رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مثل الهجوم الإسرائيلى على أعضاء المكتب السياسى لحركة حماس فى الدوحة، حدثاً صادماً غير متوقع على الإطلاق، إلى الدرجة التى جعلت الكثير يعتقد بأنه كان بعلم وتنسيق مع الحكومة القطرية، وهذا قطعاً يخالف تماماً المنطق والحقيقة، وسيتم دحضه فى المقال.
الهجوم الإسرائيلى الغاشم على قطر انتهاك صارخ لسيادة دولة عضو فى الأمم المتحدة، دولة مسالمة، ومن ثم، فهو جريمة عدوان متكاملة وفقا للقانون الدولى ومبادىء الأمم المتحدة. ليس من المتصور على الإطلاق أن تتواطأ دولة على انتهاك سيادتها وقتل مواطنيها تحت أية ظرف من الظروف، لاسيما وأن القيادة القطرية تتسم بحكمة وحصافة بالغة. فالتداعيات الوخيمة الناجمة عن تواطؤ الدولة ضد سيادتها ومواطنيها، تفوق بأضعاف مضاعفة أية مكاسب أخرى حتى ولو كانت استراتيجية.
وحقيقة الأمر، أن وجود مكتب لحركة حماس فى الدوحة، لا تتداخل فيه أية اعتبارات استراتيجية كبرى لقطر، فهو لخدمة القضية الفلسطينية، وتسهيل التفاوض والمباحثات بين الأطراف. بل والأدهى من ذلك هو ما جاء على لسان رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثانى، بقوله الصريح المباشر عقب الهجوم “بأن مكتب الحركة قد أنشىء بطلب أمريكى إسرائيلى للتفاوض” كما قال ما مفاده أن جميع مسارات التفاوض والاتفاقات منذ 2014 وحتى المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب فى غزة، تتم بوساطة قطرية بالتواصل مع المكتب أو أعضائه.
إذن، ما يمكن قوله، أن انتقال المكتب من الدوحة إلى أية عاصمة أخرى، لن يشكل خسارة استراتيجية لقطر، بل هو خسارة استراتيجية لوسيط نزيه متمرس لديه قنوات مفتوحة مع الجميع.
الهجوم على قطر تم بعلم أمريكا، وربما بدون رضاء أمريكى تام، بسبب الجنوح الإسرائيلى الماجن، ففى جميع الأحوال، فهو خطأ استراتيجى شديد الفداحة، وتتجلى هذه الفداحة فى صور وزوايا متعددة لا يمكن استيعابها جميعها فى المقال، سنكتفى بذكر أهمها:
- تآكل الثقة الخليجية فى الولايات المتحدة والشراكة المتميزة الوثيقة معها. بطبيعة الحال لن يؤدى الهجوم إلى انهيار الشراكة الخليجية الأمريكية على الفور، والتى لا تنحصر فى الجانب الأمنى فقط بل أضحت شراكة استراتيجية شاملة. لكنها بالتأكيد ستدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم هذه الشراكة على نحو جدى وعميق بحيث تتضمن-ضمن أمور أخرى- البحث عن شركاء أمنيين آخرين.
فالهجوم سابقة خطيرة وخطأ لا يغتفر من شريك أمنى مفترض أنه مضطلع كلية بحماية أمن الخليج، ولعل قادة دول الخليج باتوا على قناعة تامة أن الجنوح الإسرائيلى بقيادة اليمين المتطرف، قد خرج عن السيطرة التامة حتى السيطرة الأمريكية، مما يزيد قناعتهم أيضا بان الشراكة الأمنية مع واشنطن باتت على المحك.
وواقع الأمر أن تآكل الشراكة الأمريكية مع الخليج، ستكون أضراره بالغة على واشنطن فى إطار المتغيرات والتحديات الواسعة التى يمر بها العالم عموما وواشنطن خصوصاً. فالخليج بات من أكبر الداعمين للاقتصاد الأمريكى وهو ما تجلى فى الصفقات التريليونية التى أبرمت خلال زيارة ترامب الأخيرة للخليج، والخليج الضامن الرئيس لتمديد الوجود الأمريكى فى المنطقة الذى يساهم فى الحفاظ على الهيمنة العالمية لواشنطن، الخليج يمثل مرتكزا رئيسيا فى تحالفات واشنطن الدولية لموازنة الصين وتحالفاتها المتنامية والتى برزت بقوة فى قمة شنغهاى الأخيرة، الخليج أكبر داعم لواشنطن فى محاربة الإرهاب، وأخيراً الخليج صمام الأمان للاستقرار فى المنطقة. لذا، ليس من قبيل المبالغة القول إن الهجوم خطأ استراتيجى فادح، ويبدو أن الإدارة الأمريكية قد تنبهت لذلك سريعا إذ ابدت اسفها العميق وانتقدت الضربة فى سابقة نادرة.
- الهجوم على الدوحة قد عكس بصورة جلية نوايا إسرائيل بقيادة اليمين المتطرف، وهو ليس فقط احجامها التام عن التسوية فى غزة، بل أيضا نوايا توسعية وخطط لإشعال بؤر جديدة للتوتر فى المنطقة. إذ فيما يبدو أن الاصرار ليس فقط على خطة الترحيل الكارثية للغزاويين من خلال وأد أية فرص للتسوية، بل الشروع فى مخطط إسرائيل الكبرى غير القابل للتحقيق عبر ضرب عرض الحائط بالهجوم على قطر الذى لم يخطر على خلد أية محلل، فالرسالة واضحة سنقدم على عمل أى شىء ونضحى بكل الوسطاء والشركاء. والنتيجة الكارثية على إسرائيل قبل الجميع، الإغراق فى مستنقع من التصعيد العسكرى، تدمير مخططات التطبيع التى كانت تسير بوتيرة سريعة نسبياً، تآكل صورتها وشرعيتها الدولية بصورة خطيرة، وهو ما تجلى مؤخرا فى اعتراف 142 دولة فى الأمم المتحدة بإسرائيل من بينهم شركاؤها التقلديون مثل ألمانيا وانجلترا.
فى النهاية، منذ ما يقرب من عقد، والكتاب والسياسيون الأمريكيون المحذرون من مغبة الانحياز الأمريكى المطلق لإسرائيل فى تزايد مطرد. إذ باتوا يصفون إسرائيل بـ «العبء” الخطير على واشنطن، الذى ضمن جملة أمور، يشتت ويبدد تركيزها وجهودها الاساسية عن قضاياها الاستراتيجية خاصة مواجهة الصين، وتساهم فى تشوية صورة وسمعة واشنطن عالميا، وتساهم فى تقويض الشراكة المتميزة مع الحلفاء. وهجوم الدوحة خير شاهد على ذلك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية. الخلاصة، الجغرافيا تخدم إيران، الديموغرافيا تخدم إيران، خطوط الإمداد تخدم إيران، الأوضاع النفسية في داخل إيران او خارجها تخدم ايران، الاسلحة الدقيقة القادرة على ضرب أصول القوات الامريكية والاسرائيلية في صالح إيران، وورقة الطاقة في صالح ايران، واذا استطاعت ايران ضبط معدل اطلاق الصواريخ والمسيرات مع معدل الإنتاج فستملك إيران أوراق الصمود وهي من سينهي الحرب.
3873
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1503
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1263
| 11 مارس 2026