رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تلقى الشعب التونسي بكل اعتزاز قرار الهيئة المنظمة لجائزة نوبل للسلام الجمعة9 أكتوبر الجاري، عن فوز المنظمات الوطنية الأربع:(الاتحاد العام التونسي للشغل، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين)، الراعية للحوار الوطني في تونس بجائزة نوبل للسلام للعام 2015، إذ يرى فيه اعترافًا دوليًا صريحًا بدور المجتمع المدني التونسي في إنقاذ مسار الانتقال الديمقراطي في مرحلة دقيقة مرت بها تونس. وكان الرباعي الراعي للحوار في تونس سنة 2013، تشكل إثر أزمة سياسية وأمنية عصفت بالبلاد، تمثلت في اغتيالات سياسية وأعمال إرهابية أودت بحياة زعيمين للمعارضة اليسارية والقومية، وعدد من الجنود في مرتفعات جبل الشعانبي غرب البلاد على الحدود التونسية-الجزائرية.
ومن الجدير بالذكر أن هذه المنظمات الأربع تنتمي جميعها إلى المجتمع المدني، وإن اثنتين منها تشكلتا في مرحلة النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، قبل استقلال تونس في العام 1956. أما نقابة المحامين فقد تأسست بعد الاستقلال (في العام 1958) و«رابطة حقوق الإنسان» تم تأسيسها العام 1977، وبرزتا في طور الدفاع عن الحريات العامة والحريات الخاصة، والنضال الديمقراطي من أجل افتكاك الحقوق السياسية والمدنية من قبضة السلطة الديكتاتورية.
وتنظر النخب العربية إلى هذا التتويج الدولي لتونس بمنحها جائزة نوبل للسلام، عبر الرباعي الراعي للحوار الوطني، بأنه لم يكن صدفة ولا حدثا طارئا أو مفاجئا بل كان التتويج الطبيعي لمسار طويل من الحركة الإصلاحية التونسية بمدونتها التنويرية والتحديثية العميقة والعريقة، التي بدأت منذ القرن الثامن عشر، واستمرت حتى حصول تونس على استقلالها في 20مارس 1956. وقد كانت لهذه الحركة الإصلاحية التنويرية محطات واضحة راكمت العمق التاريخي لتونس الذي بدأ مع دستور قرطاج ومدونة القديس سانت أغسطين وتأسيس بيت الحكمة في القيروان وجامع الزيتونة أعرق جامعات العالم.
منذ عصر النهضة العربية الأولى، يعتبر المصلح خير الدين التونسي من أعظم المنظرين العرب لجهة مطالبته بضرورة اقتداء أقطار العرب الحديثة بفلسفة ونهج الحداثة الأوروبية الغربية، ومعرفة أساس قوة أوروبا وازدهارها، وبكيفية خاصة دور الدولة الحديثة ومؤسساتها السياسية القائمة على الحرّية في المجتمع المدني. وأسهم المصلح خير الدين في وضع الدستور التونسي، الذي أعلن عنه رسمياً من قبل محمد الصادق باي في 29 يناير لعام 1861، حيث كان خير الدين رئيساً لمجلس الشورى، نظراً للثقة القوية التي كان يتمتع بها عند الباي. وكان الميثاق الأساسي، أو دستور عهد الأمان يعتبر أول دستور عربي يقر في بلاد الإسلام، وهو متكون من ثلاثة عشر فصلاً، ومائة وأربع عشرة مادة مرقمة حسب الطريقة الفرنسية.
وشاع مفهوم الدستور في تونس في عشرينيات القرن الماضي مع الشيخ عبد العزيز الثعالبي، مؤسّس الحزب الليبرالي الدستوري الذي قاوم الاستعمار الفرنسي، ثمّ استعاده وطوّره ابتداءً من العام 1934 أبو الاستقلال الحبيب بورقيبه، بحيث بات يشكّل عنصراً موجّهاً في تأكيد الهويّة السياسية التونسيّة. اتُّخذ هذا المفهوم وسيلة لبلوغ الحداثة القضائية والمؤسّساتية، واندرج في سياق قطيعة مع النظام الاستعماري ومع الاستبداديّة البايويّة (نسبة إلى الباي). لكن لم يبدأ الوطنيّون بالتعبير بشكلٍ واضح عن ضرورة إنشاء مجلسٍ تأسيسي إلاّ بعد وصولهم إلى عتبة السلطة في 20 مارس 1956.
عندما أطاح بورقيبة بسلطة الباي في 25 يوليو 1957، بإعلانه ميلاد الجمهورية التونسية، تغيّرت المعطيات رأساً على عقب، وبات على المجلس التأسيسي أن يستأنف الورشة من حيث أوقفت في 14 أبريل العام 1956. وأنجز المجلس التأسيسي المنتخب في فجر الاستقلال(1956-1959) صياغة دستور عام 1959، الذي احتل مكانة بارزة في تأسيس النظام الجمهوري، وبناء الدولة التونسية الحديثة التي تبنت فلسفة الحداثة بكل منطوياتها الفكرية، عبر تركيز أسس دولةٍ مدنيّة من النوع العقلاني-الشرعيّ، ما كان حتّى ذلك الوقت محصوراً فقط بالحداثة الغربية. لكن المجلس التأسيسي في ذلك الوقت أخفق في إرساء نظام ديمقراطي، وضمان الحقوق والحرّيات بشكل فعّال. واحتوى دستور سنة 1959 على 64 فصلا وأدخلت عليه خلال السنوات اللاحقة عديد التعديلات منها ما كان في عهد الحكم البورقيبي. ومنها ما كان في العهد النوفمبري وانتهى إلينا سنة 2010 قبيل الثورة مكوّنا من 78 فصلاً.
إن التوقف عند هذه المحطات التاريخية أكثر من ضروري بالنسبة للتونسيين اليوم خاصة الجيل الجديد من الشباب الذين لا يعرفون لماذا حازت بلادهم جائزة نوبل، فمنح هذه الجائزة الدولية الأولى لتونس ليس صدفة فقد توفرت لتونس كل أسباب الاستثناء ونجاح التجربة الانتقالية في تونس لحد الآن ونجاة البلاد من حرب أهلية مدمرة هو ثمرة هذا الإرث الطويل من تجذّر المشروع الإصلاحي التونسي الذي لم يبدأ اليوم ولا بالأمس، ولم يولد مع 14 يناير 2011، بل كان سلسلة حلقات متراكمة بدأت مع العصر القرطاجني والعربي الإسلامي وتجذر في العصر الحديث بدءًا من القرن الثامن عشر تحديدا.
إنها تونس العظيمة التي تتجدد ولا تموت
وبنيل هذه المنظمات الأربع الراعية للحوار الوطني، جائزة نوبل للسلام، فقد منحت الشرف لتونس، ولكل فعاليات المجتمع المدني وعموم التونسيين الذين آمنوا بقيمة السلم الأهلي ودافعوا عن حقوقهم المدنية بكل شجاعة، لاسيَّما أن هذه الجائزة تشكل في الوقت الحاضر سندا دوليا جديدا لثورة تونس ولشعبها ودعما لها في اتجاه استكمال بناء أسس ديمقراطيتها الناشئة بالحوار والتوافق الضامن للتعددية ووحدة الوطن وأمنه في منطقة تعصف بها الصراعات.
وتستحق الثورة التونسية مثل هذه الجائزة، لأنها كانت ثورة قوّية في صراعها مع النظام الديكتاتوري السابق، بنهجها السلمي وتَفَوُقِهَا الأخلاقي، وبعدالة مطالبها في الحرّية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وقوية بقاعدتها الاجتماعية العريضة التي انخرطت فيها طبقات المجتمع وفئاته وأجياله كافة، وقوية بالتماسك الداخلي للقوى المشاركة في صنع فصولها البطولية، ثم قوية بنفَسها الثوري الطويل الذي لا يكل ولا يتقطع بأثر من عياء. فما جرى هو بروز حركة احتجاجية لها طابع ثوري في إطار وطني، أسقطت نظاماً قديماً تهاوى بسرعة، ولكن من دون أن تعرف كيف سيكون عليه النظام الجديد، وهذه أحداث غير منتظرة، وهي أحداث سلمية في العمق، قامت على أساس احترام حقوق الإنسان والطموح ونشدان الحرّية والتآخي وردّة فعل ضد الفساد والغنى الفاحش وفجور الأغنياء.
وفي هذا السياق، استطاعت تونس أن تُصَحِّح ربيع "الثورات العربية"، وتُؤَكِّدُ الاستثناء التونسي في تَفَرُّدِهِ على الموافقة على دستور ديمقراطي وليبرالي وتوافقي في آن معاً، وهي بهذه الخطوة أنهت المرحلة الانتقالية بعد انتظار دام لنحو سنتين ونصف. إنها اللبنة الأولى في بناء مؤسسات الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، التي عجزت الأيديولوجيات الشُمُولِيَة عن بنائها في العالم العربي، لكن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة المتشبع بالثقافة الفرنسية والمتأثر بكمال أتاتورك، كان أول من أرسى الدولة المدنية ذات الاتجاه العلماني عند العرب،لاسيَّما أن الدولة المدنية ليست بدولة عسكرية، وليست أيضاً بدولة دينية، لكنها ليست بالضرورة أن تكون دولة علمانية بالمعنى الغربي للكلمة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15186
| 08 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1848
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1641
| 10 فبراير 2026