رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يرى البعض أن قضية العولمة والفضاء المفتوح، لا خيار لنا فيها ولا نستطيع الرفض، ولا يمكن إلا بالاندماج والتفاعل مع عوالمها المتعددة، لأنها تمثل في أحشائها جوانب ضرورية وأبعادا تكنولوجية وعلمية لا غنى لنا عنها لعصرنا المتغير، مع الاعتراف أن الكثير من الشروط في بعدها الاقتصادي مجحف للكثير من الدول الآخذة في النمو، والدول ذات المصاعب الاقتصادية لأسباب اجتماعية وسياسية وجغرافية. لكن جدل الهوية والانفتاح الثقافي، قضية مختلفة تماماً ولا تندرج في اعتقادنا في مسائل الاقتصاد والسياسة الخاضعين، لمتغيرات وتفاعلات غير ثابتة ضمن تطور الأمم وتجدد احتياجاتها، وتشابك قضاياها المعاصرة، لكن الخطر المتوقع المقبل، أن العولمة وبإمكانياتها الضخمة من تكنولوجيا متقدمة وسائط معلوماتية هائلة تستطيع اختراق الحدود والسدود، وبلا قدرة على المقاومة أو حتى الرفض ضمن شروط العولمة في جانبها الاقتصادي البحت !
ويتحدث الغرب الآن وبتعال أن الحديث عن الهويات الثقافية والخصوصيات الذاتية أصبح كلاماً بالياً عفا عليه الزمن، ولا يمكن الالتفات إليه كطرح يعتد به وأخذه في الحسبان، وعندهم ـ كما يقول د. إبراهيم الحيدري ـ إن من يرفض "قيم" العولمة وعاداتها الاستهلاكية إنما يريد رفض بضائع المدنية الحديثة ووسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات التي دخلت البيوت، ومجالات العمل والثقافة والحياة الاجتماعية، ومن مظاهرها تداخل عناصرها وتياراتها وتفاعلها مع بعضها الآخر، بحيث لم تعد التجارة والتكنولوجيا حرة وعالمية فحسب، بل والإنتاج والاستهلاك، وأصبح الحديث عن "الثقافة المصنعة" هدف من أهدافها الجديدة. ولا شك أن العصر الراهن هو عصر الهيمنة والقوة الاقتصادية بلا منازع بما تمثله من انفتاح في التجارة والنشاطات الأخرى الهامة وغيرها من الجوانب، أنه مجتمع المعلومات العولمي المتشابك، وهذا بدوره سوف يجر إلى تغير اجتماعي ونفسي يسير بمعطيات مختلفة عما ألفناها من قبل المتمثلة في زيادة القدرات الوظيفية للأنساق الثقافية العالمية من خلال تطور تقنيات الاتصال الجديدة، كالإنترنت والكمبيوتر والجوال وغيرها من الوسائل المعلوماتية الحديثة، وهذه الوسائل سيكون لها الأثر في تشكيل الوعي لدى المتلقين وخاصة النشء الذين يتلقون هذه الوسائل بدون أن يدركوا أبعادها الفكرية وأثرها الاختراقي على العقل والوجدان العربي.
وهذه التقنية أيضاً سوف تدخل كمتغير فاعل ومؤثر في عملية التنشئة الاجتماعية، فمن خلالها لم يعد النشء يستبطن الثقافة المحلية ـ كما يقول الباحث عبد القادر عرابي ـ بل ستدخل في تشكيل ثقافات أخرى، فللثقافة الوطنية، ثقافة الدولة والمجتمع، ستواجه الثقافة العالمية بحيث إننا نجد أنفسنا أمام ثقافتين وعالمين مختلفين أو عوالم ثقافية مختلفة، لا تتفاعل مع بعضها البعض بل يسود بعضها البعض، وسوف تتدخل المؤسسات الأجنبية ـ من خلال شروطها ـ في عالم حياتنـا، وتحاول السيطرة عليه واستعماره أو على الأقل تشكيله، وسيقود هذا التدخل إلى مشكلات وتحديات تربوية ونفسية تهدد عمليات التفاعل المفترضة بين الثقافات.
وإذا كانت الدولة الوطنية قد احتفظت بخصوصيتها الثقافية إلى حد ما، فإن مجتمع المعلومات قد ضيق هذه الخصوصية والهوية الذاتية، إذا لم يكن ينذر بالقضاء عليها، فالدولة لم تعد في المستقبل هي المصدر الوحيد للمعلومات، كما أنه من المتعذر عليها السيطرة على تدفق المعلومات الهائل وضبطها.
وإذا كانت التنشئة الاجتماعية عبرت في الغالب عن علاقة مباشرة بين شخصين أو أكثر، فإن التنشئة اللاشخصية ـ كما يقول عرابي ـ تزداد من خلال تطور تقنيات الاتصال الجماهيري، وتعتبر وسائل الاتصال العالمية وسيلة من وسائل التنشئة الاجتماعية الجديدة التي صارت تنافس الوسائل الأخرى كالأسرة وأولياء الأمور والمدرسة والبيت، وغيرهم من وكلاء التنشئة الاجتماعية، وقد تكون أحياناً أكثر أثراً منهم على الطفل، إذا ما ازداد تعرض الطفل لها، ومع أن الدراسات حول هذه الظاهرة ما تزال قليلة جداً في مجتمعنا العربي، إلا أن أثرها واضح في بناء الشخصية وعالم الطفل ومفرداته اللغوية، وتحصيله الدراسي وفعله الاتصالي وسلوكه الاجتماعي، وآرائه وقناعاته ومواقفه وسلوكه الاستهلاكي، فالساعات الطويلة التي يقيها الطفل في مشاهدة تقنيات الاتصال العالمية تجعل منها مصدراً هاماً لإمداده بالمعلومات ولتكوين اتجاهاته ومعتقداته، وقد تحوله إلى مجرد مستهلك سلبي، الشيء الذي يقف حائلاً دون تطوير قدراته وطاقاته الإبداعية.
