رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق بقطر وتحفظ التراث وتنفتح على المعرفة المعاصرة
- الشيخة موزا تقوم بدور كبير في متابعة نشاط المكتبة لتنهض بدورها الكبير في خدمة المعرفة وصون التراث وتنمية المجتمع
- ازدهرت الحضارة العربية من خلال دوائر متعددة من الرعاية والترجمة والتأليف والوراقة والمجالس العلمية
- المكتبة تتيح المواد الرقمية والمخطوطات العلمية العربية مع شروح باللغتين العربية والإنجليزية مجاناً للباحثين
- مجالسنا تتلاقى فيها الأجيال وتُروى التجارب وتُناقش شؤون الحياة وتمثل التصور الوجداني لدور المكتبة
- الإتاحة الرقمية توسع رسالة المكتبة وتستدعي العمل على سد الفجوة بين من يملك الوسيلة والمهارة ومن يفتقر إليهما
- من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية تمتد رحلة العناية بذاكرة الإنسان وتتسع هذه العناية لتشمل صلته بغيره وشعوره بالانتماء
- ستظل للمكتبة مكانتها ما دام الإنسان يحتاج إلى المعرفة وإلى مكان يلتقي فيه بالإنسان
لم يكن في ذهني أن أكتب عن المكتبات حين جلست صباحًا لإعداد كلمة افتتاحية للنسخة الخامسة من منتدى «المكتبات في الصدارة»، المقرر انعقاده في مكتبة قطر الوطنية يومَي 14 و15 أكتوبر 2026، حول «المكتبات كمؤسسات للتنمية المجتمعية». لكن الموضوع فتح أمامي باب التأمل في تاريخ المكتبات وتجدد رسالتها، وما يدعو الناس إليها في زمن يحملون فيه آلاف الكتب في جهاز صغير.
حين نستحضر مكتبة الإسكندرية القديمة، نستحضر طموحًا إنسانيًا إلى جمع المعرفة ودراستها، وحياةً علمية ارتبطت بالبحث والتعلم. وقبلها كانت مكتبة آشور بانيبال في نينوى، في القرن السابع قبل الميلاد، قد حفظت في ألواحها الطينية نصوصًا مسمارية تشهد على معرفة أهل ذلك العصر واهتماماتهم. تغيرت أوعية الكتابة، وبقيت الحاجة إلى حفظ الذاكرة ونقلها إلى الأجيال.
وفي الحضارة العربية والإسلامية، احتلت الكتب وخزائنها مكانة بارزة. نستحضر بيت الحكمة في بغداد، ومكتبات قرطبة والقاهرة، وخزائن الكتب في المدارس والمساجد وبيوت العلماء. وقد ازدهرت المعرفة من خلال دوائر متعددة من الرعاية والترجمة والتأليف والوراقة والمجالس العلمية؛ وكانت المكتبات جزءًا من هذه الحياة التي جعلت الكتاب موضع عناية، وطلب العلم سبيلًا إلى الارتقاء.
ولعل المتنبي عبَّر عن منزلة الكتاب في وجداننا بقوله:
> أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ
> وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ
وهذا البيت ثابت النسبة إلى المتنبي، ويرد في ديوانه بهذه الصيغة الشائعة. إنها صحبة تتجاوز المسافة والعمر؛ تجلس إلى كتاب، فتسمع صوت إنسان عاش قبلك بقرون، وتدخل معه في حوار قد يغير فهمك لنفسك وللعالم.
ومع انتشار الطباعة وتوسع التعليم، اتسعت إمكانات إتاحة الكتب، وترسخت رسالة المكتبات العامة في خدمة المجتمع. وكلما اتسعت دائرة المستفيدين من المعرفة، اتسعت قدرتهم على التعلم والاختيار والمشاركة.
وفي ثقافتنا التي بدأ كتابها الكريم بأمر القراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، تظل المعرفة أمانةً تتصل بكرامة الإنسان وقدرته على إعمار حياته. وحين نبني طريقًا نصل مكانًا بمكان؛ وحين نبني مكتبة نصل إنسانًا بإنسان، وجيلًا بجيل، وسؤالًا بما يفتح له سبيلًا.
