رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للأشياء طريقان إلى استلاب القلب: أن تملكها فتتعلق بها حتى تخشى زوالها، أو تغيب عنك فتظل مشغولا بطلبها وانتظارها. وقد يكون الغائب أشد حضورا من الحاضر؛ لأن اليد تنشغل بما تراه، أما القلب فيظل يفتش عما لا يراه، ويعيد السؤال نفسه كأن تكراره يقرّب الجواب. وأشد ما يستبد بالإنسان ما لم يحدث بعد، حين يحبس نفسه في احتمالاته؛ فالغد الذي لا تملكه واقعا قد يملكك خوفا، ويستنزف حاضرك وأنت تطارد مستقبلا لم يصل. وقد يجلس المرء في بيته آمنا، لكن قلبه يطوف بين أخبار يخشاها، وقرارات ينتظرها، وخسارات يتخيلها، حتى يعيش من الآلام ما لم يفرضه عليه الواقع. فإذا أثقل التفكير صدرك، فلا تسارع إلى اتهام إيمانك؛ فليس كل اضطراب ضعفا في اليقين. قد تكون تحاول أن تسبق الزمن، وتنتزع من الغيب جوابا قبل أوانه؛ فتحمل في يومك هما لم يأت يومه، وتتجرع في خيالك ألما لم يقع. والإنسان لا يملك أن يمنع كل ما يخافه بكثرة التفكير، لكنه قد يضيّع على نفسه سكينة الحاضر، ويضعف عن العمل الذي بين يديه. القلق إقامة في الممكن؛ يوزع عمرك الواحد على مصائر كثيرة، ويجعلك تتألم في كل واحد منها، ثم تعود لتجد أن شيئا لم يقع، وأن حاضرك وحده هو الذي مضى. وكلما حاولت إخضاع المجهول بكثرة التفكير، ازددت خضوعا له؛ لأن انشغالك به لا يمنحك قدرة على تغييره، وقد يحجب عنك ما تستطيع فعله الآن. إن المستقبل موضع تدبير الله، والحاضر موضع تكليف الإنسان. فخذ من يومك حقه: أد واجبك، واستشر من تثق بعقله، واعمل بما تقدر عليه، ثم لا تحمل نفسك مسؤولية ما لم يقع. وإذا ظهرت لك غدا أسباب جديدة، فتعامل معها في وقتها؛ فلكل يوم شأنه، ولكل نازلة ما يناسبها. وليس التوكل أن ينكشف لك الطريق كله، بل أن تمضي فيما بان لك منه، مطمئنا إلى أن خفاء بقيته عنك لا يعني خروجه عن علم الله وحكمته. فالعبد مأمور بالسعي، وليس مكلفا بامتلاك النتائج؛ يبذل السبب، ويحسن الظن بربه، ويعلم أن تدبير الله أوسع من نظره المحدود. ولهذا يرد الذكر القلب من فوضى الاحتمال إلى سكينة العبودية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فالذكر لا يعدك بغد يوافق مرادك، لكنه يصلك برب الغد؛ ولا يكشف لك ما سيقع، لكنه يوقظ فيك اليقين بأن شيئا لا يقع خارج علم الله، وأن رحمته أقرب من مخاوفك. خذ بالأسباب، ثم أخرج قلبك من التعلق بالنتائج. فما كتب لك سيأتيك في وقته، وما صرف عنك فلن تستحضره الحيلة. وحين تسلم إلى الله ما لا تملكه، يفقد المجهول سلطانه عليك؛ لأن النجاة ليست في معرفة الغد، بل في الثقة بربه. فامض مطمئن القلب، ودع الغد لرب الغد؛ فما لا تملكه لن يملكك، ما دمت قد سلمته لمن يملك أمرك وأمره.
159
| 02 أكتوبر 2026
في «رَوْضَةِ الْعُقَلَاءِ» يقول ابن حبان: «وَالَّذِي يَزْدَادُ بِهِ الْعَاقِلُ مِنْ نَمَاءِ عَقْلِهِ: التَّقَرُّبُ مِنْ أَشْكَالِهِ، وَالتَّبَاعُدُ مِنْ أَضْدَادِهِ». فليست المشاكلة أن تجد نسخة منك تردد أقوالك، وتوافقك في كل رأي؛ فمثل هذا التشابه قد يريح العقل، لكنه لا ينميه. وإنما المشاكلة أن تتقارب الأصول وإن اختلفت الفروع، وأن تتآلف القيم وإن تنوعت الطباع، وأن يجتمع قلبان على الصدق والوفاء وحسن الظن، ولو اختلفت طرائق النظر والتعبير. فالمشاكل لك ليس من يرى بعينك، بل من يحفظ لك حقك حين يرى ما لا تراه. ومن أجمل ثمار المشاكلة أن يأمن الإنسان أن يظهر أمام صاحبه على حقيقته، فلا يزن كلماته خوفا من التأويل، ولا يخفي ضعفه خشية الاحتقار، ولا يتكلف هيئة ترضي صاحبه وتخالف فطرته. فبعض الناس يمنحك بمجرد حضوره مساحة تتسع فيها روحك، وبعضهم يضيق عليك حتى وأنت صامت؛ لأن الألفة ليست كثرة اللقاء، وإنما سقوط الكلفة، وطمأنينة القلب إلى القلب. ولذلك لا يكون القرب دليلا على الألفة؛ فقد تجالس إنسانا كل يوم وبينكما مسافة عمر، وتلقى آخر بعد غياب طويل فتسقط المسافات من أول كلمة. فالقرب الحقيقي ليس اقتراب الأجساد، بل انتفاء الوحشة بين الأرواح؛ ورب مجلس جمع الأبدان وفرق القلوب، ورب غياب طال وظل الود فيه حاضرا لا يشيخ. وأشد العلاقات إنهاكا ما يظل الإنسان فيها مطالبا بشرح نفسه: يفسر صمته، ويدافع عن صفائه، ويبرر مبادئه، ويثبت في كل موقف أنه لم يقصد شرا. فإذا طال الشرح، فربما لم يكن الخلل في العبارة، بل في القلب الذي يستقبلها؛ فالوفاء لا تقرؤه نفس لا تعرف إلا المصالح، والصدق يربك من بنى علاقاته على الأقنعة، والنقاء يبدو سذاجة في عين من اعتاد المكر. إن الصاحب الحق لا يمنحنا متعة المجلس فحسب، بل يشارك خفية في تشكيل نفوسنا؛ فنأخذ منه ميزانه في الحكم، وطريقته في رؤية الحياة، ولغته في الرضا والغضب، ثم نصير مع الأيام شيئا منه دون أن نشعر. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». فالصحبة ليست وقتا يمضي، بل أثر يبقى، وقد ترفع الإنسان إلى ما لم يكن يبلغه وحده، أو تستنزله درجة بعد درجة حتى يألف ما كان يستنكره. ولا يعني هذا أن نهجر كل مخالف؛ فهناك من يخالفك فيثري عقلك، ومن يضادك فيستنزف روحك؛ من يناقشك ليبلغ معك الحق، ومن يجادلك ليغلبك؛ من يختلف مع فكرتك ويبقى حافظا لكرامتك، ومن يجعل كل اختلاف ذريعة للطعن في نيتك. والفرق بينهما أن الأول يخرجك من الحوار أوسع فهما، أما الثاني فيتركك أكثر تعبا وأقل سلاما. والعاقل لا يسيء إلى من لم يشاكله، ولا يجعل اختلاف الطباع مبررا للظلم أو القطيعة؛ لكنه يعرف موضع كل إنسان منه، فيحفظ له حقه، ويعامله بالعدل، ولا يمنحه من قلبه منزلة لا يصلح لها. فليست المسافة دائما جفاء، بل قد تكون حكمة تحفظ للنفوس سلامها وللعلاقات احترامها. وإذا أعياك من لم يشاكلك، فلا تستنفد عمرك في تحويله إلى صورتك، ولا تسمح له أن يحولك إلى صورته؛ فالقلوب لا تؤلف بالقهر، والطباع لا تصلح بكثرة العتاب. أعطه حقه من العدل، وخذ حقك من المسافة، وابحث عمن يفهم جوهرك قبل أن يفسر عبارتك؛ فالعمر أقصر من أن ينفق كله في شرح النفس لمن أصر ألا يفهمها.