لقد كانت الدولة في الماضي ـ إلى حد ما ـ هي المصدر الوحيد للمعلومات، أما الآن فإن تطور تقنيات الاتصال ستجعل الثقافة العالمية تنساب عبر الحدود، الأمر الذي يجعل من المتعذر السيطرة على تدفق المعلومات الهائل ومراقبتها. أما التحديات التي تترتب على العولمة الثقافية بالنسبة للمجتمع فخطيرة جداً، ذلك أن المجتمع يعرف نفسه من خلال الثقافة والتاريخ، وتكوين مرجعية ثقافية، تشكل أساساً لشعور الجماعة والنسق القيمي.
وهذا سيشكل تحدياً كبيراً من خلال الاختراق الثقافي وتعدد العوالم الثقافية، وانسياب المعلومات في اتجاه واحد هي التي تضع الرأي العام وتؤثر في تشكل وعيه، لكن البعض يقلل من خطر العولمة ويعتبر هذا التدفق المعلوماتي ظاهرة إيجابية في معظم أنساقها الثقافية، ويمثل جانباً هاماً من انفتاح الثقافات العالمية على بعضها البعض.
إن هذه المقولات التي تسوّق لثقافة العولمة، وتبشر بمزاياها والتقليل مــن مخاطرهــا، ليس مقنعاً في أغلب جوانبه بالنظر إلى الكثير من الآراء والأفكار التي يطرحها سماسرة العولمة نفسها. وللتدليل على ما نراه مخالفاً حول ما قيل آنفاً إن هناك أصواتاً في الغرب قوية ومؤثرة تتحدث عن مخاطر العولمة في جانبها الثقافي أيضاً.. ناهيك عن البعد الاقتصادي ومشاكله في أوروبا نفسها، وما حدث في سياتل وفي غيرها من المدن الأوروبية منذ سنوات أكبر مثال على مدى الرفض والقلق من مخاطرها الكثيرة.
وأصدق مثال على ذلك أن فرنسا لا تزال إلى الآن تنتقد العولمة الثقافية والتي تسميها "الإمبريالية الثقافية الأمريكية" وتبذل جهوداً كبيرة للمحافظة على "الفرانكفونية" في فرنسا، وفي بعض الدول الإفريقية، ومما قاله وزير ثقافتها في أحد المؤتمرات الدولية مهاجماً الولايات المتحدة: إن تلك الدول علمتنا قدراً كبيراً من الحرية، ودعت الشعوب إلى الثورة على الطغيان، أصبحت لا تملك اليوم منهجاً أخلاقياً سوى الربح، وتحاول أن تفرض ثقافة شاملة على العالم أجمع، ومضى يقول: إن هذا هو شكل من أشكال الإمبريالية المالية والفكرية، لا يحتل الأراضي، بل يصادر الضمائر ومناهج التفكير وطرق العيش.
ومن أجل ذلك رفضت فرنسا ـ وهي إحدى الدول الكبرى الصناعية في العالم كما معروف ـ أن توقع على الجزء الخاص بالسلع والمواد الثقافية في اتفاقية الجات، وهي تشمل: السينما والتلفاز والفيديو وما يشابهها، وقد نجحت فرنسا في الحصول على تأييد 46 دولة فرانكفونية في محاولاتها الحصول على "استثناء ثقافي" يشمل تلك السلع والمواد، وقد أدرج في الاتفاقيات الدولية الخاصة بحرية التجارة (الجات).
فإذا كان موقف فرنسا بلد الحرية والنور والإشعاع الثقافي في الغرب ، ترفض ثقافة الولايات المتحدة وتعتبرها إمبريالية ثقافية. فماذا يجب أن يكون موقفنا نحن من هذا الاكتساح الثقافي والاقتصادي ، وغيرها من الأبعاد الأخرى في هذا الإطار؟
وإذا كانت العولمة الثقافية تعني هيمنة ثقافية واحدة بأفكارها وقيمها وسلوكياتها، وإزاحة الثقافات والهويات الأخرى الذاتية، فما جدوى الحديث عن تعددية الأفكار والثقافات الإنسانية؟ وماذا بقي من شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان وهما من أسس الحرية الثقافية والفكرية في ظل هذا التحول المعادي للتعددية الثقافية ؟ وإذا كان البعض يردد مقولات تقلل من محاذير ومخاطر العولمة الثقافية، والحديث عن التبادل والتفاعل الثقافي بين الثقافات، من خلال تقنيات الاتصال وغيرها من الوسائل الحديثة، فإننا نعتقد أن هذه الآراء تفقد مصداقيتها كما قلنا بالتدريج، ذلك أن التبادل الثقافي بين ثقافات غير المتكافئة محسومة سلفاً، وعدم التكافؤ يلغي عملية التفاعل والتبادل المفترض بين ثقافات الشعوب، وأن عدم الاعتراف بالتعددية الثقافية في إطار العولمة ربما يمهد الطريق إلى حضارات وثقافات مغلقة، والانغلاق ربما يجر إلى انقسام الحضارات، وهذا الانقسام سيعزز للأسف نظرية هنتنغتون في "صدام الحضارات" التي تدعي أن فكرة التصادم والانقسام في المستقبل لن يكون أساسه الأيديولوجيا، بل الثقافات والهويات عند خطوط التماس هذه الحضارات!! لكننا نعتقد أن هذا ليس صحيحا، لأنه ضد واقع التعايش والتفاهم والتواصل، الذي هو أصل الحضارات الإنسانية، منذ ظهورها بداية التاريخ .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3324
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026