مكتبة قطر الوطنية: ذاكرةٌ ولدت كبيرة
كانت أمامي، في الحاضر، صورة أعرفها وأعيشها: مكتبة قطر الوطنية، بما تشهده من إقبال، وما يجتمع فيها من أعمار واهتمامات ولغات. ووفقًا للمعلومات المنشورة على موقعها، افتتح مبنى المكتبة أبوابه للجمهور عام 2017، ثم دُشّنت المكتبة رسميًا في 16 أبريل 2018 بحضور صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر. وتحظى المكتبة بدعمه ورعايته الكريمة، بما يعزز مكانتها ويعينها على أداء رسالتها الوطنية والثقافية، ويجسّد إيمان القيادة بدور المعرفة في بناء الإنسان وصناعة مستقبل الوطن.
وقد سبقت افتتاح هذا الصرح رؤيةٌ وإعدادٌ وجهودٌ امتدت سنوات طويلة. وبحسب شهادتي الشخصية، حين توليت وزارة الإعلام والثقافة عام 1992، كان مستقبل المكتبة الوطنية من الموضوعات التي شغلتني مبكرًا. وفي لقاءاتي الأولى مع سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير الوالد، كان يحدثني عن التطلع إلى مكتبة وطنية حديثة تليق بقطر، تجمع حفظ التراث بالانفتاح على المعرفة المعاصرة. وهذه التفاصيل، بما فيها السنة والحوارات المشار إليها، ترد هنا بوصفها شهادة الكاتب الشخصية.
وكان يرى أن المكتبة التراثية ينبغي أن تكون في صلب المشروع، ولذلك وجّهني إلى شراء مكتبة الشيخ حسن بن محمد آل ثاني، التي أصبحت ركنًا أساسيًا من أركان المجموعة التراثية، ودرةً من درر مكتبة قطر الوطنية. وهذه الرواية، بما تتضمنه من دور شخصي في عملية الاقتناء، منقولة عن شهادة الكاتب.
وامتدت الرؤية إلى إتاحة مصادر تاريخنا المحفوظة خارج البلاد. ووفقًا للمعلومات المنشورة عن الشراكة بين مؤسسة قطر ومكتبة قطر الوطنية والمكتبة البريطانية، أُطلقت مكتبة قطر الرقمية في أكتوبر 2014، بعد بدء الشراكة عام 2012. وأتاحت المنصة وثائق وسجلات وخرائط تتصل بتاريخ قطر والخليج، وفي مقدمتها مواد من سجلات مكتب الهند، إلى جانب مختارات من المخطوطات العلمية العربية، مع شروح باللغتين العربية والإنجليزية.
وأستحضر في هذا السياق، بوصفه جزءًا من شهادتي الشخصية، مرافقتي لصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر في زيارة إلى المكتبة البريطانية في لندن، وما حملته تلك التجربة من اهتمام بمصادر تاريخ المنطقة وإتاحتها. أما إتاحة المواد الرقمية للباحثين مجانًا، فهي من خصائص مكتبة قطر الرقمية كما تبيّنها المعلومات المنشورة عنها.
وقد تشرفت بعضوية مجلس إدارة مكتبة قطر الوطنية، وبرئاسة اللجنة التنفيذية منذ عام 2014، وفقًا لشهادتي الشخصية. ومن خلال هذه العضوية، عرفت عن قرب حجم الجهود التي بذلتها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر لبناء هذا الصرح، وما أولته من وقت وعناية ومتابعة ليبلغ هذه المكانة. ولا تزال سموها تتابع نشاط المكتبة، وتحرص على أن تنهض بدورها الكبير في خدمة المعرفة وصون التراث وتنمية المجتمع.
ولا تكتمل الصورة دون الإشادة بدور سعادة الشيخة هند بنت حمد آل ثاني، رئيسة مجلس أمناء مكتبة قطر الوطنية، التي تواصل بحيويتها وتقديرها العميق لرسالة المكتبة بذل أقصى الجهد لتعزيز دورها وترسيخ مكانتها. وفي عنايتها بهذا الصرح امتدادٌ لدور والدتها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، أطال الله عمرها، وتجديدٌ للرؤية التي قامت عليها المكتبة، لتظل مواكبةً لعصرها، مستجيبةً لحاجات مجتمعها.