204
| 25 سبتمبر 2026
حين يفيض الغضب، يضيق الوعي حتى لا يرى الإنسان من الحقيقة إلا جرحه، ولا يسمع من الكلام إلا ما يؤجج ألمه؛ فتختزل الحادثة كلها في لحظة موجعة، ويغدو الرد محاولة عاجلة لاسترداد الكرامة. فإذا قابلناه بغضب مثله، لم يعد الخلاف بين حق وباطل، ولا بين مخطئ ومصيب، بل صار صراعا بين جرحين، يحاول كل منهما أن يتعافى بإيلام الآخر؛ فلا ينتصر أحد، وإنما تتسع دائرة الاحتراق، ويولد من الخطأ الأول أخطاء لا تنتهي. ولهذا لم يجعل الإسلام القوة في القدرة على البطش، ولا في سرعة الرد وإسكات الخصم، بل في القدرة على ضبط النفس حين تثور دوافعها: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". فالقوة الحقيقية ألا تمنح غضب غيرك سلطة تشكيلك؛ لأن من يستفزك حتى تصير نسخة منه قد انتصر عليك، ولو غلبته في الكلام؛ إذ أخرجك من أخلاقك، وأدخلك في فوضاه، وجعلك تحمل في داخلك شيئا من قبح ما أنكرت عليه. وليس الهدوء ضعفا، بل هو المسافة التي يضعها العقل بين الألم والقرار، حتى لا تتكلم اللحظة باسم العمر كله. وهو لا يمحو الخطأ، ولكنه يمنع تكاثره، ولا يلغي الكرامة، بل يحرسها من رد يثأر لها لحظة، ثم يثقلها ندما طويلا. فكلمات الغضب قد تنتهي في ثوان، لكن جراحها قد تبقى أعواما، ورب علاقة هدمتها جملة لم يكن صاحبها يقصد معناها بقدر ما كان يريد أن يفرغ بها ألمه. وقد يكون الهدوء عتابا صريحا يكشف موضع الخطأ، أو حدا حاسما يمنع تكراره، أو انسحابا كريما حين يصبح الحوار بابا لمزيد من الأذى. فالصمت ليس فضيلة دائما، كما أن الرد ليس قوة دائما؛ إنما الفضيلة أن تقول ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، وعلى الوجه الذي ينبغي، لا ما تمليه مرارة الغضب ولا ما يرضي شهوة الانتصار العابر. ومن هنا جاء الأمر الإلهي: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ فالآية لا تدعو إلى الاستسلام للإساءة، ولا إلى التنازل عن الحق، بل إلى مقاومتها من مقام أخلاقي أعلى؛ فتحفظ حقك دون أن تفقد نفسك، وترد الظلم دون أن تسمح له أن يزرع ظلمه في أخلاقك. وليس كل انتصار أن تسقط خصمك؛ فقد يكون الانتصار الأكبر أن يبقى الشر محصورا في صاحبه، وألا يجد فيك أرضا جديدة يمتد إليها. لهذا لا تطفئ النار بالنار؛ لأنك حين تستعير من الإساءة لغتها لا تهزمها، بل تمنحها حياة أخرى فيك، وحين تجيب القسوة بقسوة قد تعاقب المسيء، لكنك تعاقب قلبك معه. أما الحلم فلا يبرئ المعتدي، وإنما ينقذ المعتدى عليه من أن يصبح أسيرا للحظة لم يخترها. وأعمق الانتصارات ألا تحرق من آذاك، بل أن تمنعه من إحراق اتزانك، وتغيير أخلاقك، وتحويلك إلى صورة منه؛ وأن تخرج من المواجهة محتفظا بحقك، وبنقاء قلبك، وبقدرتك على النظر إلى نفسك دون خجل. ففي كل خصومة امتحانان: امتحان الحق الذي تدافع عنه، وامتحان الإنسان الذي ستصير إليه وأنت تدافع عنه. فالحق لا يحتاج إلى أن نتشبه بالباطل كي نثبت أنه حق أبدا.
