رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعلم تماما وأنا أهم بالجلوس أمام جهاز الكمبيوتر وأتأهب لكتابة هذا المقال أن ما دار فى ذهنى حول الإختلاف بين الولد والبنت من الناحية السلوكية سوف يثير العديد من الإختلافات فى الرأى بين المهتمين بالتربية وعلم النفس .. فقد أثبت العلم الحديث بشكل قاطع لا يدع مجالا للشك أن هناك فروقا جوهرية بين الجنسين .. أى بين الولد والبنت .. والفتى والفتاة فيما بعد .. وأخيرا بين الرجل والمرأة .. فما هى هذه الفروق ؟ ومتى تبدأ فى الظهور ؟ وهل لها تأثير ملموس على سلوك كل منهم ؟
يؤكد علماء النفس ويؤيدهم فى ذلك أطباء المخ والأعصاب أن هناك إختلافات جوهرية فى البنية structure والوظيفة function بين مخ الولد والبنت وأن هذه الإختلافات تنعكس على سلوك الجنسين وأنشطتهم العقلية ومشاعرهم وإنفعالاتهم .. فما هو السبب أو الأسباب التى تقف وراء ذلك ؟ هل هى الجيناتوالهرمونات ؟ بمعنى أنها عوامل فطرية innate factors .. أم أن ذلك يرجع إلى التربية والبيئة ؟ وفى هذه الحالة تكون مكتسبة acquired بفعل تأثير العوامل الثقافية التربوية المكتسبة .. مما يعنى التنشئة upbringing .. أم أن تلك الإختلافات – كما يرى فريق ثالث – يرجع إلى الجينات والهرمونات بالإضافة إلى التربية والبيئة .. بمعنى أنه يدمج بين الرأيين الأول والثانى .
وفى هذا السياق نود أن نؤكد أن الجميع من أصحاب الآراء الثلاث أو الإتجاهات السابقة قد إتفقوا على أنه لا توجد فروق فى المستوى الكلى للذكاءoverall level عند القياس بمعامل الذكاء IQ .. ولكن توجد إختلافات فى أنماط الذكاء والقدرات الذهنية فى الموضوعات المختلفة .
كما يعترف أصحاب الآراء الثلاثة بأن هناك إختلافات بين مخ الذكر والأنثى .. حيث نجد أن مراكز مخ الذكر قليلة التواصل ببعضها وأنها تركن إلى الراحة أثناء النوم بينما تكون مراكز مخ الأنثى شديدة التواصل وتستمر فى عملها خلال النوم .. ولعل هذا ما يفسر لنا أن الغالبية من الذكور - وليس الجميع - يكون لديهم أذهان تخيلية ويكونون أكثر تميزا فى الرياضيات والتخطيط بينما تكون الإناث أكثر مهارة فى اللغويات وأقدر على إدراك ما يدور فى عقول الآخرين .. وهذا يفسر لنا - وإن كنا لا نستطيع التعميم - السبب فى ميل الأولاد لدراسة العلوم التطبيقية والرياضيات فى الوقت الذى تميل فيه البنات إلى دراسة العلوم الإنسانية واللغات .
ونأتى الآن إلى السؤال الهام .. ما هى هذه الفوارق والإختلافات أو التمايز - كما يطلق عليه البعض - ومتى تبدأ فى الظهور ؟
يرى علماء النفس أن هذه الإختلافات تظهر بعد ساعات من الولادة حيث تم رصد النقاط التالية :
- تكون البنات أكثر هدوءا وأقل صراخا وحركة وأكثر استجابة لمحاولات التهدئة بالغناء أو الهدهدة ويتعلقن بالوجوه أكثر من الذكور الذين يتعلقون بالأشياء .
- ومن الطريف - تأكيدا لذلك - ما يتناقله كبار السن من أن الأمهات فى الماضى كن يدركن أنهن حوامل فى جنين ذكر إذا كان كثير الحركة .
- أيضا تكون البنات أكثر قدرة على الاحتفاظ بنظرات الآخرين إلى عيونهن لمدة أطول .
- ومع مرور الأسابيع تصبح الفروق أكبر فتكون البنات أكثر تجاوبا مع محاولات اللعب معهن ويظهر الإهتمام باللعب بالعرائس واضحا .. بينما يفضل الصبيان اللعب بالعربات والمسدسات .
- عند محاولات بدء الكلام تكون البنات أسبق ويصبحن أكثر قدرة على التعبير عما فى أنفسهن وعما يرون .. ويكون ذلك بشكل واضح وملموس .
- وأيضا عند البدء فى محاولة المشى تكون البنات أسبق من الأولاد وأكثر مقدرة .
- وعند الإلتحاق بالحضانة فى البداية يكون من الصعب أن تترك البنت أمها تنصرف وتتركها ويكون ذلك أكثر سهولة بالنسبة للولد .. وهذا يعنى أن درجة تعلق البنت بأمها تفوق الولد .
