رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نمر اليوم بالذكرى الخامسة والستين لتقسيم فلسطين، وهو ما صار يعرف بيوم النكبة منذ 15/5/1947م، وأحب أن نحول الأزمة إلى فرصة، والنكبة إلى نصرة لتحرير الأسرى والأقصى والقدس وفلسطين من الصهاينة المحتلين، يقول الشاعر:
وعاجز الرأي مضياع لفرصته حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
ويجب أن نفكر دائما بعقل الرجل المبادر لا المرأة التي تولول على مصيبتها، وبعض الرجال يولولون وكثير من النساء مبادرات، فالرجولة هنا صفة وليست جنسا، وللأسرى والأقصى والقدس وفلسطين رجال قال الله عنهم "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" (الأحزاب:22)، وتأصيلا لمنهج الألم والأمل والعمل قال تعالى واصفا فساد بني إسرائيل: "وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا" (الإسراء:4) لكن بعدها مباشرة حوَّل الله تعالى النص الواصف لحجم فساد بني إسرائيل إلى أمل وعمل حيث قال تعالى: "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا" (الإسراء:5)، والحق أن هذا المنهج هو ما يجب أن نتبناه وأن نذكر الألم في النكبة بتقسيم الأرض وخيانة العالم لكل القيم والمبادئ الأخلاقية مما ارتكز عليه الصهاينة في المذابح والقتل والسفك والطرد والسجن والأسر والتهويد والاستيطان والحصار مما اعتبره كله عرضا، أما المرض فهو شيء واحد هو الاحتلال، فليكن المصب الرئيسي ليس على علاج العرض بكل طاقاتنا بل بـ20% فقط من جهدنا لعلاج قضايا العرض، الـ80% في المشروع الأكبر وهو إنهاء الاحتلال لنصل إلى تحرير الأسرى والأقصى والقدس وفلسطين، وقد كان من مشاريع الأمل والعمل قبل ذكرى النكبة زيارتنا لغزة هاشم، في يوم 28 جمادى الآخر1434هـ، الموافق 8/5/2013م، في رحلة تاريخية للعلامة الشيخ القرضاوي إلى غزة على رأس وفد رفيع المستوى لعلماء ودعاة في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من ست عشرة دولة لكسر الحصار ومؤازرة أهلنا في غزة وجمع الكلمة في فلسطين، وهناك كان اللقاء بالحكومة المنتخبة برئاسة دولة رئيس الوزراء إسماعيل هنية، وأعضاء المجلس التشريعي، ومجلس القضاء الأعلى، والقوى الشعبية، وفصائل المقاومة، وطلاب وطالبات وأساتذة الجامعات، واللقاء الجماهيري بساحة الكتيبة الخضراء الذي اقترب من مليونية التحرير، واللقاء مع الشعراء حتى الفتيات الصغيرات اللاتي تشبعن بالجهاد، واللقاء بالأسرى المحررين، وزيارة الأراضي المسماة بالمحررات بعد أن كانت كلها مستعمرات من الكيان الصهيوني، وكانت العريش أيضا محطة رئيسية للوفد العالمي للتوقف مع أهلها البواسل وشعب سيناء العظيم، في حفاوة بالغة بالشيخ ومرافقيه، ومهرجان معبر كما وكيفا عن أصالة شعبنا في سيناء، في برنامج متميز ضم نخبًا وممثلين من التيارات الإسلامية في الجماعة السلفية والجماعة الإسلامية والإخوان المسلمين، وعلماء الأمة، وحضور فخامة الرئيس السابق للسودان المشير عبدالرحمن سوار الذهب، يعبر عن تضافر وتعاون كل الإسلاميين في دعم إعمار مصر وتحرير فلسطين، مما يدل على أن قطار التحرير قد انطلق وصار كالريح اللواقح لنهضة أمة الإسلام والمسلمين، اللوافح لاقتلاع بني صهيون، ومن أراد الله به شرف الدنيا ونعيم الآخرة فلا يجوز له أن يتخلف عن هذا القطار الذي انطلق ويقف في المحطات التاريخية والذكريات المؤلمة ليكون الناس صنفين:
الأول: وهو الذي اكتفى بذكريات الألم، ويتضاعف لديه الهم والحزن، وأحسن ما يقدم هو ما ذكره الله تعالى: "وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا" (الأحزاب: 20).
الثاني: وهم المبادرون المنتفضون على النفس قتلا لليأس، وحركة دائبة نحو علاج أصل المرض وهو الاحتلال بـ 80% من الجهد والوقت والمال، وعلاج العرض وهو التهويد والأسر والقتل والطرد والحصار و... بـ20% من الجهد ليكون الأمر كما قال تعالى عن هؤلاء: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" (الأحزاب: 23)، وقال تعالى: "لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (الحديد: 10).
