رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأمانة ليست خُلُقًا عابرًا يذكر في الكتب، بل ميزان دقيق تُوزن به قيمة الإنسان عند الله قبل الناس. قد تتغير الأزمنة وتختلف الظروف، لكن الأمانة تبقى ثابتة لا تتبدّل؛ لأنها مرتبطة بجوهر الإيمان، لا بمتطلبات الواقع. ولهذا جاء الأمر الإلهي واضحًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. أمرٌ عام يشمل المال والكلمة والعمل والمسؤولية والثقة وكل ما يُؤتمن عليه الإنسان. وفي زمن المصالح تصبح الأمانة أكثر صعوبة، لأن المغريات أكثر، والفرص متاحة، والرقابة البشرية قد تغيب. قد يبرّر الإنسان لنفسه التقصير بحجج كثيرة: الجميع يفعل ذلك، الظروف تفرض هذا، لا أحد سيلاحظ. لكن الحقيقة التي لا تتغيّر أن الرقابة الأولى ليست رقابة الناس، بل رقابة الله، وأن الأمانة تُختبر حين تغيب العيون لا حين تحضر. الأمانة في العمل ليست إنجاز المهمة فقط، بل إتقانها. ليست الحضور الجسدي، بل الحضور الضميري. هي أن تعمل كما لو كان عملك يُعرض على الله كل يوم، لأنك تعلم أنه كذلك. والأمانة في الكلمة أن تصدق حين تتكلم، وأن تحفظ السر حين يأتمنك أحد، وأن لا تنقل كلامًا يفسد القلوب. كم من علاقات انهارت بسبب كلمة لم تكن أمينة، وكم من ثقة ضاعت بسبب موقف استُهين به. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ». ربطٌ مباشر بين الأمانة والإيمان، لأن الأمانة ليست مهارة اجتماعية، بل خُلُق إيماني عميق. فإذا ضعفت الأمانة ضعفت الثقة، وإذا ضعفت الثقة تآكلت العلاقات، وإذا تآكلت العلاقات اختل المجتمع كله. والأمانة تبدأ من التفاصيل الصغيرة قبل المواقف الكبيرة. تبدأ من الالتزام بالوقت، والصدق في الوعد، والعدل في الحكم، والإخلاص في العمل. هذه التفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تبني سمعة الإنسان وكرامته ببطء وثبات. والإنسان قد يخسر كثيرًا إذا ضاعت أمانته، لأنه قد يعوّض المال ولا يعوّض الثقة. وفي زمن المصالح تصبح الأمانة عبادة مضاعفة، لأن من يحافظ عليها يختار الطريق الأصعب. قد يخسر فرصة سريعة، أو مكسبًا قريبًا، لكنه يربح راحة الضمير وبركة الطريق. وما ضاع شيء عند الله، وما رُفع شيء بالباطل إلا سقط يومًا بثقله. والأمانة لا تحمي المجتمع فقط، بل تحمي صاحبها. فهي تمنحه احترام الناس، وثقة القلوب، وطمأنينة النفس. الإنسان الأمين يعيش مرتاحًا لأنه لا يحمل همّ كشف الأسرار ولا خوف افتضاح التقصير. نسأل الله أن يرزقنا أمانة في القول والعمل، وأن يجعلنا ممن يحفظون الحقوق ويؤدّون الواجبات، وأن يطهّر قلوبنا من الخيانة ولو في أصغر الأمور، وأن يجعل الأمانة خُلُقًا ثابتًا في حياتنا.
81
| 27 فبراير 2026
الغضب ليس خطأً في ذاته، فهو شعور بشري وُضع في النفس لحكمة، لكنه يتحوّل إلى خطر حين يتجاوز حدّه ويقود صاحبه بدل أن يقوده صاحبه. لحظة الغضب هي اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة، ويظهر فيها المعدن الحقيقي للإنسان؛ لأن الأخلاق الهادئة سهلة، أما الأخلاق في لحظات الانفعال فهي الامتحان الصادق. وقد وجَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى جوهر القضية بكلمة موجزة حين قال: «لَا تَغْضَبْ». لم يكن المقصود إلغاء الشعور، بل إلغاء الاستسلام له. فالإنسان قد يغضب، لكنه لا يحق له أن يترك الغضب يقوده إلى كلمة جارحة أو قرار متسرع أو موقف يندم عليه طويلًا. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». فالقوة الحقيقية ليست في الانتصار على الآخرين، بل في الانتصار على النفس. الغضب لحظة قصيرة، لكن آثارها قد تمتد سنوات. كلمة تُقال في انفعال قد تهدم علاقة بُنيت في أعوام، وقرار يُتخذ في لحظة توتر قد يغيّر مسار حياة كاملة. كم من خصومة بدأت بجملة، وكم من قطيعة بدأت بنظرة غاضبة، وكم من ندم بدأ بلحظة لم يُضبط فيها اللسان. إن أكثر ما يندم عليه الناس ليس ما فعلوه بعد تفكير، بل ما قالوه في لحظة غضب. والغضب يختبر عمق الإيمان قبل أن يختبر قوة الشخصية. قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. فربط كظم الغيظ بالعفو، وكأن الرسالة أن الغضب ليس نهاية الطريق، بل بدايته؛ لأن الذي يملك نفسه عند الغضب يملك أن يعفو، ومن يملك العفو يملك قلبه وحياته. والغضب لا يضر الآخرين فقط، بل يرهق صاحبه قبلهم. يسرق راحته، ويشوّش فكره، ويجعله يعيش في توتر دائم. الإنسان الغاضب يعيش مرهقًا حتى لو لم يتكلم، لأن الغضب نار داخلية قبل أن يكون سلوكًا خارجيًا. لذلك كان ضبط الغضب رحمة للنفس قبل أن يكون إحسانًا للناس. والعجيب أن أكثر ما يُطفئ الغضب هو التمهّل: لحظة صمت، خطوة ابتعاد، تغيير مكان، أو وضوء، كل ذلك كفيل بأن يبدّل رد الفعل. فالغضب يشبه موجة عالية، إن صبرت لحظات انكسرت وحدها. وما نندم عليه غالبًا هو الاستجابة الفورية لا الصمت المؤقت. نسأل الله أن يرزقنا حلمًا يسبق غضبنا، وحكمة تضبط كلماتنا، وقلوبًا تعرف كيف تعفو حين تستطيع، وأن يجعلنا ممن يملكون أنفسهم في لحظات الانفعال، ويخرجون من المواقف سالمين من الندم.