243
| 18 سبتمبر 2026
لكل كلام مقام يليق به، ولكل حجة عقل تصلح أن تخاطبه؛ إلا الجهل، فإن الرد عليه قد يخرجه من سفه مهمل إلى رأي يناقش، ويرفعه من هامش لا يلتفت إليه إلى مقام لم يكن ليبلغه لولا عناية العقلاء به. عندئذ يكون الصمت عدلا؛ لأنه يأبى أن يضع الحكمة والعبث في منزلة واحدة، أو يمنح الضجيج من الهيبة ما لا تمنحه إياه حقيقته. فالجاهل لا يحاور الفكرة كما هي، بل يحاور الصورة التي صنعها عنها، ولا يدخل معك ليكتشف الحقيقة، وإنما ليثبت نفسه ولو على أنقاضها. إن غلبته الحجة، انتقل من المسألة إلى صاحبها، ومن البرهان إلى التجريح، ومن طلب الصواب إلى طلب الغلبة؛ لأن الحقيقة عنده ليست غاية يهتدي إليها، بل ساحة ينتصر فيها. وأنت حين تجيبه لا تمنحه حجة فحسب، بل تمنحه اعترافا ضمنيا بأن قوله يستحق أن يقف بإزاء قولك، وأن العبث جدير بأن يجلس إلى مائدة العقل. ومن هنا قد يصبح الرد ظلما؛ لأنه يسوي بين عقل يبحث وسفه يخاصم، وبين من يريد أن يعرف ومن لا يريد إلا أن يغلب. وليس الصمت هنا عجزا عن الجواب، بل قدرة على تقدير قيمة الجواب وموضعه؛ فالعاجز يصمت لأنه لا يملك ما يقول، أما الحكيم فيصمت لأنه يملك ما هو أثمن من أن يبدده في خصومة عقيمة. وبين الصمتين بون بعيد: أحدهما فراغ، والآخر امتلاء؛ أحدهما هزيمة، والآخر سيادة على النفس والموقف. إن بعض الباطل لا يعيش بقوته، بل بما يستدرجه من مقاومة؛ يتغذى من الرد، ويكتسب وزنه من انشغال العقلاء به، حتى يظن الناس أن كثرة الحديث عنه دليل على وجاهته. فإذا صمت الحكيم قطع عنه المادة التي تمنحه الوجود؛ فليست كل فكرة تهزم بحجة، بل منها ما يهزم بحرمانها من شرف المناقشة، وتركها تموت في الفراغ الذي ولدت فيه. ولعل هذا من هدي قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. فالسلام هنا ليس كلمة عابرة، بل مقام أخلاقي رفيع: أن تعبر الجهل من غير أن يسكنك، وأن تخرج من الخصومة من غير أن تحمل شيئا من قبحها، وأن تحفظ لعقلك علوه، ولروحك صفاءها، وللسانك براءته من السفه. إن أعظم هزائم الجاهل ألا يجد في عقلك موطنا، ولا في غضبك حياة، ولا في وقتك امتدادا له؛ فالحكمة ليست أن تجد لكل قول ردا، وإنما أن تعرف أي الأقوال يرفعه جوابك، وأيها يرده صمتك إلى العدم الذي جاء منه.
243
| 11 سبتمبر 2026
سألني: ما الفرق بين الغدر والخيانة؟ فقلت: الخيانة نقض للأمانة، والغدر نقض للعهد بعد توكيد الأمان؛ ولذلك كانت الخيانة أوسع معنى، وكان الغدر أغلظ جرما وأقبح أثرا. فالخيانة أن يضيع الإنسان ما استؤمن عليه من سر أو مال أو عرض أو مودة أو مسؤولية، وأن يجعل الأمانة التي حملها جسرا إلى منفعة نفسه، ولو كان في ذلك هلاك حق غيره. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فالخائن لا يفسد الشيء الذي خان فيه وحده، بل يفسد المعنى الأخلاقي الذي كان يحفظ العلاقات ويقيم العمران؛ لأن الحياة لا تستقيم بالقوانين وحدها، وإنما تستقيم بضمائر تؤدي الحقوق حين تغيب العيون. أما الغادر فلا يكتفي بأن يخون أمانة، بل يمنحك عهدا تطمئن إليه، ويهيئ لك شعورا زائفا بالأمان، ثم يجعل من اطمئنانك طريقا إلى إيذائك. فهو لا يهزمك بقوته، بل يهزمك بثقتك فيه، ولا يدخل عليك من باب العداوة، بل من الباب الذي فتحته له المودة. ولذلك كان الغدر خيانة مركبة؛ لأنه يجمع الكذب والخيانة والخداع واستغلال الثقة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ». وكأن العقوبة جاءت من جنس الجريمة؛ فقد ستر الغادر فعلته في الدنيا تحت راية العهد، فيفضحه الله يوم القيامة بلواء الغدر. والخيانة تفسد أمانة بعينها، أما الغدر فيفسد معنى الأمان في قلب من وقع عليه؛ إذ لا يؤلمه ما فقد وحده، بل يؤلمه أن اليد التي صافحته هي التي طعنته، وأن الصوت الذي وعده بالأمان كان يخفي وراءه نية الأذى. ولهذا يبقى جرح الغدر بعد زوال الخسارة؛ لأنه لا يسلب الإنسان حقا فحسب، بل يزعزع ثقته بالناس، وقد يجعله يدفع الأبرياء ثمن ذنب لم يرتكبوه. وقد تصدر الخيانة عن ضعف عابر أمام شهوة أو مال أو خوف، وهذا لا يعذرها، ولكنه يفسرها. أما الغدر ففيه غالبا تدبير وانتظار واختيار للحظة التي يكون فيها الطرف الآخر أشد اطمئنانا وأقل استعدادا للدفاع عن نفسه؛ ولذلك كان أدل على لؤم الطبع وقسوة الضمير. فالعدو يؤذيك من موضع تحذره، أما الغادر فيؤذيك من الموضع الذي ظننته حصنا. فالخيانة سقوط في أداء الأمانة، أما الغدر فسقوط في معنى الإنسان نفسه؛ إذ يتخذ صاحبه من العهد ستارا، ومن الثقة فخا، ومن المودة سلاحا. وكل غادر خائن، وليس كل خائن غادرا؛ لأن الغدر ليس مجرد نقض للحق، بل اغتيال للأمان بعد صناعته، وطعنة لا تأتي من جهة العداوة، وإنما من المكان الذي ظنه القلب مأمنا.