ولمثل هؤلاء أضع عشرين من الجوانب العملية لمشروع إنهاء الاحتلال وهو المرض، ومعه علاج العرض عمليا في التهويد والتهجير، والاستيطان والعدوان، والأسر والقتل والحصار:
1. المتابعة الدقيقة لمعرفة جوانب الألم في قضية الأسرى والأقصى والقدس وفلسطين كأن المصيبة في قعر بيتنا وبين أهلنا.
2. بعث عقيدة الأمل من خلال اليقين بقوة الملك التي لا تقهر، وقوة المنهج الذي لا يتغير، والاعتزاز بتاريخنا الحافل في مواجهة المغول والصليبيين، وواقعنا الماثل من خلال الربيع العربي، وتنامي التيار الإسلامي في العالم كله.
3. إحياء وإعلان عقيدة الجهاد والمقاومة، ورفض المفاوضات والسلام مع الصهاينة، مع ضرورة أن يكون إحياء الجهاد من الطفولة المبكرة.
4. دراسة وحفظ وفهم نصوص القرآن والسنة النبوية، بعمل ختمة تدبر بحثا عن موضوع واحد هو: "خصائص بني إسرائيل في القرآن الكريم"، ثم دراسة السنة والسيرة النبوية وكيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم عمليا مع تجمعات اليهود في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وخيبر وإحياء فقه التأسي في مواجهتهم.
5. دراسة وحفظ وفهم نصوص الجهاد في سبيل الله، في القرآن الكريم والسنة النبوية، ودراسة كتاب "معركة الوجود بين القرآن والتلمود" للدكتور عبدالستار فتح الله سعيد، فقه الجهاد للعلامة القرضاوي.
6. دراسة تاريخ اليهود ومواقفهم مع الأنبياء والرسل والشعوب والأنظمة، مع أهمية دراسة موسوعة د.المسيري عن الصهيونية، وكتاب فلسطين- واجبات الأمة – 1135 دورا إيجابيا لنصرة فلسطين للدكتور راغب السرجاني، ومتابعة إصدارات المراكز العلمية المتخصصة مثل الزيتونة، ومركز الإعلام العربي وغيره مما يجعلنا متابعين لتطورات القضية يوما بيوم.
7. عمل مهرجانات جماهيرية وشعبية لإحياء الجهاد ونصرة الأقصى، تجمع بين الأنشودة والقصة والشعر والمقالات والمشغولات واللوحات والمسرحيات.
8. تبني منهجية الاقتصاد في الكماليات والتوسع في الصدقات، لمساندة المقدسيين والمسجد الأقصى والمحاصرين في غزة.
9. أن يقوم النخبة من خلال المقالات والفضائيات برد الشبهات التي يثيرها الصهاينة وعملاؤهم حول أحقيتهم في أرض فلسطين وخرافاتهم في موضوع الهيكل.
10. العمل على إزالة الشبهات والافتراءات والأكاذيب التي يختلقها العملاء والخونة ضد المقاومة المشروعة في فلسطين، وسرعة الرد عليها قبل أن تتحول إلى رأي عام كاذب.
11. تكوين لجان شعبية ونقابية تتواصل مع النخب الحاكمة، وأصحاب الأقلام المؤثرة والقنوات الفضائية سعيا إلى تبني القضية الفلسطينية وفق منهجية السياسة الشرعية وليس الخساسة الواقعية، وتشكيل جماعات ضغط سلمية ومجموعات شبابية للتصحيح لا التجريح، والنصيحة لا الفضيحة.
12. إحياء وتفعيل ثقافة المقاومة الإلكترونية لبيان الوجه القبيح للكيان الصهيوني، والحق الأصيل لعودة الشعب الفلسطيني، وحق الأمة في تحرير مقدساتها الإسلامية خاصة الأقصى.
لا تكوني شكلا بلا مضمون
عندما يصبح الرجال عبيداً تصير النساء أسيادا، عندما تغيب الشمس يخرج البدر يبدد الظلام، وينشر النور والأمن في... اقرأ المزيد
949
| 19 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام (2)
الإقدام همٌّ وعزم على المبادرة للمروءة والنجدة، كما قال الشاعر :لا يسألون أخاهم حين يندبهمفي النائبات على ما... اقرأ المزيد
4193
| 12 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام
الإقدام همة، والإحجام خسة، الإقدام رجولة، والإحجام نذالة، الإقدام شجاعة، والإحجام جُبن، الإقدام فحولة، والإحجام طفولة، الإقدام قوة،... اقرأ المزيد
4153
| 30 يناير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5811
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2988
| 29 سبتمبر 2026