رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من المفيد أن نؤسس لتحليلنا حول طلب السيد رئيس الوزراء د. عبدالله حمدوك لبعثة أممية، ببعض النقاط المفتاحية:
أولاً: الفترة الانتقالية محدودة الأجل، وقد تزيد قليلاً، وفق ما رشح عن مفاوضات السلام، ووفق ذلك فإن رئاسة الفريق أول عبدالفتاح البرهان للمجلس السيادي تنتهي في يونيو ٢٠٢١م، وسيتولى بعده الرئاسة أحد أعضاء المكون المدني، وسيكون القائد الأعلى للقوات المسلحة بصفته الجديدة وقائدا لكل الأجهزة الأمنية.
ثانياً: هذه فترة استحقاقات السلام، وسيترتب عليها إعادة هيكلة للمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، دون غطاء من المكون العسكري الذي سيحظى فقط بعضوية في المجلس السيادي ودون أغلبية، وهى فترة إجراء الانتخابات والمؤتمر الدستوري، وربما تم تأجيل النظر في أمر هذه القضايا بتعمد، انتظارا للقادم الجديد.
ثالثاً: دون شك أن هناك مصالح وتقاطعات دولية وإقليمية، تدفع باتجاهات متعددة، ولدى هذه الأطراف رغبة في إحداث تغيير جذري في السودان وفي الإقليم والمنطقة ككل، وليس بالضرورة أن يكون ذلك معبرا عن إرادة سودانية خالصة أو مصلحة وطنية،
ومما يذكر هنا، أن أحد الخبراء في الترويكا خلال محادثات سد النهضة، قال لأحد الخبراء الأفارقة: (إن أكثر ما يهمهم تحقيق مصالح مصر وضمان استقرار أثيوبيا، وإن السودان ليس نقطة تركيزهم)، وربما كشفت مجريات الواقع السياسي لاحقا بعضا من صحة هذا الرأي.
رابعاً: إن مفهوم سيادة الدول لم يعد بذات رمزيته في القرن الماضي، والعالم اليوم تحكمه مصالح وأجندة داخلية، وربما من المصلحة دراسة ما هي المصالح المترتبة على أي قرار دولي؟ ونضيف لذلك أن نيكولاس هايسوم رئيس البعثة عرف بتدخلاته في الشأن الداخلي وتجربته في الصومال وأفغانستان محل جدل.
خامسا: وكما قال الحزب الشيوعي في بيانه (إن رئيس الوزراء حمدوك أعطى الأمم المتحدة شيكاً على بياض)، إن أي قرار أممي لابد أن يكون مشروطا ببندين:
- توافق وطني داخلي وتفويض شعبي.
- حزمة سياسية ومهام واضحة ومحددة الأجل، وكل ذلك لم يحدث، إن الحديث عن السلام ومطلوباته قبل تحققه يبدو ضربا من (الظن)، وهذا لا تترتب عليه أحكام وقرارات، إلا إذا كانت هذه القرارات مطلوبة لذاتها.. وهذا محل تساؤل؟.
وسادسا: إن الحملة على الأجهزة الأمنية مدروسة، وسيصدر تقرير فض الاعتصام لاحقا وستكون هناك ملاحقة قانونية، وفى الدوائر الأوروبية، هناك مخططات ضد بعض المؤسسات، وستتعالى أكثر ضد الدعم السريع وضد الأمن والمخابرات، لقد اقتادت قوات الأمم المتحدة رئيس ساحل العاج السابق لوران واغباغبو عام ٢٠١١م إلى المحكمة الجنائية، وبعد سنوات ثبت إن الاتهامات زائفة، وهو مشهد يمكن أن يتكرر والبعض يسوق له الآن.
(2)
ولتقريب الصورة أكثر علينا أن نراجع الوقائع ثم نقايس ذلك على المعايشة والواقع:
أولاً: في ٥ سبتمبر ٢٠١٨م اعتذر د. حمدوك عن حقيبة المالية في حكومة رئيس الوزراء السيد معتز موسى، وفى ٧ نوفمبر ٢٠١٨م غادر حمدوك موقعه في المجلس الاقتصادي بالاتحاد الأفريقي وفي ٩ ديسمبر ٢٠١٨م ومع الحراك السياسي كان د. حمدوك هو المرشح لرئاسة الوزراء دون منازع، وزار خلال هذه الفترة المملكة المتحدة، وربما تجدر الإشارة هنا، إلى أن ثمة مؤشرات تؤكد أن هناك خلية عمل ومستشارين.
ثانياً: هناك مجموعة من الخبراء وبمشاركة شخصيات مختارة من السودانيين، أعدوا في أغسطس ٢٠١٨م خريطة طريق انتقالية مفصلة، وقد استغرقت الدراسة وقتا طويلا، وامتد النقاش حولها من جامعة فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية وأبوجا بنيجيريا ونيروبي بكينيا وجوهانسبرج بجنوب أفريقيا، وحظيت بتمويل ودعم الترويكا الأوروبية، ويبدو أن لهذه الرؤية الآن مساحة من النفاذ أكثر من أي بنود أخرى، وذلك في الوقت الذي غابت فيه رؤية وخطط قوى التغيير.