204
| 25 فبراير 2026
الكلمة في ميزان الإسلام ليست صوتًا يذوب في الهواء، بل أثر يثبت في الأرض والسماء معًا. إنها موقف أخلاقي كامل، وعبادة خفية، ومرآة صادقة لما يسكن القلب. ولهذا جاء التوجيه الإلهي واضحًا جامعًا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾؛ وكأن هذا الأمر يرسم منهجًا للحياة كلّها، لا لحظة عابرة من الكلام. فالإنسان قد يُعرَف بعلمه أو ماله أو مكانته، لكن أثره الحقيقي يُعرَف بكلماته؛ لأن الكلمة تكشف الداخل، وتفضح ما يختبئ خلف المظاهر. إن الكلمة الطيبة عبادة يومية لا تحتاج مالًا ولا جهدًا، لكنها تحتاج قلبًا حيًّا يعرف وزن الحروف قبل أن يطلقها. كلمة تشجيع تُبعث في قلب متعب فتُعيد إليه ثقته، ومواساة تُقال في لحظة ألم فتخفف عبئًا ثقيلًا، ونصيحة تُقدَّم برفق فتفتح بابًا مغلقًا. هذه الكلمات تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها في ميزان الله عظيمة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكلمة الطيبة صدقة». صدقة لا تُرى بالعين، لكنها تُكتب في صحائف الأعمال، وتبقى آثارها في القلوب سنوات طويلة. لكن الوجه الآخر للكلمة أشد خطرًا. فكما أن الكلمة الطيبة عبادة، فإن الكلمة السيئة قد تكون معصية جارحة تتجاوز لحظة النطق لتعيش في ذاكرة القلوب زمنًا طويلًا. كم من كلمة قاسية هدمت علاقة، وكم من عبارة جارحة أطفأت محبة، وكم من جملة قيلت في غضب تركت أثرًا لا يُمحى. الجراح التي تصنعها الأفعال قد تُنسى، أما الجراح التي تصنعها الكلمات فغالبًا ما تبقى حيّة في الذاكرة، يتردد صداها كلما مرّ الزمن. والكلمة السيئة لا تفسد الدنيا فقط، بل تلاحق صاحبها إلى الآخرة. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ». كلمة واحدة لم تُوزن، لم تُراجع، لم يُفكَّر في أثرها، قد تكون سببًا في خسارة عظيمة. إن اللسان أخفُّ الجوارح حركة، لكنه أثقلها أثرًا في الميزان. وفي رمضان يتعلم اللسان الصمت كما يتعلم القلب الصبر. فالصائم لا يُطلب منه أن يترك الطعام والشراب فقط، بل أن يترك الأذى واللغو وسوء القول. كأن الصيام تدريب عملي على أن يعيش الإنسان مراقبًا كلماته كما يراقب عباداته، وأن يدرك أن الصمت أحيانًا عبادة، وأن الكلمة إن لم تكن خيرًا فتركها خير. نسأل الله أن يطهّر ألسنتنا من الأذى، وأن يجعل كلماتنا رحمةً للناس، وأن يرزقنا قول الخير والصمت عمّا سواه، وأن يجعل ما نقوله نورًا لنا يوم نلقاه، ولا يجعله حجة علينا.