450
| 01 سبتمبر 2026
جاء في «مكارم الأخلاق» لابن أبي الدنيا أن محمد بن المنكدر قال: «كنت أمشي مع الخليل، فانقطع نعلي، فمشيت حافيا، فخلع نعله ومشى، فقلت له: ما تصنع يرحمك الله؟ فقال: أواسيك في الحفاء»! لم يخلع نعله ليزيل عن صاحبه خشونة الطريق، فقد بقيت الحجارة حجارة، وظل الحفاء حفاء؛ وإنما خلعه ليزيل وحشة الألم، ويهدم تلك المسافة الخفية التي تنشأ بين المبتلى ومن ينظر إليه من شاطئ العافية. فالمصيبة لا توجع بما تسلبه منا فحسب، بل بما تكشفه من تفاوت بين أقدامنا العارية وأقدام الآخرين الآمنة، وبين قلب يغالب ألمه وقلوب تمضي من حوله كأن شيئا لم يكن. المواساة في حقيقتها ليست معرفة الوجع، بل الاقتراب منه؛ لأن العقل قد يفهم ما يعانيه الإنسان، ولكن القلب لا يبلغه حتى يتنازل عن شيء من راحته. ولهذا لم يقل الخليل لصاحبه: اصبر، ولم يحدثه عن قصر الطريق ولا عن نعمة القدمين، بل خلع نعله؛ وكأن بعض المعاني أرفع من أن تحملها الكلمات، فلا يصدقها إلا فعل يدفع صاحبه ثمنه. لم يصبح الطريق بعد ذلك ألين، ولكن الحفاء حين اقتسماه فقد بعض قسوته؛ لأن الألم لا يشتد بمقداره وحده، بل بانفراد صاحبه بحمله. وربما عجزنا عن إخراج إنسان من محنته، ولكننا نستطيع أن ندخل إليه فيها، فنحمل معه وحشتها، حتى لا يبقى الألم وطنا مغلقا لا يسكنه سواه. وهنا تبلغ المواساة معناها الأخلاقي العميق: أن يرفض الإنسان امتياز العافية حين يصير حاجزا بينه وبين أخيه. فليس المقصود أن نتكلف كل ألم أصاب غيرنا، وإنما ألا نجعل سلامتنا سببا للغفلة عن جراحهم، وألا تكون النعمة التي تستر أقدامنا غطاء يحجب قلوبنا عن الذين أدمتهم الطريق. تلك هي المودة في أعلى مراتبها: ألا ترى جرح أخيك من موضع النجاة فحسب، بل تنزل إليه بقدر استطاعتك؛ تخفف عنه بالخدمة، أو بالصمت الرحيم، أو بالحضور الصادق، أو بالتنازل عن شيء من وقتك وراحتك. فليس الوفاء أن تمنحه نعلا دائما، فقد تعجز عن ذلك، وإنما أن تشعره بأن حفاءه لم يسقطه من القلوب، وأن الطريق، وإن بقي خشنا، لم يعد موحشا؛ لأن قدما أخرى اختارت أن تتألم إلى جواره.
306
| 23 أغسطس 2026
ثلاثة مشاهد بلغ فيها العجز الإنساني منتهاه: موسى وقومه بين بحر لا يعبرونه وجيش لا يرحمهم، ويونس في بطن الحوت تطويه ظلمات الليل والبحر والجوف، وثلاثة رجال في غار أغلقت الصخرة بابه، فانقطعوا عن الحياة وهم لا يزالون فيها. اختلفت صور الحصار، وكانت النجاة من جهة واحدة: الله. عند البحر نظر بنو إسرائيل إلى الماء أمامهم، وإلى الموت يقترب من خلفهم، فقالوا بمنطق ما يرونه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. أما موسى عليه السلام فلم يكن يعرف طريقا خفيا، لكنه كان يعرف ربا لا يعجزه أن يخلق الطريق، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. فانشق البحر، وصار موضع الهلاك طريقا للنجاة. لم تتغير العصا، وإنما تغير المشهد حين نزل أمر الله؛ فإذا النهاية التي خافوها بداية، وإذا الماء الذي ظنوه حاجزا يحملهم إلى الضفة الأخرى. وفي بطن الحوت انقطعت عن يونس عليه السلام أسباب الأرض جميعا؛ فلا عين تراه، ولا صوت يسمعه، ولا يد تمتد إليه. أحاطت الظلمات بجسده، لكن قلبه وجد النور حين عرف طريقه إلى الله، فنادى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. جمع في ندائه توحيدا يقطع التعلق بغير الله واعترافا يرد العبد من تبرير نفسه إلى صدق العبودية. فخرج الدعاء من أعمق مواضع العجز، وعاد إليه بالنجاة: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾. لم يحتج يونس إلى باب في بطن الحوت؛ فقد كان باب السماء مفتوحا. وفي الغار عجزت أيدي الرجال الثلاثة عن تحريك الصخرة، فعادوا إلى أعمال خبؤوها لله: بر صادق، وعفة غالبت الشهوة، وأمانة حفظت حق الغائب. وكلما قدم أحدهم صدقه بين يدي دعائه تحركت الصخرة، حتى خرجوا يمشون. دخلوا الغار بما في أجسادهم من قوة، وخرجوا بما في أرواحهم من إخلاص. وما علموا يوم عملوا تلك الطاعات أن الله يدخرها لهم مفاتيح لفرج لا تفتحه القوة. بين البحر وبطن الحوت والغار تتجلى حكمة البلاء: قد تغلق الجهات كلها وتبقى جهة الله وحدها، وقد تتعطل الأسباب لتستيقظ العبودية، وقد يتأخر الفرج حتى يسقط وهم القوة، فلا يرى القلب في النجاة إلا فضل الله. ولهذا قال سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾. فالفرار إليه ليس انتقالا بالأقدام، بل تحولا في وجهة القلب: من السبب إلى مسببه، ومن الذنب إلى التوبة، ومن الخوف إلى التوكل، ومن ضيق الصدر إلى السجود، ومن التعلق بالخلق إلى الافتقار للخالق. وكل ما تخافه تفر منه، إلا الله؛ فإنك تفر منه إليه: من غضبه إلى رضاه، ومن عقوبته إلى عفوه، ومن معصيته إلى طاعته، ومن وحشة البعد إلى أنس القرب. فرب بحر لا ينشق حتى تقول بقلبك: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ورب ظلمة لا تنجلي حتى تعترف: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ورب صخرة لا تتحرك حتى تتقدم بين يديك طاعة خبأتها لله. وفي البحر درس اليقين، وفي بطن الحوت سر الافتقار، وفي الغار برهان الإخلاص؛ تختلف المحن، ولكن النجاة لا تخطئ وجهتها أبدا.