وتتعزز العناية بالذاكرة الوطنية بدار الوثائق القطرية، التي تضطلع بدورها في جمع الوثائق والمحفوظات وتنظيمها وصونها وإتاحتها، جنبًا إلى جنب مع مكتبة قطر الوطنية، في تكامل يخدم تاريخ البلاد وثقافتها. وتؤكد المعلومات الرسمية المنشورة أن دار الوثائق القطرية أُنشئت لتتولى حفظ الوثائق الوطنية وإدارتها. فبهذه المؤسسات تتضافر جهود حفظ الذاكرة، وتيسير المعرفة، ونقل الأمانة إلى الأجيال.
المكتبة بوصفها مجلسًا اجتماعيًّا
أقرب صورة إلى وجداننا العربي لفهم الدور الاجتماعي للمكتبة هي صورة المجلس. ففي مجالسنا تتلاقى الأجيال، وتُروى التجارب، وتُناقش شؤون الحياة، وتنشأ أواصر الثقة والمودة. وقد عرفنا مجالس كانت مدارس للحياة، نتعلم فيها من خبرة الكبار، ومن أدب الحديث والإصغاء إلى اختلاف الآراء. وهذا الدور في نقل المعرفة بين الأجيال حاضر أيضًا في وصف اليونسكو للمجلس بوصفه فضاءً ثقافيًا واجتماعيًّا.
وفي المكتبة المعاصرة تتسع هذه الروح؛ تجتمع الخبرة الحاضرة بخبرات حفظتها الكتب، وينفتح الحديث على البحث، ويجد السؤال مصادر تعينه على الجواب. ويلتقي فيها أشخاص لم تجمعهم معرفة سابقة، فتجمعهم اهتمامات مشتركة، وتنشأ بينهم صلات تبدأ بكتاب أو فكرة أو نشاط.
ومن هنا أفهم «رأس المال الاجتماعي» الذي يتناوله المنتدى: ما يتكون بين الناس من ثقة وروابط واستعداد للتعاون. وهذه ثروة تنمو حين تتوافر أماكن يشعر فيها الإنسان بالترحيب، ويجد فيها مجالًا للمشاركة والانتماء.
وفي مكتبة قطر الوطنية أرى هذا المعنى حاضرًا. وتؤكد المعلومات المنشورة عن مبنى المكتبة أن تصميمه وضعه المعماري ريم كولهاس ومكتب «أو إم إيه». أما وصف الإقبال وتنوع رواد المكتبة، فهو قائم على مشاهداتي الشخصية وتجربتي المباشرة. وقد أصبحت المكتبة، بتصميمها الفريد وحداثة تجهيزاتها وخدماتها التي قلّ أن تجتمع في مكان واحد، وجهةً للمثقفين والعائلات واليافعين والأطفال. ويتيح تصميمها المفتوح فضاءً للتعلم وتبادل الأفكار، تجتمع فيه العناية بالتراث مع مساحات الدراسة ومحطات الإبداع.
ويكفي أن يتأمل المرء بهو المكتبة الجميل ليرى هذه الحيوية؛ عائلات جاءت لتقضي وقتًا يجمع المتعة بالفائدة، وأفواج من طلبة المدارس وزوار المؤسسات، وأطفال ويافعون تستوقفهم مساحات الاكتشاف والتعلم. وفي حركة القادمين وتنوع اهتماماتهم تبدو المكتبة ملتقى تنبض فيه الحياة؛ يقصدها الأصدقاء للقاء، ويجد فيها كل جيل ما يدعوه إلى العودة. وفي وجوه الضيوف أرى البهجة والسرور، وألمس ما يتركه المكان في نفوسهم من انطباع طيب؛ وأرى ذلك أيضًا لدى الزوار الدائمين، كأن الألفة تزيد المكان جاذبيةً، وتمنح كل زيارة متعتها. فالوجود في المكتبة يبعث في النفس شعورًا بالراحة والانتماء، يتجدد كلما عاد المرء إليها. وهذه أوصاف انطباعية وشهادة مشاهدة، لا إحصاءات رسمية عن أعداد الزوار أو أنماط الاستخدام.
وقد غدت كذلك محطة بارزة في زيارات رؤساء الدول وكبار الشخصيات إلى قطر؛ يتعرفون فيها إلى وجه من وجوه البلاد، حيث تتجاور عراقة التراث وحداثة المعرفة، وتمنحهم زيارتها صورة أعمق عن وطن جعل الثقافة والمعرفة جزءًا من رؤيته للمستقبل. وتؤيد ذلك أخبار الزيارات الرسمية المنشورة، ومنها زيارة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني.