وبعد تجاوز فترة دخول الحضانة وما يمكن أن يحدث خلالها فى الأيام الأولى .. وعندما يستقر الأطفال فى الحضانة فإننا نلاحظ الفروق التى سترد فى السطور التالية والتى من المرجح أن تستمر حتى سن التاسعة " منتصف المرحلة الإبتدائية تقريبا " :
- الأولاد يحتاجون إلى مساحات واسعة للجرى مادين أذرعهم كما الطائرات ويلعبون ألعابا عنيفة ويسقط بعضهم فوق بعض .. والبنات لا تحتاج إلى مساحات كبيرة فهن يتجمعن فى أحد الأركان يتحدثن ويلعبن ألعابا أقل خشونة .
- الأولاد يسعون لمصادقة من هم أكبر منهم سنا ويقبلون صحبتهم بينما البنات يقبلن صداقة من هن أصغر .
- الأولاد يميلون إلى مشاهدة مسلسلات العنف والتى يتم الرد فيها على العدوان بالإنتقام بينما البنات يقفن مع الضحية المنكسر .
- فى هذه المرحلة أيضا تكون البنات أكثر براعة فى فهم المشاعر وقراءة القصص وفهمها فى الوقت الذى يكون الأولاد فيه أكثر ميلا للعناد .
- وعند العاشرة من العمر ومابعدها تجلس البنت فى هدوء ممسكة باللاب توب لتدون مذكرات يومها ثم تندمج فى الحوار الأسرى بينما يفضل الولد ألعاب الكمبيوتر والخروج من المنزل واللعب مع أقرانه .
- وعند اللعب يفضل الأولاد أيضا العنف والجرى والمبارزة وتسلق الأشجار وتستمر لديهم الرغبة فى اللعب بالمسدسات والسيارات والقطارات وألعاب الفك والتركيب .. فى الوقت الذى تميل فيه البنات إلى الرياضات الخفيفة والهدوء والسكينة واللعب بالدمى والعرائس مثل باربى وغيرها .
- وفى مرحلة البلوغ يكون الأولاد أكثر عدوانية من البنات ويميلون إلى إستعراض العضلات والمواجهة المباشرة مع الأقران بينما تميل البنات لإستخدام " عضلات اللسان " والتكتيكات العدوانية لمن يضايقهن ويملن إلى النميمة والتحدث بصوت منخفض عمن يضايقهن .
- وفى مرحلة البلوغ أيضا يميل الأولاد إلى التفكير المستقل وتكون نزعتهم للسيادة وحب الرئاسة واستعراض القوة والفخر بها واضحة بينما ترى البنات أنهن جزء من مجموعة مترابطة ويشعرن بالتهديد إذا حدث إنشقاق فى علاقتهن وهو الأمر الذى لا يلقى له معظم الأولاد بالا .
وفى كل ما سبق نود التأكيد على نقطتين فى غاية الأهمية .. أولهما أن كل الصفات والسلوكيات والتمايز بين الأولاد والبنات التى ورد ذكرها فى هذا المقال لا يمكن تعميمها على إطلاقها ولكنها تمثل الأغلبية كما جاء فى دراسات علماء النفس .. وثانيهما أن كل هذه الفوارق فطرية ويتوجب على المعلمين والمعلمات وأولياء الأمور مراعاتها حتى تتحقق التنشئة السوية .. كما يجب الإنتباه إلى أنه إذا كان السبب فى هذه الفروق هى الجينات والهرمونات الجنسية فإن الجنين – وهذه حقيقة علمية ثابتة – يكون فى الأصل أنثى ويبدأ الجنين الذكر فى فرز هرمونات الذكورة مما يحول الأعضاء التناسلية الأنثوية إلى ذكورية وتظل الأنثى كما هى .. وهذا معناه أن الأنثى هى الأصل .. سبحان الله .
وإلى موضوع جديد ومقال قادم بحول الله .
QBC إعلام متخصص يواكب التحولات الاقتصادية
جاء إطلاق المؤسسة القطرية للإعلام، أمس، قناة قطر الاقتصادية QBC، باكورة للقنوات التخصصية في دولة قطر، التي تواكب... اقرأ المزيد
84
| 06 مايو 2026
رحلة بين ما فقدته.. وما أصبحته
في مثل هذا اليوم… لا أعدّ السنوات بقدر ما أستعيد الطريق. أقف بهدوء بين ما كان وما أصبح،... اقرأ المزيد
66
| 06 مايو 2026
البحث عن السكينة.. «العقيدة» الملاذ لمواجهة الألم النفسي؟
في عصر يتسم بالسيولة الرقمية والتسارع المذهل، وجد الإنسان المعاصر نفسه في مواجهة مباشرة مع ضغوط نفسية لم... اقرأ المزيد
90
| 06 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3858
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1482
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
1032
| 29 أبريل 2026