489
| 24 فبراير 2026
من أعظم ما يعين العبد على الانتفاع برمضان، والارتقاء فيه إيمانا وسلوكا، محاسبة النفس، ولكن المحاسبة التي تصلح ولا تحطم، وتقوّم ولا تقسّي، وتبعث الأمل ولا تولد اليأس. فليست محاسبة النفس جلدا للذات، ولا قسوة على القلب، ولا احتقارا للنفس، وإنما هي وقفة صدق ورحمة، يراجع فيها العبد طريقه ليحسن المسير. وقد كان السلف الصالح يرون محاسبة النفس أصلا عظيما من أصول الاستقامة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزن عليكم، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا. فالمحاسبة عندهم لم تكن باب قنوط، بل طريق نجاة. ورمضان هو الزمن الأنسب لهذه المحاسبة؛ لأن النفس فيه أرق، والشهوات أضعف، والقلوب أقرب. فمن لم يراجع نفسه في رمضان، فمتى يراجعها؟ ومن لم يقف مع تقصيره في هذا الموسم، ففي أي وقت يفعل؟ لكن الخلل يقع حين تتحول المحاسبة إلى قسوة؛ فيغالي الإنسان في لوم نفسه، ويضخم ذنوبه، ويغفل عن رحمة الله، فيقوده ذلك إلى الإحباط، وربما إلى ترك العمل. وهذا مسلك خطير، لم يكن من هدي السلف، ولا من منهج النبوة. وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: المؤمن قوّام على نفسه، يحاسبها لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا. ولم يكن يقصد بذلك جلد النفس، بل تهذيبها وتقويمها. ومحاسبة النفس دون قسوة تعني أن يسأل العبد نفسه أسئلة صادقة: هل صلاتي في رمضان أقرب إلى الخشوع؟ هل قلت ذنوبي أم ما زلت أصر عليها؟ هل تغير لساني؟ هل لان قلبي؟ هل زادت رحمتي بالناس؟ فإن وجد خيرا حمد الله وسأله الثبات، وإن وجد تقصيرا استغفر وتاب وسأل العون، دون أن يحتقر نفسه أو ييأس من الإصلاح. وكان بعض السلف يقول: لا تكرهوا أنفسكم على العبادة كرها، فتملوا، ولكن خذوها بالرفق؛ فإن هذا الدين متين. فالرفق بالنفس جزء من الحكمة، والقسوة عليها قد تؤدي إلى الانقطاع. ورمضان يعلمنا هذا التوازن؛ صيام مع رحمة، وقيام مع سكينة، ومحاسبة مع أمل. فمن حاسب نفسه برفق، دلّه ذلك على مواضع الخلل، وساعده على الإصلاح. أما من قسا على نفسه، فقد يغلق عليها باب الرجاء. وفي ختام هذا الحديث، نتذكر أن محاسبة النفس عبادة قلبية، لا تثمر إلا إذا اقترنت بالرحمة، وحسن الظن بالله، واليقين بأن الله يريد بنا الخير، لا العنت. فحاسب نفسك لتصلحها، لا لتكسرها، وعاتبها لتقودها إلى الله، لا لتبعدها عنه.
228
| 23 فبراير 2026
إن من أخطر ما يهدد روح العبادة، خاصة في شهر رمضان، أن تتحول الطاعة من عبادة واعية إلى عادة مكررة، تؤدى بالجسد، ويغيب عنها القلب. فيصوم الإنسان لأنه اعتاد الصيام، ويقوم لأن الناس يقومون، ويقرأ القرآن لأن العادة جرت بذلك، لا لأن القلب متعلق بالله، ولا لأن الروح تطلب القرب منه. والفرق بين العبادة والعادة فرق عظيم؛ فالعبادة عمل ينبع من القلب، تحركه النية، ويقوده التعظيم، وتثمره الخشية. أما العادة فهي فعل مكرر، قد يخلو من المعنى، ويؤدى بلا حضور، وربما بلا أثر. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الخطر حين قال: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) فليس كل من صام فاز، ولا كل من قام ربح، وإنما الفوز لمن صام بقلبه قبل جسده، وقام بروحه قبل بدنه. وكان السلف الصالح شديدي الخوف من أن تدخل العبادة عليهم من باب العادة. قال بعضهم: ما أخاف على نفسي من الذنب، ولكن أخاف أن يؤدى العمل بلا قلب. وكانوا يرون أن العمل إذا طال بلا حضور قلب صار ثقيلا، وفقد أثره، وإن كثر. رمضان بطبيعته قد يجر الإنسان إلى العادة دون أن يشعر؛ فالصيام يتكرر كل يوم، والقيام كل ليلة، والبرنامج واحد، والنفس تميل إلى الألفة، فإذا لم يجدد القصد، ولم يستحضر المعنى، تحولت العبادة إلى حركات رتيبة، لا تغير القلب، ولا تزكي النفس. ولهذا كان بعض السلف يقول: تفقد قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة؛ فإن لم تجده في هذه المواطن، فاسأل الله قلبا، فإنه لا قلب لك. فالعبادة الحقيقية تترك أثرا: خشوعا، وانكسارا، ومحبة لله، ونفورا من المعصية. أما العادة فلا تغير صاحبها، وقد يمضي عليها السنين وهو كما هو. ومن أعظم ما يميز العبادة عن العادة المراقبة؛ أن تستشعر أنك واقف بين يدي الله، وأنه مطلع على قلبك قبل عملك. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾. وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصيام، ولكن العبادة التفكر في أمر الله، والعمل بطاعته. فليست القضية في الكم، وإنما في الصدق والحياة القلبية. وفي رمضان، يحتاج المسلم أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، ويسأل: هل صيامي عبادة أم عادة؟ هل صلاتي وقوف بين يدي الله أم مجرد قيام؟ هل قراءتي للقرآن مناجاة أم عد صفحات؟ وإذا وجد من نفسه فتورا أو غفلة، فليعلم أن الخلل ليس في العبادة، ولكن في القلب، وأن العلاج ليس بترك العمل، بل بتجديد النية، واستحضار المعنى، والدعاء بالقبول.