162
| 15 أغسطس 2026
قال أبو إسحاق الصابي: «مارست الكتابة ستين سنة، فلم يحضرني في الدعاء أحسن، ولا أوجز، ولا أجمع من قولي: جعل الله أيامك مطاياك إلى آمالك». ليس هذا دعاء بطول العمر، وإنما هو دعاء بأن يتحول العمر إلى رسالة، والزمن إلى قوة دافعة، والأيام إلى طريق يصل بين ما أنت عليه وما ينبغي أن تكونه. فالناس جميعا تعبر بهم الأيام، ولكن قليلا منهم من يعبر بها؛ لأنها لا تصنع مجدا بمجرد مرورها، وإنما تصنعه بما يودعه الإنسان فيها من عزم وعمل. قد يعيش رجلان يوما واحدا، فتغرب شمسه وقد اقترب أحدهما من غايته، وابتعد الآخر عنها؛ الأول جعل يومه لبنة في بناء غده، والآخر جعل غده قبرا يدفن فيه واجبات يومه. مر عليهما الزمن نفسه، ولكن أحدهما امتطاه، والآخر امتطاه الزمن؛ أحدهما قاد ساعاته إلى أمله، والآخر ساقته ساعاته إلى أجله. فالزمن لا يسير بالإنسان إلى الوجهة التي يتمناها، بل إلى الوجهة التي يعمل لها. وليس الفرق بين المجتهد والخامل في عدد الساعات التي منحت لهما، وإنما في مقدار الحياة التي أودعها كل منهما في ساعاته؛ فقد يتسع يوم قصير لعمل عظيم، ويضيق عمر طويل عن أثر صغير. والعمر لا يطول بكثرة أيامه، وإنما بكثرة ما يبقى منها بعد انقضائها. ولذلك جعل الصابي الأيام مطايا؛ لأن المطية وسيلة لا غاية، ولا تبلغ بصاحبها إن ظل ممسكا بزمامها واقفا، مفتونا بصورة الطريق، مكتفيا بوصف الوصول. فالأماني التي لا يوقظها العزم ليست آمالا، بل مخدرات جميلة تسكن ألم العجز، وتوهم صاحبها أنه يسير وهو لم يغادر مكانه. وهنا يفترق الخامل والمجتهد: فالخامل يعد الأيام، والمجتهد يجعل الأيام تعد إنجازاته. ذاك ينتظر أن يتغير الزمان، وهذا يغير نفسه حتى يغير الله له ما حوله. ذاك يعيش على هامش عمره، يرجئ بدايته إلى غد لا يأتي، وهذا يعلم أن الغد لا يولد إلا من رحم اليوم. ذاك يستهلك عمره فيما يفنى، وهذا يستثمره فيما يبقى. غير أن المجتهد لا يقيس سيره بكثرة الحركة وحدها؛ فقد يسرع الإنسان في الطريق الخطأ، فيزداد بكل خطوة بعدا عن غايته. وإنما يبدأ بلوغ الأمل من وضوح الوجهة، ثم صدق العزم، ثم تقسيم الغاية الكبرى إلى أعمال يومية صغيرة، ثم صبر لا تهزمه العثرات. فالنجاح ليس قفزة واحدة، بل وفاء طويل لأعمال قليلة تتكرر حتى تصنع ما كان يبدو مستحيلا. وفي ميزان الإيمان، لا تكون الآمال نبيلة إلا إذا اتصلت بمرضاة الله؛ فقد يبلغ الإنسان ما أراد ثم يكتشف أنه أضاع نفسه في الطريق إليه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. فالقضية ليست أن تمضي الأيام، بل أن تقدم في كل يوم شيئا لغد الدنيا وغد الآخرة. ومن هنا كان العمر رحلة معنى قبل أن يكون رحلة زمن، وكانت الأيام فرص بلوغ لا وحدات حساب. فلا يسأل العاقل: كم عشت؟ بل: ماذا صنعت بما عشت؟ ولا: كم بقي من عمري؟ بل: كم بقي في عمري مما يستحق أن يعيش؟ فطوبى لمن كانت أيامه مطايا إلى علم ينفع، وعمل يرفع، وخلق يبقى، وإيمان يلقى به ربه؛ فإذا انتهت رحلته، لم تكن أيامه قد انقضت منه، بل كان هو قد انقضى بها إلى غايته.
240
| 13 أغسطس 2026
من أعظم أسباب اضطراب القلب أن الإنسان يريد أن يفهم حكمة الله قبل أن تكتمل أقداره! فهو يحكم على المشهد من لقطة واحدة، بينما الله يكتبه من أوله إلى آخره. ولذلك يبكي عند باب أغلق، ولو علم ما وراءه لحمد الله أن أغلقه، ويجزع من بلاء نزل، ولو رأى ثمرته لسأل الله ألا يحرم منها. جاءت سورة يوسف لتعلم المؤمن كيف يقرأ حياته. فهي ليست قصة انتقال من الجب إلى القصر، وإنما قصة يقين يعلمك أن الله لا يكتب في حياة عبده حدثا عبثا، ولا يؤخر عنه خيرا إلا لحكمة، ولا يبتليه إلا ليهيئه لما هو أعظم. فالله لا يصنع المقادير وحدها، بل يصنع بها الرجال. ولذلك لم يكن الجب عقوبة، وإنما كان بداية الطريق. ولم يكن الرق إذلالا، وإنما كان نقلا إلى الأرض التي كتب الله فيها مستقبله. ولم يكن السجن زمنا ضائعا، بل مدرسة ربانية تربى فيها قلب لا تفسده السلطة إذا أقبلت، ولا تكسره المحنة إذا أدبرت. ولو نزعت من حياة يوسف ابتلاء واحدا، لاختلت القصة كلها، ولما بلغ النهاية التي أرادها الله له. فلو بقي في بيت أبيه، لما دخل مصر. ولو لم يدخل مصر، لما عرف بيت العزيز. ولو لم يدخل السجن، لما وصل تأويل الرؤيا إلى الملك. وما بدا للناس سلسلة من الانكسارات، كان في الحقيقة سلما خفيا يصعد به يوسف درجة بعد درجة، حتى انتهى إلى سدة الحكم. وهكذا تجري أقدار الله في حياة المؤمن. فهو لا يرى إلا ما تحت قدميه، أما الله فيرى الطريق كله. ولذلك قد يؤخر عنك ما تحب، لا لأنه منعك، ولكن لأنه يعدك. وقد يفتح لك بابا لم تخطط له، لأنه يعلم أن الخير ليس فيما اخترته لنفسك، بل فيما اختاره لك. ولهذا لا يقاس نجاح الإنسان بسرعة الوصول، وإنما بما أحدثه الطريق في قلبه. فكثير من الناس يصلون إلى ما تمنوا، ولكنهم يصلون إليه بقلوب لم تتهيأ لحمله، فتكون النعمة عليهم فتنة. أما المؤمن، فإن الله يربيه قبل أن يمكن له، ويزكيه قبل أن يعطيه، حتى إذا جاءه العطاء عرف حق المنعم، وإذا جاءه البلاء عرف حق الصبر. ومن هنا كان يوسف محسنا في كل أحواله؛ أحسن وهو عبد، وأحسن وهو سجين، وأحسن وهو عزيز مصر. لأنه لم يربط الإحسان بالظروف، بل ربطه بالله. وهذه هي حقيقة العبودية؛ أن يبقى القلب مستقيما، سواء تبدلت الأحوال أم بقيت. إن أعظم ما تعلمه سورة يوسف أن القدر لا يسير بك إلى ما تريد فحسب، بل إلى ما ينبغي أن تكون عليه. فليس السؤال: متى ينتهي البلاء؟ وإنما: ماذا يريد الله أن يصنع بي من خلال هذا البلاء؟ فإذا أدرك العبد ذلك، تحول الانتظار إلى عبادة، والمحنة إلى تربية، والتأخير إلى يقين. فلا تقرأ حياتك من ظلمة الجب، ولكن اقرأها من نور الحكمة؛ فإن الله إذا أغلق بابا فتح وراءه قدرا، وإذا أبطأ بالعطاء أسرع بالتربية، وإذا ساقك في طريق لم تختره، فثق أنه الطريق الذي اختاره لك من يعلم السر وأخفى، وهو سبحانه لا يختار لعبده المؤمن إلا ما يقربه إليه، ويصلح دينه، ويورثه حسن العاقبة.
