رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مشاركة غير مسبوقة للقادة والرؤساء ورؤساء الحكومات..
قمة الدوحة الأعلى سقفاً في تاريخ القمم العربية والإسلامية
القمة العربية الإسلامية الطارئة، التي انعقدت بالدوحة تضامناً مع دولة قطر بعد الاستهداف الغادر الذي تعرضت له من قبل الكيان الإسرائيلي، هي الأعلى سقفاً في تاريخ القمم العربية في قوة الخطاب السياسي، فهي المرة الأولى التي يوصف فيها الكيان الإسرائيلي بالعدو، وهي الأقوى في فاعليتها، حيث شارك في أعمالها رؤساء دول وحكومات ليصل عدد المشاركين فيها ما يتجاوز 57 زعيماً ورئيس حكومة، وهو عدد غير مسبوق ويمثل علامة بارزة لأكبر قمة سياسية يتفق فيها الزعماء على ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية، لوضع حد للعدوان الإسرائيلي السافر على الشعب الفلسطيني وعلى العديد من الدول العربية.
وقد جسّد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى طموحات الأمة التي تتطلع الى نتائج هذه القمة بقوله: إن القمة العربية الإسلامية الطارئة بالدوحة هي رسالة واضحة في وجه إرهاب الدولة الإسرائيلي بحق المنطقة. وستسهم مخرجاتها بشكل فاعل في تكثيف عملنا المشترك وتنسيق مواقف وتدابير بلداننا، بما يوحد الكلمة والصف، مع شكرنا للأشقاء على تضامنهم مع دولة قطر وشعبها في هذا الهجوم الغادر، وجدد سمو الأمير العزم على فعل كل ما يلزم للحفاظ على سيادتنا ومواجهة العدوان الإسرائيلي إلى جانب مواجهة حالة جنون القوة والغطرسة وهوس التعطش للدماء الذي تمارسه إسرائيل وكشف للقادة أن نتنياهو يحلم بتحول المنطقة إلى منطقة نفوذ إسرائيلية وهذا وهم خطير، ومثلت هذه الكلمات النبراس الذي يكشف خطر الاعتداءات الإسرائيلية ونواياه تجاه الأمة مما يتطلب الحذر واليقظة وعدم التفريط والدفاع عن أرواح شعوب الأمة.
وأبان سموه أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيز العمل العربي والإسلامي المشترك، إذ إن الجميع يستشعر الخطر الداهم الذي يهدد المنطقة برمتها والذي سيلحق بجميع الدول إذا ما ترك العدو الإسرائيلي يرتكب جرائمه بلا حساب ولا عقاب.
* ما نتج عن هذه القمة من مواقف سياسية ذات وزن وثقل سياسي ودبلوماسي مؤثر يجعلها علامة بارزة في العمل العربي الإسلامي المشترك مما يؤهل هذه القمة للبناء عليها لمعاقبة إسرائيل على جرائمها المستمرة واستهانتها بدماء الشعوب العربية بعد أن ظنت أنها بمنأى عن العقاب وأن الدول العربية لن تستطيع مواجهتها ووقف مغامراتها الرعناء.
* ومن أبرز ما جاء في هذه القمة أنها دعت جميع الدول إلى اتخاذ كافة التدابير القانونية والفعالة الممكنة لمنع إسرائيل من مواصلة أعمالها ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك دعم الجهود الرامية إلى إنهاء إفلاتها من العقاب ومساءلتها عن آثارها وجرائمها، وفرض العقوبات عليها. ولا شك أن هذه الدعوة لها ما بعدها، حيث أجمعت خطابات القادة العرب على أن شعور إسرائيل الزائف بأنها بعيدة عن المساءلة ويمكنها الإفلات من العقاب هو ما يدفعها إلى ارتكاب هذه الجرائم الشنيعة التي تستهين بالمجتمع الدولي والقوانين الدولية. وكذلك أجمع القادة والرؤساء العرب على كلمة واحدة شكلت القاعدة الأساسية لتضامن عربي وإسلامي واسع مع قطر وإدانة للهجوم الإسرائيلي الغادر، وفي ذات الوقت بعثت القمة برسالة إلى العالم مفادها أن العالم العربي والإسلامي متحد في مواجهة العدوان وقادر على صد المواجهات، وفي ذات الوقت لن يتخلى عن واجباته في تعزيز الاستقرار والحوار والسلام العالمي. ودعا الزعماء كذلك إلى إدانة العدوان الإسرائيلي الغادر بجانب تحرك دبلوماسي وقانوني واسع لمساءلة إسرائيل وفضح جرائمها أمام العالم.