198
| 22 فبراير 2026
إن من أعظم الحقائق التي ينبغي أن تغرس في النفوس، خاصة في شهر رمضان، أن القلب هو محل نظر الله من العبد، وأن صلاح الأعمال أو فسادها إنما ينبع من صلاح هذا القلب أو فساده. فليس الميزان عند الله كثرة الحركات، ولا وفرة الظواهر، وإنما الميزان ما استقر في القلب من صدق وإخلاص وخشية. وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل العظيم حين قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) فالقلب هو موضع النظر، وهو مبدأ السلوك، وهو قائد الجوارح، إن صلح صلحت، وإن فسد فسدت. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، ورمضان في حقيقته موسم لإصلاح القلوب قبل الجوارح، وميدان لتزكية الباطن قبل تزيين الظاهر. فكم من صائم أمسك عن الطعام والشراب، وقلبه مشغول بالحقد، أو متعلق بالدنيا، أو غافل عن الله!، وكم من قائم وقف بين يدي الله، ولسانه يقرأ، وقلبه ساه لاه!. وكان السلف الصالح يفهمون هذا المعنى فهما عميقا، فكان اهتمامهم بقلوبهم أعظم من اهتمامهم بجوارحهم. قال بعضهم: القلب ملك، والجوارح جنود، فإذا صلح الملك صلحت الجنود. وقال آخر: ما نظر إلى شيء من العبد أفضل من قلبه. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم. وهذه المحاسبة إنما تكون في القلوب أولا؛ لأن القلب هو موضع النيات، ومنبع الخواطر، ومصدر الإرادات. ورمضان فرصة عظيمة لتفقد القلب هل فيه تعظيم لله؟ هل فيه صدق في التوبة؟ هل فيه حب للطاعة، وكراهية للمعصية؟ هل فيه سلامة للمسلمين، ونقاء من الغل والحسد؟ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. فالقلب السليم هو الغاية، وهو رأس المال الحقيقي، وهو الذي ينجي العبد يوم لا ينفعه صيامه ولا قيامه إن خلا من الإخلاص والخشية. وكان بعض السلف يقول: إصلاح القلب أشد من إصلاح العمل؛ لأن العمل يرى، وأما القلب فلا يراه إلا الله. ولهذا كان الخوف على فساد القلوب عندهم أعظم من الخوف على ترك النوافل.
123
| 21 فبراير 2026
إن من أعظم القضايا التي ينبغي أن تفتح بها القلوب في رمضان، وأن تراجع فيها النفوس بصدق، قضية النية؛ تلك الحقيقة الخفية التي لا يراها الناس، ولكنها عند الله هي الميزان، وهي الفارق بين العمل المقبول والعمل المردود، وبين القليل المبارك والكثير الضائع. رمضان موسم كثرة الأعمال، وتنوع الطاعات، من صيام وقيام وقرآن وصدقة، ولكن الخطر كل الخطر أن تنشغل الجوارح بالطاعة، ويغفل القلب عن النية. وقد أصل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل العظيم في حديث هو ميزان الأعمال كلها، فقال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) قال الإمام الشافعي رحمه الله: يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه، لما له من عظيم الأثر في تصحيح الأعمال. وقال الإمام أحمد رحمه الله: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث، وذكر منها هذا الحديث، كما نقله ابن رجب في جامع العلوم والحكم. والنية في رمضان أعظم شأنا؛ لأن العمل فيه مضاعف الأجر، شديد الوقع، فمن صحت نيته تضاعف له الخير، ومن فسدت نيته خسر موسما كاملا. قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية، ذكره ابن أبي الدنيا في الإخلاص. والسلف الصالح كانوا أشد خوفا على نياتهم من خوفهم على أعمالهم. قال سفيان الثوري رحمه الله: ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي؛ إنها تتقلب علي. وكان يوسف بن الحسين رحمه الله يقول: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر. رمضان مدرسة النية؛ لأنه عبادة خفية في أصلها، لا يطلع عليها البشر، فالصائم قد يكون وحده، لا يراه أحد، ومع ذلك يمتنع عن الطعام والشراب، لا لشيء إلا لأنه يعلم أن الله يراه. ولهذا جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به) قال ابن رجب رحمه الله: وإنما اختص الصيام بذلك؛ لأنه سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه غيره. فمن صلح باطنه في الصيام، صلح ظاهره في سائر الأعمال. ومن هنا، فإن أعظم ما ينبغي أن يجدد مع دخول رمضان هو النية: نية الصيام إيمانا واحتسابا، ونية القيام طلبا للقبول لا للثناء، ونية قراءة القرآن طلبا للهداية لا للختمات، ونية الصدقة طلبا لرضا الله لا لمدح الناس.
