رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يواجه العديد من القطريين والقطريات الراغبين في العمل بالوزارات والمؤسسات الحكومية عقبة متكررة لا تزال تشكل هاجسًا اجتماعيًا واقتصاديًا مؤرقًا، وهي طول الانتظار وكثرة المقابلات دون نتائج واضحة أو تعيين فعلي، فعلى الرغم من التطور الكبير في آليات التوظيف وتبني الدولة لمنصات إلكترونية حديثة، ما زال كثير من الشباب القطري يعيش حالة من الترقب والإحباط، منتظرًا فرصة عمل تتناسب مع مؤهلاته وطموحاته.
نظام التوظيف
بين التنظيم والبيروقراطية: يتولى ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي مسؤولية التعيين في الوزارات والجهات الحكومية عبر منصة “كوادر” الإلكترونية، وهي المنصة الرسمية التي تهدف إلى ربط الباحثين عن عمل بالوظائف الحكومية الشاغرة بشفافية وتنظيم، إلا أن الواقع العملي يطرح تساؤلات حول فعالية النظام، إذ إن معظم المتقدمين يجتازون مراحل التسجيل والمقابلات والتحديثات الدورية، لكنهم لا يتلقون ردودًا حاسمة أو مواعيد دقيقة للتعيين، مما يجعل النظام يبدو وكأنه دائرة انتظار طويلة بلا مخرجات ملموسة.
رحلة الباحث عن عمل عبر منصة “كوادر”
تمر عملية التوظيف بعدة خطوات تبدأ بإنشاء حساب إلكتروني على الموقع الرسمي www.kawader.gov.qa، وتعبئة السيرة الذاتية ورفع الشهادات والخبرات، ثم البحث عن الوظائف المناسبة والتقديم عليها إلكترونيًا، بعد ذلك يُفترض أن يتلقى المتقدم إشعارًا من ديوان الخدمة المدنية في حال ترشيحه للمقابلة، لتتم بعد ذلك الخطوات اللاحقة من فحص طبي وتوقيع قرار التعيين بالتنسيق مع الجهة الحكومية المعنية. إجراء يبدو منظمًا على الورق، لكنه في الواقع قد يستغرق وقتاً طويلاً دون نتيجة واضحة، ما يدفع الكثيرين للتساؤل: أين تكمن المشكلة؟ هل في ضعف المتابعة؟ أم في تأخر الجهات في اعتماد الترشيحات النهائية؟
المشكلة ليست في النظام بل في التطبيق
الخلل لا يكمن في وجود منصة “كوادر” ولا في القوانين المنظمة، بل في الإجراءات البيروقراطية وتعدد الجهات المعنية بالتوظيف، حيث تتردد الملفات بين الديوان والمؤسسات المستفيدة دون جدول زمني محدد، مما يخلق فجوة بين حاجات السوق الفعلية ورغبة الشباب في العمل. ولعل الأكثر إرباكًا أن بعض المؤسسات الحكومية ترفض قبول المتقدمين الذين سبق لهم العمل في جهة حكومية أخرى، بحجة أنه “انتقل من عمل سابق”، وكأن الانتقال لتحسين الوضع المهني أو المعيشي جريمة، بينما الأصل أن يُشجع الطموح والتطور الوظيفي الى جانب الاستفادة من خبرات المتقدم لا أن يُعاقب عليه.
تحديات تتجاوز الوظيفة نفسها
الأزمة لا تقف عند طول الانتظار، بل تمتد إلى عدم توازن العرض والطلب في التخصصات، فهناك مئات الخريجين من الجامعات داخل قطر وخارجها في تخصصات متعددة، يقابلهم عدد محدود من الوظائف الحكومية. ومع دخول دفعات جديدة من الخريجين كل عام، تتضاعف الأعداد في قوائم الانتظار، ما يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: إلى متى يستمر هذا الوضع؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة في التعيين بعيدًا عن الانتقائية أو المحسوبية؟
القطاع الخاص شريك لا بد منه
لم يعد من الممكن الاعتماد على التوظيف الحكومي وحده كحل دائم، فالدولة اليوم تتجه بخطوات مدروسة نحو تفعيل دور القطاع الخاص واستيعاب الكفاءات الوطنية فيه، غير أن ذلك لن يتحقق ما لم يشعر الموظف القطري في هذا القطاع بالأمان والاستقرار الوظيفي نفسه الذي يتمتع به نظيره في الوزارات والمؤسسات الحكومية. ومن هنا تأتي الدعوة إلى أن تساهم الدولة في منح الامتيازات للموظف القطري في القطاع الخاص أسوة بما تمنحه للموظف الحكومي سواء من حيث الراتب والعلاوات والسكن وقرض البناء ونظام التقاعد ومزايا أخرى، بهذا التوجه يصبح القطاع الخاص جاذبًا للكفاءات الوطنية لا طارداً لها، ويكون المواطن أمام خيارات متوازنة بين العمل في الحكومة أو في الشركات الوطنية دون أن يفقد المزايا التي يستحقها.
رؤية إصلاحية مطلوبة
تحتاج المنظومة إلى مراجعة شاملة، تبدأ من تحديد احتياجات كل وزارة أو مؤسسة حكومية بدقة، مرورًا بربطها إلكترونيًا بمنصة “كوادر”، وانتهاءً بتحديد مدة زمنية لا تتجاوز شهرين بين المقابلة وإصدار قرار التعيين، كما يجب أن تكون هناك شفافية في إعلان النتائج، وتوضيح أسباب الرفض أو التأجيل، إن ما تبذله الدولة من جهود كبيرة في تطوير الأنظمة الإلكترونية والتخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية، فإن المطلوب اليوم هو تفعيل هذه الأنظمة عمليًا وتقصير دورة الإجراءات البيروقراطية التي تطيل انتظار المواطنين. فليس من المنطقي أن تبقى الكفاءات الوطنية معلقة في طوابير الانتظار والمقابلات الشكلية، بينما تمتلك الدولة من الإمكانات والموارد ما يؤهلها لتكون نموذجًا في كفاءة إدارة الموارد البشرية الوطنية. لقد آن الأوان لإعادة النظر في منظومة التوظيف لتصبح أكثر سرعة وشفافية وعدالة، قائمة على مبدأ الكفاءة، تعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتترجم عمليًا أهداف رؤية قطر الوطنية 2030 التي تضع الإنسان في صميم التنمية، وتؤكد أن القطري هو الثروة الحقيقية للوطن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3750
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
822
| 30 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
780
| 27 أبريل 2026