744
| 02 أغسطس 2026
قرأت مقالين عن العزلة، كلاهما أحسن النظر إلى وجه من الحقيقة؛ أحدهما يدعو إليها انطلاقا من حرص نبيل على سلامة النفس، وصيانة القلب مما يفسده أو يستنزفه، حتى يوشك - إذا استقل بهذا المعنى - أن تنقلب العناية بالنفس إلى شيء من الأنانية، فيغدو الإنسان وقد جعل نفسه ميزانا للأشخاص والمواقف، فما وافق طبعه قبله، وما كدّر خاطره رفضه، ولو كان فيه من الخير ما فيه. والآخر يدعو إلى مخالطة الناس، واعتزال العزلة، تعظيما لمقاصد الشريعة في الصلة، والتراحم، والصبر، والإصلاح، وما تنبت به من أخلاق الإيمان، حتى يوشك - إذا استغرق هذا المعنى - أن يحمل النفس فوق ما جبلت عليه، فيغفل عن حاجتها الفطرية إلى خلوة تسترد فيها قوتها، وتجدد بها إخلاصها، وتراجع بها سيرها إلى الله. وتأملت، فإذا الحق لا يقف مع أحدهما دون الآخر، وإنما يجمع فضيلتيهما؛ لأن الشريعة لا تنظر إلى صور الأعمال مجردة، وإنما إلى مقاصدها وآثارها، ولا تبني أحكامها على طرف من الحقيقة، وإنما على الحقيقة كلها. فهي دين الفطرة التي لا تكسر النفس، ودين العبودية التي لا تطلق لها العنان. فليست العزلة فضيلة في ذاتها، كما أن مخالطة الناس ليست فضيلة في ذاتها؛ وإنما الفضيلة أن يوضع كل منهما في الموضع الذي أراده الله له. فالأعمال لا تشرف بأسمائها، وإنما تشرف بما تقود إليه من طاعة، وما تثمره في القلب من إخلاص، وفي السلوك من استقامة. وكم من خلوة أحيت قلبا كان قد أثقلته الضوضاء، حتى عاد إلى الناس أصفى نفسا، وألين جانبا، وأوسع رحمة، وأصدق نصحا. وكم من خلوة أخرى أورثت صاحبها ضيقا، فاستوحش من الخلق، وأعجب بنفسه، وظن أن البعد عن الناس دليل صفاء، وهو في الحقيقة يفر من ميادين تزكية النفس التي لا تتم إلا بالاحتكاك والصبر. وكم من مخالطة زكت النفس بالصبر على الأذى، والإحسان إلى المسيء، وقضاء الحوائج، وإدخال السرور، والأمر بالمعروف، والدعوة إلى الله، حتى ارتقى صاحبها في مدارج العبودية. وكم من مخالطة أخرى استنزفت القلب، وأطفأت نور العبادة، وفرقت الهمة، حتى صار الإنسان يعيش بين الناس بجسده، وقلبه غائب عن ربه، مشتتا بين مطالبهم وأحاديثهم. ومن هنا كان الميزان ليس كثرة الخلوة ولا كثرة المخالطة، وإنما أثر كل واحدة منهما في صلة العبد بربه. فكل خلوة تقطعك عن واجب، أو تورثك كبرا، أو تجعلك تزهد في نفع الناس، فهي نقص وإن لبست لباس الزهد. وكل مخالطة تميت قلبك، أو تجرّك إلى الغفلة، أو تضعف همتك في الطاعة، فهي خسارة وإن لبست لباس الدعوة والإصلاح. ولهذا لم يجعل الإسلام الخلوة أصلا دائما، ولا المخالطة واجبا مطلقا؛ بل جعل لكل مقام ما يصلحه. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلو بربه قبل البعثة في غار حراء، ثم لما حمل الرسالة عاش بين الناس، يبلغ، ويعلم، ويجاهد، ويصبر على أذاهم، ويقضي حوائجهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويخالطهم بقلب معلق بربه. فكانت خلوته زادا، وكانت مخالطته عبادة، ولم تطغ إحداهما على الأخرى. ولذلك كان السلف يعرفون متى يخالطون، ومتى يعتزلون. فإذا وجدوا في مخالطة الناس بابا إلى طاعة الله لزموها، وإذا رأوا أن القلوب قد كلّت، أو أن الفتن قد أقبلت، أو أن النفس تحتاج إلى مراجعة وإصلاح، آثروا خلوة تعيد ترتيب الداخل، لا هروبا من الناس، بل استعدادا للعودة إليهم على حال أصلح. فالعبد لا يسأل: أين أجد راحتي؟ وإنما يسأل: أين تكون عبوديتي أكمل؟ فإن كانت في خلوة صلحت بها نفسه، وامتلأ قلبه بذكر الله، فهي عبادة. وإن كانت في مخالطة يقوم فيها بحق الله وحق عباده، ويحتسب ما يلقاه من المشقة، فهي عبادة. فالراحة ليست هي الغاية، وإنما الغاية أن يستعملك الله فيما يحب، سواء وافق ذلك هواك أو خالفه. وهكذا لا تكون العزلة ولا اعتزال العزلة غاية في نفسها، وإنما الغاية أن يبقى القلب مع الله في كل حال؛ فإذا خلا لم يأنس إلا به، وإذا خالط لم ينسه، وإذا ابتعد كان ابتعاده لله، وإذا اقترب كان اقترابه لله. فليست القضية أين يكون الجسد، وإنما أين يقيم القلب؛ فإن استقام القلب مع الله، استقامت الخلوة والمخالطة جميعا، وصارتا طريقين يتعاقبان على غاية واحدة: كمال العبودية لله.