96
| 20 فبراير 2026
رمضان شهر اختصه الله بفضائل عظيمة، فجعل فيه الصيام ركنا من أركان الإسلام، وأنزل فيه القرآن، ورفع فيه الدرجات، وكفر فيه السيئات. قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ ومع ذلك، فإن الخطر العظيم أن يتعامل المسلم مع رمضان كما يتعامل مع أي شهر آخر؛ يمر عليه مرور العادة، لا مرور العبادة، فينقضي الشهر وقد تغيرت المظاهر ولم تتغير القلوب. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة تضييع هذا الموسم، فقال: (رغم أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يغفر له) إنه توبيخ شديد، ودعاء بالخسارة على من أدرك رمضان ولم يخرج منه مغفورا له، لأن الفرصة كانت متاحة، والأبواب كانت مفتوحة، لكن القلوب كانت غافلة. رمضان فرصة لا تتكرر؛ لأن الأعمار محدودة، والأيام معدودة، ولا أحد يملك ضمانا أن يدرك رمضان القادم. كم من أناس صاموا معنا العام الماضي، وهم اليوم تحت التراب! وكم من خطط ونيات قطعت بالموت قبل أن ترى النور! ولهذا كان السلف الصالح يعظمون هذا الشهر تعظيما بالغا، وكانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم. ذكره ابن رجب في لطائف المعارف. والفرصة في رمضان ليست في كثرة الأعمال فقط، بل في تجديد العلاقة مع الله، في تصحيح النية، في كسر الاعتياد، في إحياء القلب بعد موته. فرب عمل صغير عظمته النية، ورب صيام لم يجاوز الحلق لأن القلب لم يحضر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه) فالإيمان والاحتساب هما روح الصيام، وهما اللذان يحولان الشهر من عادة سنوية إلى محطة تغيير حقيقية. ومن هنا، فإن أول واجب على المسلم في رمضان أن يسأل نفسه: هل أريد رمضان كما اعتدته، أم كما أراده الله؟ هل أريده شهر طقوس، أم شهر توبة ومراجعة؟ هل أريده شهر انشغال بالطعام، أم شهر غذاء للأرواح؟
195
| 18 فبراير 2026
ليس بينك وبين رمضان إلا خطوات قليلة، ولكن بين قلبٍ غافلٍ وقلبٍ مستيقظ مسافة عمرٍ كامل. إنّه موعدٌ يتكرر في الزمن، لكنه لا يتكرر في الأعمار؛ لأن الذي يستقبله هذا العام قد لا يشهده في عامٍ آخر. هكذا يجيء رمضان كل مرة ليضع الإنسان أمام الحقيقة الكبرى: إن الفرص لا تدوم، وإن الأبواب التي تُفتح اليوم قد تُغلق غدًا دون استئذان. بعد أيامٍ يسوق الله إلى القلوب ضيفًا عظيمًا طال انتظاره، ضيفًا طالما وعدت النفس نفسها أن تستقبله بصدقٍ وعزم، ثم مضت الأعوام وما زال الوعد مؤجلًا، والعهد مؤخرًا، والتوبة مؤجلة إلى موسم آخر. وها هو الموسم قد عاد، وقد مُدَّ لك في الأجل مرة أخرى، وكأن السماء تناديك: لقد فُتح الباب من جديد، فهل تدخل أم تبقى في دائرة التسويف حتى يُغلق الباب فجأة دون استئذان؟ إن بلوغ رمضان ليس عادة تتكرر، بل نعمة كبرى لا يعرف قدرها إلا من عرف معنى الفقد. كم من وجوه كانت معنا في رمضان الماضي ثم صارت اليوم تحت التراب، انقطع عملها، وانتهت فرصتها، وصار رمضان بالنسبة إليها أمنية لا تُنال. وهنا يقف القلب أمام سؤال لا مهرب منه: ماذا ستفعل بهذه الفرصة التي لم تُمنح لغيرك؟ لقد أعلن النبي هذا المعنى إعلانًا يهز القلوب حين قال: «مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأُدْخِلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ». إنها صيحة توقظ الغافلين: إن المسألة ليست موسمًا عابرًا، بل محطة فاصلة بين مغفرة أو حرمان. إن استقبال رمضان في حقيقته عودة إلى الصفاء الأول؛ عودة إلى زمن الطهر قبل أن تكدّره الذنوب، وإلى نقاء القلب قبل أن تثقله الغفلة. إنه شهر تتفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتُسلسل الشياطين، وكأن الكون كله يُهيّأ لرحلة صعود روحي، فمن لم يصعد في هذا الموسم فمتى يصعد؟ في داخل الإنسان شهوات تضغط، وغضب يتربص، ونوازع تشده إلى الأرض، فجاء الصيام ليعيد ترتيب الداخل، ويعيد الإنسان إلى مقام العبودية الخالصة. فالصوم ليس حرمانًا بل تحرير، وليس امتناعًا بل ارتقاء، وليس كفًا للجسد بل انطلاق للروح. يا أهل الصيام والقيام، إن هذا الوافد العظيم لا يُكرم بالكلام، بل بالمجاهدة والعمل. استقبلوه بالتوبة الصادقة، وجددوا العهد مع الله، فإن أعمارنا أقصر من آمالنا، وأقرب مما نظن إلى نهايتها. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ إن الصيام مدرسة العبودية الكاملة؛ يأكل العبد حين يؤمر، ويمسك حين يؤمر، لا تحكمه شهوة ولا عادة، بل تحكمه كلمة الله وحدها. وهنا يتعلم القلب أن الطاعة ليست مزاجًا، بل استسلامًا كاملًا لله. ومن فضائل الصيام العظيمة: 1 - مغفرة الذنوب قال ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». 2 - الفرحتان العظيمتان قال ﷺ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ». 3 - الصيام عبادة لا مثل لها قال ﷺ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ». 4 - باب خاص في الجنة للصائمين قال ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ». 5 - تزكية النفس وتطهير العمل فرض النبي زكاة الفطر «طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ». إنها رحلة تبدأ بالتوبة، وتزدهر بالصبر، وتثمر بالمغفرة. رحلة تعيد تشكيل القلب ليولد من جديد قبل أن يولد يوم القيامة. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، والحمد لله رب العالمين
171
| 15 فبراير 2026
لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا فحسب، بل كان قبل ذلك مشروعًا تربويًا وأخلاقيًا متكاملًا. فقد صنع الإنسان قبل الدولة، وربّي الضمير قبل المؤسّسة، فانبثق مجتمع يرى القيم معيارا لحركته في التاريخ. ومن هنا كان الثبات على المبدأ مفتاحًا لفهم قوّة التجربة الإسلامية في نشأتها الأولى، كما يفسّر هذا مظاهر الضعف التي منيت به حين تراجع حضور القيم في مراحل لاحقة. لقد أسّست السيرة النبوية قاعدة راسخة مفادها أن المبادئ لا تخضع لميزان الربح والخسارة. ففي غزوة بدر، ومع شدّة الحاجة إلى النصرة، رفض النبي صلى الله عليه وسلم الاستعانة بمشرك، وقال: «ارْجِعْ؛ فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ». كما تجلّى الوفاء بالعهد حين قيّد حذيفة وأبوه بعهدٍ ألّا يقاتلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انْصَرِفَا؛ نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ». إنّ هذه المواقف تؤكّد أن القيادة النبوية أرادت ترسيخ قاعدة أخلاقية مفادها أن الغاية لا تبرّر الوسيلة إذا ناقضت القيم. نشأ الصحابة على هذه التربية حتى أصبحت القيم جزءًا من تكوينهم النفسي والروحي. فبلال بن رباح تحمّل التعذيب تحت لهيب الصحراء مردّدًا: «أَحَدٌ أَحَدٌ». وثبت سعد بن أبي وقاص على إيمانه رغم تهديد أمّه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾. وضرب صهيب الرومي مثالًا فريدًا حين قدّم ثروته كلّها مقابل حرّية الهجرة، فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «رَبِحَ صُهَيْبٌ». كما أعلن أبو ذر إسلامه في قلب مكّة غير هيّابٍ للأذى، ثم لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ماشيًا مثالًا للإصرار والوفاء. وتبلغ هذه الروح ذروتها في موقف الحسن بن علي حين تنازل عن الخلافة حقنًا لدماء المسلمين، مقدّمًا وحدة الأمّة على طموح السلطة. لم ينقطع حضور هذه القيم بانتهاء عصر الصحابة؛ فقد ظلّ العلماء يمثّلون الضمير الأخلاقي للأمّة، فثبتوا على ما يرونه حقًّا ولو خالف السلطان. كما تحوّل الأدب العربي إلى مساحةٍ تجسّد العلاقة بين الكلمة والموقف، وقد انتهت حياة المتنبي قتيلًا حين أبى الفرار بعد تذكيره بقوله: فالخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ كما ثبت الأشتر النخعي في المعركة مستحضرًا قول ابن الإطنابة: أبتْ لي عفّتي وأبى بلائي وإقدامي على البطلِ المشيحِ وقولي كلّما جشأتْ وجاشتْ مكانَكِ تُحمَدي أو تستريحي ويقابل هذه النماذج المشرقة ظهور شخصيات باعت القيم طلبا للجاه والمال، فنافقت الخلفاء أو بالغت في مدحهم بما لا يجوز ولا يصح مثل قول ابن هانئ الأندلسي: ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ فاحكم فأنت الواحدُ القهّارُ وقد وصف القرآن عاقبة هذا المسار بقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾. إن التجربة التاريخية تكشف أنّ قوّة الحضارة الإسلامية ارتبطت بسلامة مجرى القيم في المجتمع. فعندما كانت المبادئ حيّةً فاعلة، قادت الأمّة العالم، وحين تحوّلت القيم إلى شعاراتٍ مجرّدة بدأ الضعف والتراجع، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
