تليها الإلكترونيات، حيث إن كل ثلاثة أجهزة إلكترونية تباع في أوروبا هناك جهاز صناعة تركية.
هذا هو الرئيس أردوغان الذي انتفض الشعب التركي عن بكرة أبيه عندما سمع خطابه الـ "12" ثانية، والذي دعا من خلاله الشعب للنزول إلى الميادين والمطارات، ليس لحماية أردوغان، إنما لحماية مسيرة الديمقراطية، وعدم عودة العسكر للهيمنة على الحياة السياسية، وهي التجربة المريرة التي عاشها الشعب التركي خلال 4 مرات سابقة.
لم تمض لحظات حتى كانت الميادين قد امتلأت بالحشود الهادرة تلبية لنداء الرئيس، فوقفت الجماهير أمام دبابات الانقلابيين، حاملين علم تركيا، لم نشاهد صورة أردوغان يحملها ولو شخص واحد، فالوطن هو الذي يعيش الخطر.
كلمات محدودة قالها أردوغان بكل ثقة دون حراسة: أنا سأكون معكم بعد قليل في الميادين، وسنحاكم الانقلابيين.
الشعب التركي لمس حجم التقدم والتطور الذي شهده في عهد حزب العدالة، وبالتالي عرف قيمة نعيم الحرية والديمقراطية والكرامة التي عاشها في ظل هذا الحزب بقيادة أردوغان، الذي سعى إلى بناء المواطن التركي، وإعلاء قيمته، واحترام إرادته، وتوظيف قدراته من أجل خدمة الوطن، وتسخير إمكانات الوطن من أجل المواطن.
واقعة كنت طرفا فيها. في عام 2013 وتحديدا في شهر مايو، كنت في زيارة إلى تركيا ضمن وفد إعلامي محدود بمناسبة مرور 10 سنوات على تولي حزب العدالة الحكم في تركيا، فكان ضمن الجدول زيارة تلفزيون خبر، وفي قاعة صغيرة جلست مع فتاة تركية معدة ومنتجة برامج، لا ترتدي الحجاب، ولباسها قصير، وتدخن، وكانت الانتخابات البلدية آنذاك قريبة، فسألتها عن خيارها القادم في الانتخابات، وكل الذي في ذهني مسبقا أنها ستصوت لأحد الأحزاب العلمانية، لكنها ودون تردد أجابت: سوف أصوت لحزب العدالة، توقفت قليلا مبتسما، وقلت لها: عذرا على السؤال، لكن هيئتك من خلال لباسك وتحررك تقول إنك بعيدة عن حزب ذي توجه إسلامي، ولديه أيديولوجية معينة، قاطعتني قائلة: أنا لا علاقة لي بفكر الحزب أو انتماءاته، أنا أنظر إلى ما قدم لي هذا الحزب، وبدأت بالحديث عن إنجازات حزب العدالة، فكان مما قالت وأتذكره: لم تكن الأسرة التركية تستطيع أن تملك سيارة مستعملة، بينما اليوم كل بيت في تركيا لديه أكثر من سيارة ومن الوكالة. دخلنا لم يكن يتجاوز 2700 دولار في 2002، اليوم 2013 دخلنا يصل إلى 13 ألف دولار. التعليم مجاني، الجامعات في كل مدينة وقرية، التأمين الصحي لجميع أفراد الشعب.
حقيقة أذهلتني هذه الفتاة غير المحجبة، بتفكيرها المنطقي والواعي والمتقدم، استرجعت هذا الموقف وأنا أشاهد مساء أمس الأول غالبية من في الشارع من غير المحجبات، ولفت نظري كيف أقدمت فتاة غير محجبة على مساعدة أخرى محجبة عندما سقطت على الأرض.
هذا الحشود المليونية التي وضعت أرواحها على أكفها في كل مدن تركيا، وهي خارجة للميادين تلبية لنداء من رئيس يحاول أفراد من العسكر الانقلاب عليه، لم تخرج إلا لأنها عايشت الحياة الكريمة التي وفرها هذا الرئيس، وكيف كان أمينا على هذا الوطن، فانتشله من مراتب متأخرة إلى مقدمة الأمم، وأصبح لتركيا اليوم حضور عالمي، يحسب له ألف حساب.
