رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يحدث الآن في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا له مكونات جيوسياسية، في هذا الجانب، فإن الولايات المتحدة وأوروبا سيرون أنفسهم بمرآة ماضيهم تحت قيادة بوتين، لم تعزز روسيا اقتصادها فحسب، بل زادت قوتها العسكرية أيضاً، ربما لم تكن لديها القوة العسكرية من قبل ولكنها قوة إقليمية.
لقد كان فلاديمير بوتين دقيقاً جدا في خطابه في أعقاب ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا عندما قال: "مجرد معرفة تاريخ شبه جزيرة القرم فإنه يتضح جلياً أن شبه جزيرة القرم كانت دائما ولا تزال جزءا لا يتجزأ من روسيا، وبالتالي ينبغي ألا يندهش القادة الغربيون مما حدث مؤخرا هناك".
حرب القرم عام 1854، نشأت مع نشوء نزاع بين المسيحيين الأرثوذكس الذين تحميهم الأرثوذكسية الروسية من جهة، وبين الكاثوليك الذين كانوا تحت الحماية الفرنسية. كان النزاع حول من سيحصل على السيطرة على كنيسة المهد وكنيسة القيامة في القدس.
إلى جانب ذلك، كانت لحرب القرم مكونات جيوسياسية تسيطر على البحر الأسود. بعد كل ما حدث، ما يجري فعلا في أوكرانيا والقرم حالياً هو شبيه لما حدث في تلك المنطقة في عام 1830، عندما تدخلت روسيا القيصرية في بولندا لسحق التمرد. في ذلك الوقت كان هنالك العديد من الآراء، وقد ذكر الشاعر الروسي الشهير ألكسندر بوشكين موضحاً لتلك الآراء: "هذه معركة بين عرق "السلاف". وإن الغضب القديم جداً لن يقرره المعارضون لروسيا". ففي تلك المناطق يوجد حجم كبير من العلاقات الاقتصادية والثقافية والدينية والعائلية مع روسيا، وكما قال بوشكين، تلك الشعوب أيضا مثلها الأعلى هو عالم "السلاف".
أحداث الأشهر الأولى من عام 2014 حين تم ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، والوضع الحالي في أوكرانيا، قد يؤديان إلى تقسيم هذه الأمة إلى ثلاث ولايات مختلفة. الأولى هي شرق أوكرانيا، تلك المنطقة الأكثر تقدماً صناعياً، ويعد حوالي 80٪ من سكانها ناطقين باللغة الروسية ويرغبون في الانضمام إلى روسيا. في المقابل، هنالك وسط أوكرانيا حيث تقع العاصمة الفعلية كييف وهنالك نجد وضعاً مختلفاً، فاللغة الرئيسية هي الأوكرانية ولكن هناك خليط من الناس، البعض يفضل أن يكون جزءا من أوروبا، والبعض الآخر يفضل أن يكون جزءًا من روسيا. ربما في المستقبل، سوف تكون هذه المنطقة منطقة عازلة بين روسيا وأوروبا من حيث قواعد حلف شمال الأطلسي. وبالتالي فإن إستراتيجية بوتين لوسط أوكرانيا ستكون مختلفة وتوجيهها نحو تحقيق نظام فيدرالي، حيث ستكون مختلف المحافظات تتمتع باستقلالية كبيرة عن الحكومة المركزية. في إطار هذا المخطط يمكن أن يكون لدى روسيا نفوذ سياسي كبير.
وأخيراً الولاية الثالثة هي أوكرانيا الغربية مع وجود مدينة "لفوف" كمركز حضري رئيسي، حيث معظم السكان يرغبون في أن يكونوا جزءاً من أوروبا.
منذ انفصال أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي، كانت إدارة الاقتصاد كارثية وهذا هو أحد أسباب الحركة الانفصالية على الأرض. وجاء الأمر الآخر عندما أطيح بالرئيس يانوكوفيتش وتم تثبيت حكومة الأمر الواقع، في تلك اللحظة تم تشكيل الوضع السياسي من قبل قوى وطنية وقوى الوضع القائم، وكان من الممكن تجنب الوضع في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا لو أدركت الولايات المتحدة وأوروبا مسبقاً أن عملية توسيع حلف شمال الأطلسي لقواعده لها حد أقصى وهو أوكرانيا. فمن الأولى أن نفهم أن روسيا لن تسمح أبداً بذلك. فقبل نصف قرن حدث ما حدث عندما حاول الاتحاد السوفيتي تثبيت قاعدة الصواريخ في كوبا التي ليست سوى 90 ميلا من البر الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية. الولايات المتحدة لن تسمح أبداً بمثل هذا الشيء.
كما حدث في الماضي، ما يحدث الآن في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا له مكونات جيوسياسية. في هذا الجانب، فإن الولايات المتحدة وأوروبا سيرون أنفسهم بمرآة ماضيهم. في الماضي صنعت الولايات المتحدة الأمريكية النتيجة المباشرة لثيودور روزفلت لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، الآن روسيا تصنع النتيجة المباشرة لأوراسيا.