* بات واضحا أن دعوة القمة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية يشمل عقوبات ذات مسارات متعددة سياسية واقتصادية تصل إلى تجميد أو قطع العلاقات أو الحظر الجوي ووقف أي شكل من أشكال العلاقات الاقتصادية والتجارية إلى أن يرتدع العدو الإسرائيلي عن جرائمه المتكررة وإيقاف العدوان على غزة وعلى الدول العربية. وأكدت القمة كذلك على التضامن المطلق مع قطر في كل ما تتخذه من خطوات واعتبرت العدوان على قطر عدواناً على جميع الدول العربية والإسلامية.
* شكلت قمة الدوحة مرحلة جديدة ستشهد المزيد من التعاضد والتعاون، وهذا ما أبرزته كلمات الزعماء المشاركين في القمة. وجاءت في وقتها المناسب بعد أن تمادى العدو الإسرائيلي في جرائمه الغاشمة، وهو ما دفع القادة إلى هذا الموقف الجامع بالتأكيد على أن العدوان الإسرائيلي الغاشم على دولة قطر، واستمرار الممارسات الإسرائيلية العدوانية، بما في ذلك جرائم الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي والتجويع والحصار، والأنشطة الاستيطانية والسياسة التوسعية، إنما يقوض أي فرص لتحقيق السلام في المنطقة. وأدانت القمة كذلك بأشد العبارات، الهجوم الجبان غير الشرعي الذي شنته إسرائيل في 9 سبتمبر 2025 على حي سكني في الدوحة، يضم مقرات سكنية خصصتها الدولة لاستضافة الوفود التفاوضية في إطار جهود الوساطة المتعددة التي تضطلع بها دولة قطر، إلى جانب عدد من المدارس والحضانات ومقار البعثات الدبلوماسية، ما أسفر عن سقوط شهداء، من بينهم مواطن قطري، وإصابة عدد من المدنيين.
والغريب أن العدوان وقع في وقت تسعى فيه قطر إلى الحوار والوساطة، وهنا يبرز السؤال الرئيسي، وهو كيف تسعى إسرائيل إلى الحوار وتسعى لقتل من تحاوره في ذات الوقت؟!
فضلا عن أن هذه الجريمة تشكل عدوانا صارخا على دولة عربية وإسلامية عضو في منظمة الأمم المتحدة، وتمثل تصعيدا خطيرا يعري عدوانية الحكومة الإسرائيلية المتطرفة ويضاف إلى سجلها الإجرامي الذي يهدد الأمن والسلم الإقليميين والدوليين، بل ويجعل من الصعب الثقة فيها وفيما تعلنه من مواقف زائفة للحوار والسلام والتوصل الى حلول تهدف إلى وقف نزيف الدماء البريئة في غزة وفلسطين وغيرها من الدول العربية.
* من ثمرات قمة الدوحة التأكيد والإشادة بالموقف الحضاري والحكيم والمسؤول الذي انتهجته دولة قطر في تعاملها مع هذا الاعتداء الغادر، وبالتزامها الثابت بأحكام القانون الدولي، وإصرارها على صون سيادتها وأمنها والدفاع عن حقوقها بالوسائل المشروعة كافة. وهو موقف قطري ثابت ظل يمثل نهجاً ثابتاً لم تحد قطر عنه أبداً وستظل راعية للحوار والاستقرار والدفاع عن حقوق الشعوب المغلوبة على أمرها.
وجاء رفض القادة واضحاً وقاطعاً لمحاولات تبرير هذا العدوان تحت أي ذريعة كانت، والتشديد على أنه يشكل انتهاكاً سافراً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويستهدف بصورة مباشرة تقويض الجهود والوساطات القائمة الرامية إلى وقف العدوان على قطاع غزة، وإفشال المساعي الجادة للتوصل إلى حل سياسي عادل وشامل ينهي الاحتلال ويكفل إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، وصون حقوقه المشروعة غير القابلة للتصرف. وكذلك الرفض الكامل والمطلق للتهديدات الإسرائيلية المتكررة بإمكانية استهداف دولة قطر مجددا، أو أي دولة عربية أو إسلامية، لأن ذلك يمثل استفزازا وتصعيدا خطيرا يهدد السلم والأمن الدوليين.