وكذلك المختلفون مع الرئيس أردوغان، أو الأحزاب المعارضة، كان الجميع على قلب رجل واحد، لم تفرقهم السياسية، بل إن حماس ودفاع من هم مختلفون مع أردوغان، كان أكثر منه حدة، كما ظهر ذلك في تصريحات الرئيس السابق عبدالله غل، الذي عرف عنه في السابق هدوؤه، إلا إنه في "ليلة الكرامة" انتفض، وقال هذه تركيا، ليست دولة في أفريقيا، والأمر نفسه مع رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، هؤلاء لم يختلفوا على الوطن في ساعة الشدة، ووقت المحنة، وضعوا اختلافاتهم جانبا، ونزلوا للميدان صفا واحدا، وكانوا كالجسد الواحد، إنهم كبار في المواقف، فرسان في الخصومة، شرفاء في العمل، ألا يا ليت قومنا العرب يتعلمون من ذلك.
كان الإجماع الوطني هو العلم التركي، الذي التف حوله كل الأتراك، مؤيديهم ومعارضيهم، لم يحملوا صورا لأردوغان، إنما حملوا العلم التركي، ولم يرقص الشعب بعد فشل الانقلاب، إنما اتخذوا الساحات والميادين مصلى في صلاة الفجر جماعة، بعكس ما حدث في دول عربية عندما تحولت الميادين وقاعات الانتخابات إلى رقص وغناء مبتذل.
في خطابه بمطار أتاتورك باسطنبول وجه رسائل غاية في الأهمية بعد أن حط بطائرته، من بين ما قال: إن السلاح الذي نشتريه، والطائرات التي نمتلك هي لحماية الوطن، وليس لقتل المواطنين، ووجه خطابه للجيش قائلا: أنتم جيش محمد لا ينبغي لكم رفع السلاح في وجه المواطنين.
"جيش محمد" تحمل رسائل عدة، أقربها محمد الفاتح، الذي فتح القسطنطينية "اسطنبول حاليا"، وفيها الاعتزاز بميراث الشعب التركي وأجداده، وأنهم أحفاد أولئك القوم الفاتحين، ليعطيهم العزة والفخر.
السلاح الذي تشتريه الدول بعرق الشعب، واقتطاع رزقه، لا ينبغي أن يوجه في نهاية الأمر إلى صدور الشعب، فمن يعي هذا الأمر، فها هو بشار يبيد الشعب بسلاح اشتراه من مال الشعب.
فرق بين أردوغان تركيا وبشار سوريا
بشار واجه الشعب بالدبابات..
فيما أردوغان واجه الدبابات بالشعب..
انتصر الشعب التركي الطامح للحرية والديمقراطية، والرافض لعودة العسكر إلى الحياة السياسية، بعد تجارب مريرة، حتى وإن تطلب الأمر بذل الدماء، فللحرية الحمراء باب، بكل يد مضرجة يدق، كما قال الشاعر الكبير أحمد شوقي.
لم يذهب الأتراك بعد فشل الانقلاب في نهاية "ليلة الكرامة" إلى بيوتهم، بل ظلوا في الميادين العامة حتى هذه اللحظة للحفاظ على مكتسبات مسيرتهم، وللتأكيد على دعم شرعية حكومتهم، وليؤكدوا للعالم أنهم ملتفون حول رئيسهم، فلا مجال للمساومة على الوطن.
الشعب التركي ضرب أروع الأمثلة خلال المحاولة الانقلابية العسكرية الفاشلة، وتركيا ما بعد 15 يوليو 2016 لن تكون كما كانت قبله، وأردوغان الذي حصل حزبه في آخر انتخابات على نحو 52% هو اليوم تجاوز ذلك بكثير، ولن يجرؤ أي طرف على الدخول في مغامرة مجنونة كما حدث مساء 15 يوليو، فالشعب التركي اليوم وصل إلى مرحلة النضج الديمقراطي، ولن يقبل بالعودة من جديد إلى "عسكرة" مؤسساته المدنية.
شكرا شعب تركيا قدمت للعرب درسا جديدا!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
3492
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2604
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1626
| 29 مايو 2026