531
| 08 فبراير 2026
ليست النصيحة صفقة على موائد المصالح، ولا كلمة تقال إذا أمنت عواقبها؛ إنما هي أمانة تلقى في عنق المؤمن، ومسؤولية يسأل عنها بين يدي الله قبل أن تواجه بها القلوب. هي فريضة صدق لا تقاس بميزان القبول، ولا تربط بشرط السلامة، ولا تؤجل بحجة التريث إذا استبان الحق ووجب البلاغ. ومن الخيانة حقا أن يأتمنك المسلم على نصيحة، ثم تمسكها خوفا، أو مداراة، أو طلبا لسلامة موهومة؛ فإن النصيحة إذا استودعت صارت دينا، وكتمانها خذلان، وتأخيرها تضييع للأمانة، لا حكمة فيه ولا فقه مصلحة. النصيحة ليست وعدا بالقبول، ولا ضمانا للاستجابة، ولا تعهدا بسلامة الطريق؛ ولكنها أداء واجب، وشهادة للحق، وبراءة ذمة. قد ترد النصيحة، وقد تواجه بالجفاء، وقد تقابل بالإعراض؛ غير أن الخسارة ليست في رفضها، وإنما الخسارة كل الخسارة في خيانتها. فالناصح لا يملك قلوب الناس، ولكنه يملك أمانته، ولا يسأل عن القبول، وإنما يسأل عن الصدق. ولذلك كان هذا الدين قائما على البلاغ والنصح، لا على الحسابات الضيقة ولا على مجاملة الواقع. قال الله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فالتواصي ليس ترفا أخلاقيا، بل هو عمود النجاة، وبه يستدرك الخلل، ويحمل المجتمع على كتفي الصدق والصبر. وقال سبحانه مخاطبا خير من بلغ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. فإذا كان البلاغ في حق الرسل بهذه المنزلة، فما بال الورثة من أهل الإيمان يفرون من واجب النصح، أو يقايضونه على رضا الناس؟ وجاء البيان النبوي قاطعا لكل التردد: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ». فجعل النبي صلى الله عليه وسلم النصيحة جوهر الدين، لا هامشه، ومركزه لا زينته. ضوابط النصيحة ولئلا تنقلب النصيحة فوضى، ولا تتحول الجرأة تهورا، فقد ضبطها الشرع بضوابط تحفظ مقصدها وتبقي أثرها: الإخلاص لله تعالى أن يراد بها وجه الله لا تشفيا ولا انتصارا للنفس. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. العلم بما ينصح به فلا نصيحة بجهل، ولا إنكار بلا بينة. قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. الرفق والحكمة في الأداء فإن الكلمة الصادقة إذا خرجت في قالب حكمة كانت أقرب إلى القبول. قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ». اختيار الوقت والمقام فليس كل حق يقال في كل وقت، ولا كل إنكار يؤدى على الملأ. وقد كان السلف يعدون النصيحة سرا من تمام النصح، وعلانية من باب التشهير، إلا حيث تدعو المصلحة الراجحة. عدم اشتراط القبول فوظيفة الناصح البلاغ لا النتائج. قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. الصبر على الأذى فطريق النصيحة محفوف بالمكاره، ولا يثبت عليه إلا من تزود بالصبر. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. العدل والإنصاف فلا يبخس المنصوح حقه، ولا ينسى له فضل. قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. إن النصيحة حين تحبس خوفا، أو تؤجل مداراة، أو تخفف طلبا للسلامة، تفقد حقيقتها وتتحول إلى خيانة مستترة. وما أكثر ما يلبس الناس ثوب الحكمة ليواروا به جبنهم، ويسموا الصمت فقه مصلحة، وهو في الحقيقة فرار من واجب الشهادة. وقد قال ابن حزم رحمه الله:»لَا تَنْصَحْ عَلَى شَرْطِ الْقَبُولِ، وَلَا تَشْفَعْ عَلَى شَرْطِ الْإِجَابَةِ، وَلَا تَهَبْ عَلَى شَرْطِ الْإِثَابَةِ، وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ اسْتِعْمَالِ الْفَضْلِ، وَتَأْدِيَةِ مَا عَلَيْكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالشَّفَاعَةِ وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ». تلك هي النصيحة كما ينبغي أن تكون: شهادة حق، وأداء أمانة، وبراءة ذمة. لا تقاس بنتائجها، ولا تحاكم بآثارها العاجلة، وإنما توزن بنيتها وصدقها. فمن أداها فقد نجا، ومن خانها فقد خسر، ولو صفق له الناس.
