رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أ. د. عبد القادر شعبان بخوش

كلية الشريعة والدراسات الإسلامية / جامعة قطر.

مساحة إعلانية

مقالات

2409

أ. د. عبد القادر شعبان بخوش

البابا في جنوب شرق آسيا.. نحو تأسيس لاهوت آسيوي

16 سبتمبر 2024 , 02:00ص

قام البابا فرانسيس بأطول زيارة بابوية إلى جنوب شرق آسيا من 2 إلى 13 سبتمبر 2024، وشملت إندونيسيا وبابوا غينيا الجديدة وتيمور الشرقية وسنغافورة. وهدفت الزيارة إلى معالجة التحديات التي تواجه الكنيسة الكاثوليكية في منطقة تتسم بتعقيد جيوسياسي وديني، وتنوع كبير في المواقف الدينية والاجتماعية.

استهل البابا زيارته بإندونيسيا، أكبر دولة إسلامية في العالم، ثم انتقل إلى تيمور الشرقية، الدولة ذات الأغلبية الكاثوليكية. وواصل البابا جولته إلى بابوا غينيا الجديدة، الدولة المسيحية، ثم إلى سنغافورة، الدولة ذات التنوع الديني الكبير.

وتعكس الرحلة التنوع الجغرافي والديني في المنطقة، حيث يسعى البابا إلى تعزيز مكانة الكاثوليكية في هذه البلدان من خلال تقديم المساعدة لها في أزماتها المحلية.

تشهد الكاثوليكية تراجعاً في بعض مناطق آسيا، مقارنة بالنمو السكاني العام أو الوجود الكاثوليكي في قارات أخرى. ويرجع هذا التراجع إلى ارتباط الكاثوليكية بالاستعمار الأوروبي، مما دفع العديد من السكان المحليين إلى مقاومة آثار الاستعمار، بما في ذلك المسيحية. بالإضافة إلى ذلك، كانت بعض الأنشطة التبشيرية متعاونة مع الاستعمار، مما زاد من المقاومة المحلية. في المقابل، يشهد انتشار البروتستانتية في المنطقة نمواً ملحوظاً بفضل تبنيها لأساليب تفاعلية مع الثقافات المحلية وإنشاء المدارس والمستشفيات، مما ساعد في جذب عدد أكبر من المؤمنين مقارنة بالكاثوليكية.

تواجه الكنيسة الكاثوليكية في هذه المناطق أزمة كبرى، بسبب اتهامات الاعتداء الجنسي على قاصرين، وهو ما أثر سلباً على سمعتها. فقد ألحق الاتهام الموجه إلى المونسنيور بيلو، على الرغم من حصوله على جائزة نوبل للسلام، ضرراً كبيراً بسمعة الكنيسة في تيمور الشرقية.

وفي مواجهة هذه التحديات، يسعى البابا فرنسيس إلى تطوير لاهوت آسيوي يتناسب مع السياق المحلي، بعيداً عن النماذج الكاثوليكية الغربية التقليدية. ويهدف هذا اللاهوت الآسيوي الجديد إلى تقديم حلول للأزمات المحلية التي تعاني منها المناطق الآسيوية، مثل القضايا البيئية والاحتباس الحراري في إندونيسيا، فضلاً عن مكافحة الفقر في تيمور الشرقية. ويسعى البابا إلى تعزيز حضور الكاثوليكية من خلال تضامن الكنيسة مع الفقراء، وتحويل الكنائس الغربية في آسيا إلى كنائس آسيوية محلية تتوافق مع الثقافة والتحديات المحلية، وبالتالي تحقيق تفاعل حقيقي بين المسيحية الكاثوليكية والحضارة الآسيوية.

تمحورت زيارة البابا إلى إندونيسيا بشكل خاص حول تعزيز الحوار الإسلامي - المسيحي، حيث اجتمع مع ممثلين عن ستة أديان معترف بها في البلاد في مسجد الاستقلال، الذي يُعد الأكبر في جنوب شرق آسيا. كما وقع البابا إعلانًا مشتركًا مع الإمام نصر الدين عمر، الذي تناول قضايا مثل «التجريد من الإنسانية» في النزاعات، والعنف ضد الأطفال والنساء، وحماية البيئة. يبدو أن البابا يطرح نموذجًا جديدًا للحوار المسيحي-الإسلامي في إندونيسيا، متجاوزًا القضايا الشائكة التي أسهمت وتسهم في تأزيم العلاقة بين الكاثوليكية والإسلام، مثل الإسلاموفوبيا. تُثار تساؤلات حول جدية هذا الحوار المسيحي الإسلامي وفعاليته، خاصة في ظل عدم التطرق لقضايا مثل الإسلاموفوبيا، والتي تتفشى بقوة في الدول الكاثوليكية خاصة، فضلاً عن امتناع أغلبية هذه الدول عن التصويت لصالح القرار الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس الماضي بعنوان «تدابير مكافحة كراهية الإسلام».

يهدف البابا فرانسيس من خلال هذه الزيارة إلى تحقيق المشروع التبشيري الكوني للكنيسة الكاثوليكية عبر تأسيس نموذج لاهوتي آسيوي يتماشى مع واقع آسيا وثقافتها ويعالج التحديات المحلية التي تواجهها. تسعى الكنيسة الكاثوليكية من خلال هذا النموذج إلى تجاوز تراجعها وانحسارها عبر الانفتاح على الثقافات والروحانيات الآسيوية.

 

مساحة إعلانية