وثالثا: وربما يدعم ذلك أكثر تغريدات السفير البريطاني في السودان عرفان صديق التي أوضح فيها أن طلب البعثة الأممية جاء باقتراح بريطاني وألماني.
ورابعا: فإن ذلك يشير أكثر إلى أن القوى السياسية السودانية ونخص هنا (قوى الحرية والتغيير) لم تتم مشاورتها في الطلب، ويبدو أن مدافعة البعض عن القرار لحفظ وحدة المنظومة السياسية لا أكثر، فمن الصعب تصديق أن حزب البعث مثلا، وافق على هذه البعثة وهي ذاتها التي اقتادت صدام حسين، أو كيف أن حزب الأمة بكل تاريخه في مصادمة الاستعمار يعود اليوم لطلب السند من هذه المنظومة الأممية؟ أو الشيوعي الذي نشأ كجبهة معادية للاستعمار؟
خامسا: رغم تغريدات د. حمدوك الداعمة لحشد الطاقات الإنتاجية والموارد الذاتية، فإن جهوده تركزت على الدعم الخارجي وآخرها اجتماع باريس يوم الخميس ٧ مايو ٢٠٢٠م والذي كانت خلاصته ١٠٠ مليون دولار، كما أن عجز الموازنة والبالغ ٥٩٪ رهين في غالبه على المجتمع الدولي.
وسادسا: بينما ينشغل المجتمع بقضاياه الحياتية فإن بعض توجهات وقرارات الحكومة تخاطب جهات أخرى، وأول تصريحات وزير الأوقاف عن اليهود، وخلال زيارة د. حمدوك إلى أمريكا اصطحب معه وزراء يخاطبون شرائح محددة، بل إن الترشيحات السابقة لتعيين وزير الدولة عمر قمر الدين كانت ترجح السعي لإقناع قطاعات محددة في أمريكا وغيرها وذلك لصلة قمرالدين ببعض مجموعات الضغط.
كل هذه المؤشرات تدل على ثلاث حقائق:
* إن هذه البعثة لم تكن بإرادة سودانية خالصة لإن نشؤها مبعث للقلق وأنها جهد من فعل كبير، وأن هناك ما يشبه الخلية ربما تدير الشأن السوداني وتشارك في صياغة التفاصيل.
* إن هناك توجسا من المكون المدني تجاه المكون العسكري، على الأقل هذا ما تقوله الوقائع وليس الألسن، وإن هذا الطرف يسعى إلى تقوية صفه بسند خارجي، ولو أننا استعرضنا جلسة مجلس الأمن الأخيرة بخصوص هذا الأمر نجدها كلها تتجه للانتقال المدني، وأي قوة خارجية تأتي البلاد بهذه الروح ستكون نتائجها وخيمة.
* هذه البعثة تعبر عن فشل النخبة السياسية السودانية في إدارة انتقالية، والتوافق على مصالح البلاد العليا، مما يقتضي الاستعانة بعون أجنبي.
(3)
إن النظر لهذه الخطوة لا يمكن دون قراءة أوسع، فهناك خطة كبرى تستهدف اختطاف الوطن بتاريخه وثرواته وإعادة تشكيل الإقليم والمنطقة.
وعليه فإن النظر للقضايا من منظور وطني خالص أولى من الاستغراق في تفاصيل يومية.
لقد انفرد الفريق أول عبدالفتاح البرهان بقرار لقاء نتنياهو التماسا لمصلحة وطنية وفق تفسيره، وانفرد د. حمدوك بطلب البعثة وبالتأكيد إن كل واحد منهما حصل على استشارة ما، دون أن يدار نقاش وطني، وهذا أمر معيب، خاصة إذا كان يستهدف الوطن كله، لأن البعثة الأممية ذات تفويض واسع، وسيعاد ترتيب المشهد السياسي والاقتصادي وشكل الحكم ومستوياته وفق منظور القادمين الجدد، فهذه قضية محورية.
لقد شهد السودان محطات تاريخية مفصلية تجاوزت فيه قواه السياسية والاجتماعية الاحن والغبن، وهو أمر مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى.
إن الضجيج الراهن من قرارات إعفاء أو تكليف أو محاكمة أو انتزاع ممتلكات مجرد آلية لإثارة الغبار وتغبيش الوعي مما يجري فعليا، فهذه القرارات يمكن أن تلغى بجرة قلم، أو وفق قرارات قضائية أو مؤسسات تشريعية، إن ثمة قلوبا كظيظة بالغل والحقد تقود البلاد إلى مصير مجهول وينبغي أن نتوحد لتجنيب وطننا ذلك.
إن إحداث أي تحول في البناء الدستوري أو تفتيت المؤسسات الأمنية وتمييع القيم الثقافية أو إحداث شرخ في البناء الاجتماعي والتماسك الوطني، أو التفريط في ثروات البلاد فإن هذا (فتق يستعصي رتقه).
إن المطلوب الآن هبة وطنية شاملة، من قطاعات مجتمعية، وأساتذة جامعات وخبراء واستنفار لأصدقاء السودان كوطن بعيدا عن المواقف السياسية، لأن هذه (الطامة) ستؤدي بالسودان للتشظي والتآكل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3516
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1323
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1110
| 06 أكتوبر 2026