204
| 02 فبراير 2026
هذه اللاءات العشر ليست ردود أفعال عابرة، ولا شعارات للاستهلاك الأخلاقي، بل هي فعل وعي طويل النفس، يُمارس في التفاصيل قبل القرارات الكبرى. بها يحفظ الإنسان تماسكه في عالم يطلب منك أن تُستنزف باسم اللطف، وأن تتنازل باسم المرونة، وأن تذوب باسم التكيف. هي لاءات لا تُقصي الحياة، بل تُعيد ترتيب علاقتك بها، وتُنقذك من أن تعيشها منكسرا من الداخل وأنت تبتسم للخارج. 1 ـ لا تُجامل على حساب استنزاف نفسك: لأن المجاملة حين تنفصل عن الرضا الداخلي تتحول إلى دين نفسي مؤجل، تُسدده لاحقا من طاقتك وهدوئك. العطاء بلا وعي ليس فضيلة، بل غياب حدود. وما لا يزيدك اتساعا وصدقا مع ذاتك، ينقصك ولو لبس ثوب الخلق. 2 ـ لا تُصاحب من اتخذ العجز وطنا واستأنس باليأس: فبعض العلاقات لا تُنهكك لأنك ضعيف، بل لأنها تُصر على بقائك صغيرا. حركتك تُربكه، ونموك يفضح سكونه، وثباتك يُدينه. لا يهدأ له بال إلا إذا رآك تنكمش لتُشبهه، أو تعتذر عن طموحك كي لا تُذكره بما فرط فيه. 3 ـ لا تُنفق وعيك في جدال لا يُنير، ولا تُكابر في الخطأ: فالجدال الذي لا يفتح أفقا هو استنزاف مقنع، والمكابرة ليست قوة، بل تصلب يمنع التعلم. الحقيقة لا تولد من الضجيج، بل من سكون الفهم. الصمت الواعي ليس هروبا، والاعتراف الصادق ليس هزيمة؛ كلاهما انتقال من وهم الصورة إلى صدق الذات. 4 ـ لا تُقرر وأنت منفعل: فالانفعال يُضيق زاوية الرؤية، ويُضخم اللحظة على حساب العاقبة. القرار يحتاج سعة نفس، لا سرعة رد. كثير من الندم لم يكن سببه الجهل، بل التسرع تحت ضغط شعور عابر ظُن أنه حقيقة كاملة. 5 ـ لا تُقارن نفسك بغيرك: فكل مقارنة محاكمة جائرة للاختلاف، واعتراض صامت على مسار لم يُخلق ليُشبه سواك. أنت لا ترى من حياة الآخرين إلا نتائجهم، ولا تحمل عنهم أثمانها. وكل مقارنة تُغفل السياق، تزرع سخطا لا ضرورة له، وتُشوش بوصلة الرضا. 6 ـ لا تشمت بأحد: فالشماتة جهل بديناميكية الحياة، وسوء فهم لطبيعة التقلب. من يفرح بسقوط غيره، يُوهم نفسه بأمان مؤقت، وينسى أن الأقدام نفسها التي تعثرت قد تنهض، وأن الثبات ليس وعدا دائما لأحد. 7 ـ لا تطرق بابا أُغلق في وجهك مرتين: فالكرامة ليست عنادا، بل وعي بمواضع الانسحاب. بعض الأبواب لا تُغلق لأنك غير كاف، بل لأنها ليست لك. والإصرار الأعمى على البقاء حيث لا يُرحب بك، خسارة صامتة للنفس باسم الأمل. 8 ـ لا تكشف وجعك لكل أحد: فالشكوى أمانة، وليست كل القلوب أهلا لها. بعض الناس يسمع ليُقارن، أو ليحكم، أو ليُخزن ضعفك لا ليحتويه. اختر من تُعطيه صوتك، فالكلمات التي تخرج بلا أمان تعود على صاحبها مثقلة. 9 ـ لا تطلب ما يُهينك ولو كنت محتاجا إليه: فبعض المكاسب تملأ اليد وتُفرغ الروح. وما أُخذ بذهاب العز، ذل لا جبر له. الحاجة لا تُبرر سحق الذات، والفقر العابر أهون من غنى يُشترى بفقدان الاحترام الداخلي. 10 ـ لا تُهمل هندسة ذاتك: فالسواء النفسي لا يُمنح جاهزا، ولا يأتي مصادفة. هو بناء تراكمي من الوعي، وضبط الحدود، وحسن الاختيار، ومراجعة الدوافع. أن تعرف متى تقول نعم بصدق، ومتى تقول لا بلا ذنب، هو جوهر هذا البناء. هذه اللاءات ليست قيودا للحياة، بل خرائط أمان داخلية. ليست انسحابا من العالم، بل طريقة ذكية للوجود فيه دون أن تتآكل. هي هندسة للاتزان، تحفظ الإنسان من التبدد وهو يمضي، وتمنحه السواء النفسي المنشود.
216
| 25 يناير 2026
مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...
8850
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...
1632
| 25 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...
1161
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...
915
| 26 فبراير 2026
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل...
729
| 20 فبراير 2026
جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...
708
| 25 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
684
| 20 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته،...
615
| 24 فبراير 2026
استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...
603
| 24 فبراير 2026
كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...
594
| 22 فبراير 2026
لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...
555
| 23 فبراير 2026
لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...
522
| 22 فبراير 2026
مساحة إعلانية