327
| 26 يوليو 2026
ظهر مشروع “أسلمة العلوم” في سياق تاريخي كانت فيه الهيمنة للمنظومة المعرفية الغربية، فسعى أصحابه إلى تخليص العلوم الإنسانية والاجتماعية من فلسفاتها المادية والعلمانية، وربطها بقيم الإسلام ومبادئه. ولا شك أن هذا المقصد في أصله مقصد إصلاحي نبيل، وقد أسهم في لفت الأنظار إلى أن العلوم ليست محايدة تمامًا، بل تحمل في داخلها تصورات عن الإنسان والكون والحياة، وأن هذه التصورات تؤثر في نتائجها وتطبيقاتها. غير أن الإشكال المنهجي ظهر حين بقيت كثير من محاولات الأسلمة تتحرك داخل الإطار المعرفي الذي أنشأ تلك العلوم ابتداءً؛ فكانت تنطلق من نظريات صيغت خارج التصور الإسلامي، ثم تحاول بعد اكتمال بنائها أن تضفي عليها الشرعية بإيراد آية أو حديث، أو بإضافة قيمة أخلاقية توافق الإسلام. وهنا انتقل القرآن من موقع القيادة إلى موقع التأييد، ومن كونه الأصل الذي تُبنى عليه المعرفة إلى شاهد يُستدعى بعد اكتمال بنائها. وهذا هو موطن المفارقة؛ إذ إن الوحي لم ينزل ليمنح الشرعية لمعارف تشكلت خارجه، وإنما نزل ليكون هو الميزان الذي تُوزن به المعارف كلها. فالقرآن لا يقف في نهاية الطريق ليبارك ما انتهى إليه العقل، بل يقف في بدايته ليهدي العقل إلى الطريق الصحيح، ويحدد له منطلقاته وحدوده وغاياته. ولهذا لم يقدّم القرآن نفسه مرجعًا من جملة المراجع، وإنما المرجع الأعلى الذي ترجع إليه سائر المراجع. فهو لا يمنح الإنسان معلومات متفرقة بقدر ما يمنحه الرؤية التي تنتظم جميع المعلومات، فيعرّفه بخالقه، وبحقيقة الإنسان، وبوظيفته في الأرض، وبسنن الكون، وبغاية الوجود، ثم يوجه العقل إلى المنهج الصحيح في النظر والاستدلال. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. وليس معنى “تبيان كل شيء” أن القرآن موسوعة تفصيلية في الفيزياء والطب والرياضيات، وإنما أنه تبيان للأصول الكلية، والقيم الحاكمة، والمقاصد الكبرى، والمناهج التي ينبغي أن تنتظم تحتها جميع العلوم. ومن هنا يظهر الفرق الحقيقي بين المشروعين. فمشروع أسلمة العلوم يبدأ من العلوم القائمة، ثم يحاول تقريبها من القرآن. أما مركزية القرآن فتبدأ من القرآن نفسه، ثم تعيد النظر في الإنسان، وفي المعرفة، وفي المنهج، وفي الغاية، ثم تُنشئ العلوم على هذا الأساس. فالأول يسأل: كيف نجعل هذه العلوم إسلامية؟ أما الثاني فيسأل سؤالًا أعمق: كيف يريد القرآن أن نبني العلم أصلًا؟ إن الفرق بينهما ليس فرقًا في مقدار التدين، وإنما في المنهج المعرفي. فأسلمة العلوم كثيرًا ما تنشغل بتعديل النتائج، أما مركزية القرآن فتنشغل بإعادة بناء المقدمات التي تولد تلك النتائج. ولهذا فإنها لا تكتفي بإصلاح الثمرة، بل تعود إلى الجذر الذي أنتجها. ولو أخذنا علم النفس مثالًا، فإن القضية ليست أن نضيف آيات عن النفس في مقدمة كتاب غربي، بل أن نعيد تعريف النفس ابتداءً كما عرفها القرآن؛ نفسًا مخلوقة، مكرمة، مكلفة، قابلة للتزكية والانحراف، مرتبطة بخالقها، لا مجرد كيان بيولوجي أو مجموعة دوافع مادية. وكذلك التاريخ لا يُقرأ بوصفه سلسلة من الوقائع السياسية والاقتصادية فحسب، بل باعتباره ميدانًا لسنن الله في قيام الأمم وسقوطها، وتحقيق وعده ووعيده. والاقتصاد لا يقوم على تعظيم المنفعة المجردة، وإنما على الاستخلاف والعدل والتزكية. والسياسة ليست إدارة للصراع على القوة، بل إقامة للحق والعدل وحفظ الدين والإنسان. إن القرآن لا يضيف بعدًا أخلاقيًا إلى العلوم فقط، بل يعيد تعريف موضوعاتها، ويصحح مفاهيمها، ويحدد غاياتها، ويرسم حدودها. فهو لا يغير إجابات الأسئلة فحسب، بل يعيد صياغة الأسئلة نفسها؛ لأن السؤال الذي ينطلق من رؤية قرآنية ليس هو السؤال الذي تنشئه الفلسفات المادية أو الوضعية. ولهذا فإن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى الانتقال من مجرد “أسلمة العلوم” إلى “مركزية القرآن”. فالقضية ليست أن نبحث عن شاهد قرآني لكل نظرية، وإنما أن نجعل القرآن هو المنطلق الذي تتشكل في ضوئه النظريات، والمعيار الذي تُختبر به المناهج، والغاية التي تتجه إليها المعرفة. إن الفرق بين المشروعين هو الفرق بين من يجعل القرآن خاتمة البحث، ومن يجعله بدايته؛ وبين من يجعل الوحي شاهدًا على المعرفة، ومن يجعله منشئًا لها؛ وبين من يسعى إلى تكييف العلوم مع الإسلام، ومن يعيد بناء المعرفة كلها على هداية القرآن. وحين تستعيد الأمة هذه المركزية، لن يصبح القرآن مجرد كتاب يُستشهد به في هوامش الدراسات، بل سيعود كما أراده الله: قائدًا للعقل، وموجهًا للعلم، وميزانًا للحقيقة، ومصدرًا للرؤية التي تنتظم تحتها جميع المعارف، حتى تصبح العلوم خادمة للحق، شاهدة عليه، لا حاكمة عليه.