وتظهر تحاليل الأوضاع أن الرئيس بوتين قد لعب لعبة الشطرنج هذه بمهارة. وبدلاً من ذلك فإن الرئيس أوباما حتى هذه اللحظة لعب بشكل يظهر قيودا في حركته. أحد أسباب ذلك هو الانقسامات في آراء أقرب مستشاريه. لقد لعب هذه اللعبة دون "عصا" تيدي روزفلت، ومضرب البيسبول الذي كان في يده عندما دعا رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان. ولعل الرئيس أوباما يدرك أن خياراته في شبه جزيرة القرم محدودة، وهو يعلم أيضاً أنه ليس صحيحاً أن الولايات المتحدة على المدى القصير يمكن أن تستبدل الغاز الذي تستورده أوروبا من روسيا. ولكن وراء كل تلك العناصر الوضع الحقيقي هو أن الولايات المتحدة لا تريد أن تكون لها حرب ساخنة ولا حرب باردة مع روسيا.
أكثر من ذلك بكثير معرفة أنه على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ما لديك هو شريك أوروبي ضعيف اقتصادياً وعسكرياً ولديه مصالح اقتصادية مع روسيا. فلنأخذ ألمانيا كمثال، الألمان يعلمون أنهم يعتمدون على الغاز الروسي، ولكن أيضاً لديهم حوالي 7000 شركة لديها أعمال تجارية مع روسيا. وإذا نظرت إلى الوراء والتاريخ والقيم الداخلية للمجتمع الألماني، ستستنتج أنهم يقعون بين الشرق والغرب. هذا هو السبب أن نتائج استطلاع أجري حديثاً أشار إلى أن نسبة 49% من الألمان يريدون لبلادهم اتخاذ موقف وسط في هذه المسألة مع روسيا. ولكن هذا أيضاً يحدث مع الفرنسيين، حيث إن لديهم عقودا تصل إلى 1.6 مليار دولار مع روسيا لمعدات عسكرية، وفي الواقع فإن لديهم قيادة سياسية ضعيفة جداً لن تكون قادرة على اتخاذ قرار بشأن هذه المسألة الصعبة.
مع ذلك فإن تحت تلك العوامل، الحقيقة الواقعية هي أن الأهمية المستقبلية للمنطقة البحرية في شبه جزيرة القرم تكمن في أنها من المحتمل أن تكون غنية بالنفط والغاز، النفط والغاز اللذان ينتجان في هذه المنطقة وفي منطقة القطب الشمالي لابد من نقلهما عبر هذا الطريق البحري إلى الأسواق الرئيسية في آسيا وأوروبا.
بالإضافة إلى احتياطات نفط شبه جزيرة القرم، هنالك منطقة القطب الشمالي، وهي منطقة تحتوي على أكبر احتياطات على مستوى العالم من النفط والغاز المكتشف وغير المكتشف. أكثر من نصف تلك الاحتياطات تقع في المنطقة التي تنتمي إلى روسيا، وذلك النفط سيتعين أيضاً نقله عبر الطريق البحري الشمالي من شبه جزيرة القرم.
في ظل الظروف الراهنة، تحتاج الولايات المتحدة إلى حل قضايا إيران وسوريا للحفاظ على السلام في أفغانستان بعد الانسحاب، وكذلك حل القضية الفلسطينية مع إسرائيل. في تلك المسائل سيتعين على الولايات المتحدة طلب مساعدة من روسيا.
هذا يعيد إلى الواجهة أنه من الأفضل كثيرا بالنسبة للولايات المتحدة الاتفاق مع روسيا بشأن تلك القضايا مقابل السماح لشرق ووسط وغرب أوكرانيا أن يقرروا ما إذا كانوا يرغبون في البقاء موحدين أو أنهم يرغبون في الانضمام إلى الاتحاد الروسي، وهذه مبادلة جيدة لكلا الجانبين. البديل الآخر بالنسبة للولايات المتحدة هو أن تبدأ حرب باردة جديدة مع روسيا مع كل ما تحمله من آثار سلبية لكلا الجانبين ولبقية العالم، وهذا الخيار الأخير ينبغي تجاهله بشكل واضح.
سيتعين على الرئيس أوباما التغيير وتحسين إستراتيجيته الحالية من أجل تحقيق أفضل نتيجة في لعبة الشطرنج.
إن لاعبي الشطرنج الجيدين يلعبون على كلا جانبي لوحة الشطرنج، وعندما يرون أن الفوز مستحيل، يركزون على إنهاء المباراة على "الطاولة".
لو كنت الرئيس أوباما، فإن لعبتي ستكون موجهة لأكون قادراً على صنع ما يسمى "المقايضات" مع بوتين والنتيجة ستكون عادلة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
9621
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2631
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2373
| 15 أكتوبر 2026