رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

282

د. أحمد المحمدي

الأمة لا تحتاج إلى أسئلة تُثير الضجيج

16 سبتمبر 2025 , 02:48ص

إنّ الأمة لا تحتاج إلى أسئلة تُثير الضجيج وتُبعثر الطاقات، وإنما إلى السؤال الراشد؛ سؤال صادق النية، موجَّه للبناء لا للهدم، يثمر عملًا لا جدالًا.

‏فالسؤال في ميزان الوحي أمانة ومسؤولية؛ إذ قد يكون مفتاحًا للعلم والعمل، وقد يكون مدخلًا للفتنة والانقسام. ‏وإن كنا نريد نهضةً حقيقية، فعلينا أن نتربّى على فنّ السؤال: أن نسأل عمّا ينفع، وندع ما يضر، ونحوّل السؤال إلى مشروع إصلاح وعمل نافع.‏فالقضية ليست في كثرة السؤال أو قلّته، بل في وعي غايته ومآله: ماذا نسأل؟ ولماذا نسأل؟ ‏الأسئلة الجدلية التي تستنزف العقول وتشتّت الصفوف ليست من العلم في شيء، أما السؤال الذي ينير الطريق، ويكشف مواضع الخلل، ويفتح أبواب العمل، فهو السؤال الذي يبنيه الإيمان.

‏- ضوابط السؤال بين الوحي والعقل

‏لقد رسم القرآن والسنة معالم السؤال الراشد، فجعلت له ثلاثة أطر جامعة:

‏1) وعي

‏أن ندرك خطورة السؤال، فنزنه بميزان الوحي، فنميّز النافع من الضار.

‏قال تعالى: ‏﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ 

‏وقال أنس رضي الله عنه: ‏«كنا نُنهى أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع»  ‏فالوعي تربية قرآنية ونبوية، تُعلّمنا التمييز بين سؤال يثمر علمًا وعملًا، وسؤالٍ عقيم يفتح أبواب الفتنة.

‏2) ضبط

‏أن نُحسن كفّ اللسان وتوجيه الفكر، فلا ننجر وراء كل خاطر، بل نختار سؤالًا نافعًا يخدم مشروع الحياة والقرب من الله.

‏قال ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» 

‏ومن صور غياب الضبط: ما وقع يوم قال النبي ﷺ وهو يخطب:

‏«سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمتُ في مقامي هذا» 

‏فهابه الناس، وجعلوا يغطّون وجوههم وهم يبكون، فقام رجل فقال: «من أبي؟» فقال ﷺ: «أبوك حُذافة». فقال عمر رضي الله عنه: «رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا، عائذًا بالله من الفتن».‏فالضبط يحمي الأمة من الأسئلة التي لا ثمرة لها، ويصونها من الفتن.

‏3) تسخير

‏أن نحوّل السؤال إلى أداة بناءٍ، ومفتاح مشروعات إصلاح، ووسيلةٍ للتعلّم النافع وخدمة الأمة.

‏قال تعالى:

‏﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ 

‏وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «أي الناس أحب إلى الله؟ وما أحب الأعمال إليه؟» فقال ﷺ:

‏«أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا».

‏وقال ﷺ: «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله» 

‏فهذا هو السؤال البنّاء: يحدّد الأولويات، يفتح ميادين العمل، ويحوّل المعرفة إلى حركة إصلاح تمتد في جسد الأمة كله. ‏إنّ السؤال في ميزان الوحي أمانة عظيمة:

‏•وعي يميّز النافع من الضار.

‏•ضبط يكفّ اللسان عن الفضول والفتنة.

‏•تسخير يحوّل السؤال إلى إصلاح وبناء ونهضة.

‏والسعيد من جعل سؤاله سبيلًا إلى النور والعمل، لا بابًا للجدل والانقسام.

مساحة إعلانية