282
| 20 يوليو 2026
يروى أن أبا جعفر المنصور قال: بلغني أن أسدًا لقي خنزيرًا، فقال له الخنزير: قاتلني. فقال الأسد: إنما أنت خنزير، ولست بكفء لي ولا نظير؛ فإن قتلتك قال الناس: قتل الأسد خنزيرًا، وإن نالني منك شيء كانت مسبة علي. فقال الخنزير: سأشيع بين السباع أنك جبنت عن لقائي. فقال الأسد: «احتمالي كذبك أيسر علي من تلطخ شاربي بدمك». وليست الحكمة في هذه القصة أن الأسد كان أقوى من خصمه، وإنما أنه كان أفقه بقيمة نفسه، وأبصر بطبيعة المعارك. فقد أدرك أن القتال ليس هو الميدان الوحيد للهزيمة، وأن أخطر الهزائم قد تقع قبل أن تبدأ المعركة؛ حين يقبل الإنسان أن يقف في ساحة لا تليق بمقامه، وأن يمنح خصمه شرفًا لم يكن يملكه بمجرد قبوله مواجهته. فليس كل صراع يراد به الوصول إلى الحق، ولا كل خصومة غايتها الانتصار لفكرة. بل إن كثيرًا من المعارك لا يقصد أصحابها الغلبة، وإنما يقصدون إسقاط الفوارق بين الناس. فالعاجز قد يعلم أنه لن يغلب العالم، والسفيه قد يوقن أنه لن يقهر الحكيم، ولكنه يستطيع أن يحقق غاية أخرى؛ وهي أن يجعله يقف معه في مستوى واحد، فيصبح مجرد اجتماع الاسمين في معركة واحدة انتصارًا له، ولو انتهت الجولة كلها بخسارته. ولهذا كان العقلاء يزنون الخصومات قبل أن يزنوا حججها؛ لأن السؤال الأول ليس: هل أستطيع أن أنتصر؟ وإنما: هل يليق بي أن أدخل هذه المعركة أصلًا؟ فكم من إنسان خرج من مناظرة غالبًا، ولكنه خرج من مقامه مغلوبًا، وربح القضية وخسر الهيبة، وأثبت قوة منطقه، لكنه أضعف مكانة نفسه. ولهذا كانت المحافظة على المقام نوعًا من الحكمة لا يقل شأنًا عن المحافظة على الحق. فإن الناس لا ينظرون دائمًا إلى نتيجة الخصومة، وإنما ينظرون كذلك إلى أطرافها؛ فمن رضي أن ينازل كل أحد، فقد سوّى بين نفسه وبين كل أحد، وإن غلبهم جميعًا. وليس كل انتصار زيادة في القدر، فقد يكون ثمنه أن يفقد الإنسان ما كان يتميز به من وقار، أو هيبة، أو رفعة. ومن هنا جاء أدب القرآن مختلفًا عن منطق المغالبات؛ فلم يجعل الفضيلة في كثرة الردود، ولا في سرعة الانتصار للنفس، وإنما في ضبطها وحفظها من أن تنزل إلى حيث يريد السفهاء. قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. فلم يكن السلام هنا عجزًا عن الجواب، بل سموًا عن الدخول في معركة لا تليق بأهل الفضل. ولذلك لم يأمرهم القرآن أن ينتصروا على الجاهلين، وإنما أمرهم أن ينتصروا لأنفسهم من الجاهلين. ومن تأمل سير الأنبياء والعلماء وجد أنهم لم يكونوا يجيبون كل معترض، ولا يناقشون كل مستفز، ولا يقفون عند كل ناعق. لأنهم كانوا يعلمون أن الوقت والعلم والهيبة أعمار لا يجوز أن تهدر في معارك لا تثمر حقًا، ولا تهدي ضالًا، وإنما تمنح الباطل مساحة لم يكن ليحصل عليها لولا أن أهل الحق التفتوا إليه. ولهذا فإن من فقه الإنسان بنفسه أن يفرق بين معركة الحق، ومعركة الكرامة، ومعركة العبث. فالأولى قد تجب، والثانية قد تحسن، أما الثالثة فلا يربحها أحد؛ لأن مجرد الدخول فيها خسارة. وقد قيل: إن أعظم الانتصارات ليست تلك التي يسقط فيها الخصم، وإنما التي يبقى فيها الإنسان واقفًا في مقامه الذي أراده الله له. إن الإنسان قد ينتصر بالحجة، ويهزم بالقيمة؛ ويعلو في الجواب، ويسقط في الخطاب؛ ويربح القضية، ويخسر القامة. وما أقسى نصرًا يخرج صاحبه من مقامه، ليقيمه في الموضع الذي اختاره له خصمه! وتلك هي الهزيمة التي لا يشعر بها كثير من المنتصرين؛ هزيمة الانتصار. وقد أحسن الشاعر إذ قال: إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت فإن كلمته فرجت عنه وإن خليته كمداً يموت
501
| 11 يوليو 2026
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...
4347
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام...
3174
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...
1212
| 28 سبتمبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم...
1110
| 01 أكتوبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...
1107
| 27 سبتمبر 2026
بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...
1098
| 29 سبتمبر 2026
كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة،...
945
| 30 سبتمبر 2026
جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...
735
| 29 سبتمبر 2026
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...
723
| 27 سبتمبر 2026
لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال،...
546
| 27 سبتمبر 2026
ما يجري اليوم في مضيقي هرمز وباب المندب...
504
| 29 سبتمبر 2026
في قلب النهضة الشاملة التي تعيشها قطر، يبرز...
501
| 28 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية