رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
السنة العربية الجديدة بدأت سيئة في الإسكندرية مع مذبحة الكنيسة، لكن أحداث تونس شكلت تحولاً إيجابياً بالغ العمق والتأثير، ولا مقارنة بين الحدثين لكن وقوعهما في فترة زمنية واحدة كان لافتاً، خصوصا أنهما استنهضا الحس الوطني وطرحا تحديات على الدولة هنا وهناك.
في الوقت الذي يكثر الكلام الغربي، الأمريكي تحديداً، عن خطر سقوط أنظمة تحت ضغوط الإرهاب، تبين أن هذا الإرهاب ربما يكون "أهون" المخاطر بسبب هامشيته وفوضويته، وعدم ارتكازه على أهداف بعيدة المدى أو على أجندة إدارة وحكم، أي أنه ببساطة لا مستقبل له مهما سفك من دماء.
الخطر على الأنظمة، إذن، هو من داخلها، كذلك من الأخطاء والإهمالات التي ترتكبها ثم تتركها تتراكم فلا تعود قادرة على تصحيحها ومعالجتها، الخطر يأتي أيضاً من المفاهيم والمنطلقات التي يبنى عليها الحكم، فكلما كانت غير موائمة للمجتمع عمقت الهوة بين الحاكم والمحكوم، ولا يمكن للجهاز الأمني وحده أن يجسّر هذه الهوة أو يردمها، لأنه يساهم أساساً في حفرها ومع الوقت تنشأ له مصلحة في بقائها، والخطر يأتي أخيراً من إلغاء السياسة وقتلها وتحويل الرأي الآخر إلى عدو يجدر التربص به وشل حركته.
في النموذج التونسي الذي انهار أمام عيون العالم المندهش وغير المصدق، افتقد النظام في اللحظات الحرجة أي أداة للتواصل مع الناس، إلا أنه أدرك أنه هو من كان ألغاها منذ زمن، فلا الحكومة ولا البرلمان ولا الأحزاب الموالية أو المعارضة ولا هيئات المجتمع المدني استطاعت أن تقدم أي مساهمة، ناهيك عن الإعلام المحلي المقيد أو الإعلام الحكومي الموجه.
لم يتوقع أحد أن يكون الشاب الجامعي العاطل عن العمل محمد البوعزيزي قد اختصر تونس كلها، بلداً وشعباً، لحظة أقدم على إحراق نفسه معلناً أن يأسه ونقمته وغضبه أصبحت فوق كافة الاحتمال، ولم يكن النظام التونسي نفسه يتوقع أن يختزل بشرطي بلدي استخدم موقعه السلطوي لإهانة البوعزيزي ومنعه من استخدام عربة متنقلة لبيع الخضار والفواكه، لكن هذا واقع الحال الذي كانت تونس آلت إليه، ومع ذلك فإن أشد الطامحين تفاؤلاً لم يعتقد أن تلك اللحظة في سيدي بوزيد ستكون حاسمة في تاريخ البلد.
طوال عقدين ونيف، تعرض آلاف التونسيين لكل أنواع الإساءات، من سجن وتعذيب وتنكيل وقتل ونفي وقطع أرزاق، وتعرض الشعب برمته لكل أنواع الاحتقار وتزوير الإرادة، هذا شعب نشأ كما سمحت ظروفه وتميز بحس مدني رفيع وذائقة ثقافية منفتحة وتعددية سياسية معتدلة ومتسامحة، حتى الإسلامي فيها، كان النظام يعرف مجتمعه جيداً لكنه تجاهل حقائقه وعامله كما لو أنه عصابة من الرعاع وشذاذ الآفاق، فكل من لا ينتمي إلى الحزب الحاكم ولا يكون واضح الولاء والخنوع يصنف "خارج القانون" ويصار إلى تهميشه وتهشيمه تمهيداً لشطبه.
لم يكن أحد في الخارج يفهم الدوافع الحقيقية أو الواقعية التي تجعل النظام يحترف هذه القسوة غير المبررة حيال شعبه، وقد واجهت حكومات غربية وعربية عديدة نماذج من مغالاة هذا النظام في مطاردة معارضيه حتى بعد أن يختاروا النفي القسري، وإذا كان هناك تفهم في البداية لاستهدافه الإسلاميين إلا أنه بعد تصفيته هؤلاء لم يعد يميز بينهم وبين العلمانيين أو حتى قدامى الحزب الحاكم الذين راحوا يجهرون بمآخذهم على الانتهاك العلني المحموم للحريات، كان على سفراء النظام في مختلف العواصم أن يخصصوا جل نشاطهم للاحتجاج لدى الحكومات المعتمدين عندها على سطر في مقال صحفي أو على استقبال قناة تليفزيونية لأي معارض، واستحث القضاء في أكثر من دولة أوروبية للنظر في قضايا رفعتها الشعارات ضد المعارضين، لكن كل تلك القضايا لم تتوصل إلى النهايات التي يريدها النظام لمجرد أن الأدلة التي قدمها كانت ملفقة ومختلقة ولا تصلح لأي محاكمة.
لكن العواصم الخارجية، خصوصاً الغربية، اهتمت بالفرص التي أوجدها النظام للاستثمار وبحوافز استنسابية، ومادام أنه جعل من مكافحة "الإرهاب" ركيزة للنشاط الأمني ومن الانفتاح الاقتصادي وسيلة للتنمية ومن رفع نسبة النمو هدفاً للدولة، فإن الشركاء الدوليين غضوا النظر عن القبضة الحديدية التي كان يعامل بها شعبه وتجاهلوا مسائل الحريات وحقوق الإنسان، بل لعلهم اعتبروا أن هذه ربما تكون الطريقة الوحيدة لكبح جماح التطرف والعنف الدينيين، حتى أنهم أكثر من ذلك راحوا يشيرون إلى تونس على أنها قدوة في هذا المجال، ولعل ما شجعهم على ذلك أن الأرقام المتداولة دولياً كانت تشير إلى اقتصاد سليم ونمو جيد، لكن فاتهم أن الأزمة المالية العالمية تفجرت في ذروة الانتعاش، وفاتهم أيضا أن البيانات المالية الوردية للاقتصاد التونسي كانت تحجب حالات فساد فائقة وتركزاً للثروات في أيدي قلة من المحسوبين على النظام وزبانيته والقريبين منه.
كانت القبضة الحديد طوال ثلاثة وعشرين عاماً قادت أحزاب المعارضة (الحقيقية) وحتى مختلف فئات الشعب إلى البحث الدائب عن أي نوع من التوافقات أو الحلول الوسط مع النظام، وسط مناخ عام ينطلق من أن هذا حكم ميؤوس منه.
ظلت المعارضة تخفض من سقوف توقعاتها آملة ولو بأي رمق من الإصلاح أو تعديل في الغلو الاستبدادي، أما المجتمع نفسه فبدا كأنه مستعد للمساومة الكبرى، خذوا كل الحقوق والحريات واتركوا لنا لقمة العيش، ووسط مجموعة من حديثي النعمة الذين راحوا يزدادون بل يفحشون في الثراء، زاد الفقراء فقراً، وراحت الطبقة الوسطى تتآكل وتنهار علما بأن النظام نفسه كان يشير إلى هذه الطبقة ويفاخر بأنه يدعمها ويعتمد عليها في الحفاظ على استقرار الاقتصاد التونسي، لكنه لم يستطع أو لم ينتبه إلى أحوال هذه الطبقة وسط جشع المنتفعين الذين ظن أنهم يشكلون دعامة قوية لبقائه في السلطة.
إلى الثغرات الكارثية التي أظهرتها حال الاقتصاد والأخطاء في خيارات التنمية، جاء المقتل الآخر للنظام من عدوه رقم واحد: الإعلام. إذ لم يفطن إلى التطورات التقنية التي اخترقت الحواجز رغم أنه جهد لمقاومتها بالحجب والتشويش والرقابة الشديدة، كان للفضائيات والإنترنت دور حاسم في "ثورة البوعزيزي"، ليس فقط في تغطيتها وتسليط الضوء على وقائعها وتأمين التواصل بين فئات تونس ومناطقها، وإنما خصوصا في تظهير جوهرها السياسي الذي أنكره النظام وحاول طمسه وعندما أدركه واعترف به كان الأوان قد فات، فما كان للشارع أن يبقى على ثباته وإصراره طوال خمسة أسابيع لولا الإعلام الذي كان التونسيون ظنوا أنه خذلهم إلى الأبد بفعل المضايقات التي أتقن النظام ممارستها بلا كلل، لكنه سقط أخيراً وهو يحاول استمالتها لمساعدته وقد جاء سعيه هذا متأخراً أيضاً، كان مؤثراً سماع أصوات التونسيين إذ يبدأون أي مداخلة إعلامية بالقول: شكراً..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
16008
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
5019
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
3312
| 16 أغسطس 2026