* ولعلها المرة الأولى أيضاً التي تتطرق فيها قمم القادة العرب والمسلمين إلى اجراءات عملية لوضع «الرؤية المشتركة للأمن والتعاون في المنطقة»، والتأكيد في هذا السياق على مفهوم الأمن الجماعي والمصير المشترك للدول العربية والإسلامية وضرورة الاصطفاف ومواجهة التحديات والتهديدات المشتركة، وأهمية بدء وضع الآليات التنفيذية اللازمة.
* سيواجه الكيان الإسرائيلي ولأول مرة تصعيداً دبلوماسيا قوياً يتعلق بدعوة الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي إلى النظر في مدى توافق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة مع ميثاقها، بالنظر إلى الانتهاكات الواضحة لشروط العضوية والاستخفاف المستمر بقرارات الأمم المتحدة، مع التنسيق في الجهود الرامية إلى تعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة. ولن يكون بمقدور اسرائيل في ظل ذلك أن تحتفظ بعضويتها في المنظمات الدولية وهي تنتهك ذات الشرعية التي منحتها ذلك الحق.
كذلك دعا البيان الختامي للقمة إلى تكليف الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وبما يتسق مع التزاماتها بموجب القانون الدولي، وحيثما ينطبق، باتخاذ جميع التدابير الممكنة ضمن أطرها القانونية الوطنية لدعم تنفيذ أوامر القبض الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 21 نوفمبر 2024 ضد مرتكبي الجرائم بحق الشعب الفلسطيني. وهذا موقف قوي يدعم إجراءات منع الإفلات من العقاب وتطبيق قوانين الشرعية الدولية حتى لا تصبح انتقائية وتتسم بازدواجية المعايير.
* ويعزز الإجراءات القوية للقمة العربية والإسلامية بيان قادة دول مجلس التعاون الخليجي بتوجيه مجلس الدفاع المشترك بعقد اجتماع عاجل في الدوحة للجنة العسكرية العليا لتقييم الوضع الدفاعي لدول المجلس ومصادر التهديد في موضوع العدوان الإسرائيلي وتوجيه القيادة العسكرية الموحدة لاتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة لتفعيل آليات الدفاع المشترك وقدرات الردع الخليجية. وما يتبع ذلك من رمزية سياسية قوية تتمثل في عقد هذا الاجتماع في الدوحة، وتسخير كافة الإمكانيات لدعم قطر ضد أية تهديدات.
* ومن المهم الإشارة إلى أن دول التعاون اعتبرت الاعتداء الإسرائيلي الغاشم على قطر يشكل تهديداً مباشراً للأمن الخليجي وللسلم والاستقرار، فضلاً عن إشادتها بتعامل الجهات الأمنية القطرية مع الحادث والتعامل المسؤول مع تطوراته وهو ما يعكس الثقة العالية التي تتمتع بها.
لقد تابع أكثر من مائتي إعلامي في الداخل والآلاف غيرهم في الخارج، وقبلهم شعوب العالم المحبة للسلام النتائج المبهرة لقمة الدوحة والمواقف الشجاعة للقادة العرب والمسلمين في مواجهة الإجرام الإسرائيلي الممنهج.
* سيصحو الكيان الإسرائيلي من غفوته ليدرك أن العالم لم يعد يقبل زيف الادعاءات التي يسوقها لقلب الحقائق، وتبرير الاعتداءات الغاشمة، وارتكاب المجازر البشعة، والإفلات من العقاب.
نعم إنه فجر جديد، فجر أشرقت ملامحه بالتصريحات القوية للزعماء المشاركين في القمة وباركته الدوحة، كعبة المضيوم، لتمضي في مسيرتها المدافعة عن الشعوب وأمن واستقرار المنطقة.
فقيد الوطن.. قائد قلما يجود التاريخ بمثله
- مهما كتبنا لن نستطيع حصر إنجازات الأمير الوالد - حمد بن خليفة القائد الذي نصر فلسطين وانتصر... اقرأ المزيد
1599
| 13 يوليو 2026
أولوية قطر إحلال السلام والأمن بعيداً عن الأضواء
- دور بارز لسمو الأمير في الوصول لاتفاق وقف الحرب -قطر تسامت على كل الظروف والمواقف وعملت بصمت... اقرأ المزيد
5586
| 16 يونيو 2026
«ما خفي أعظم» يفضح المزاعم الإيرانية
-«على خط النار» توثيق مهم لمرحلة دقيقة واستثنائية عاشتها دولة قطر - الهجمات الإيرانية شملت كل مناحي الحياة... اقرأ المزيد
6129
| 12 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8760
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3789
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3138
| 30 أكتوبر 2026