وأصبحت هذه الحياة جزءًا من يومي؛ فكثيرًا ما أجلس، قبل التوجه إلى مكتبي وبدء العمل، في مقهى «صفحات» بين رواد المكتبة. أحيي هذا، وأتبادل الرأي مع ذاك، وأستمع إلى سؤال أو ملاحظة. بل إن بعض لقاءاتي الرسمية تجري بين الناس، في فضاء يمنح الحديث ألفة وعفوية. وحين أذهب إلى المكتبة، يغلب عليَّ شعور الاستمتاع بما فيها من معرفة ولقاءات، حتى لا أشعر أنني ذاهب لأداء عمل. أجد نفسي بين الناس والأفكار في ألفةٍ يمضي معها الوقت دون أن أشعر به. وألمس هذه السعادة أيضًا لدى موظفي المكتبة الرائعين، على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم؛ أراها في وجوههم، وفي حفاوة استقبالهم، وفي ما يبذلونه من عناية بخدمة روادها. فكأن بهجة المكان تجمع من يقصده ومن يعمل فيه.. وهذه الفقرة شهادة شخصية.
وكثيرًا ما أفاجأ في الردهة بضيوف من شتى أصقاع الأرض، فأقف معهم وأتبادل الحديث. وفي هذه اللقاءات أرى مكتبة تجمع مختلفي اللغات والتجارب، وتفتح المعرفة بينهم باب التعارف. ومنها يستمد حديثي عن دورها الاجتماعي معناه؛ أراه في وجوه الناس، وأسمعه في أحاديثهم، وأشاركهم شيئًا منه. وهذا أيضًا وصف لتجربة الكاتب وملاحظاته الشخصية.
الدور الرقمي وحياةٌ تتجاوز الشاشة
ما الذي يدعو الإنسان إلى زيارة المكتبة حين تتوافر المعلومات على الشاشة؟ أجد الجواب فيما أشهده فيها من حياة، وفيما تمنحه من عون على البحث، وفرصة لاكتساب مهارة، ولقاء بمن يشارك الإنسان اهتمامه. وهذا استنتاج تأملي مستند إلى التجربة.
وقد جال بخاطري ما قد يتعرض له الكتاب الورقي مع سهولة الحصول على الكتب الرقمية، والاستماع إلى الكتب الصوتية في كل مكان وزمان. غير أن تجربتنا في مكتبة قطر الوطنية، وما أشهده من إقبال على قراءة الكتب الورقية واستعارتها من الباحثين والدارسين وعموم القراء، يمنحني ثقةً في بقاء مكانته. ولا أقدّم هنا أرقامًا أو نتيجة إحصائية؛ بل أصف انطباعًا مستندًا إلى المشاهدة الشخصية. فللكتاب الورقي مذاقه الخاص، ولتقليب صفحاته وصحبته متعة يحتفظ بها محبوه؛ وأرى أن الرقمي، مهما اتسعت مزاياه، سيظل يجاوره دون أن يمحو هذه الصلة الحميمة.
فالإتاحة الرقمية توسع رسالة المكتبة، وتستدعي العمل على سد الفجوة بين من يملك الوسيلة والمهارة ومن يفتقر إليهما. قد يجد شاب من يعينه على إعداد طلب للعمل، وأم من يرشدها إلى موارد تعليمية لأبنائها، وكبير السن من يساعده على استخدام خدمة رقمية بثقة. وتتصل بذلك حماية الخصوصية والتحقق من المعلومات، ومع حضور الذكاء الاصطناعي تزداد أهمية السؤال والمراجعة وحسن التقدير. وهذه أمثلة تحليلية وتوصيات عامة.
ويصف بيان الإفلا واليونسكو للمكتبة العامة، في صيغته الإنجليزية، بأنها «قوة حية للتعليم والثقافة والمعلومات». والعبارة الواردة هنا ترجمة عربية مختصرة للمعنى، وليست نقلًا حرفيًا موثقًا لنسخة عربية رسمية. وتظهر هذه القوة في خبرة العاملين وحسن استقبالهم، وفي خدمات تعزز ثقة الإنسان بنفسه، وتعينه على التعلم مدى الحياة، وتطوير عمله، وتحقيق تطلعاته التعليمية والمهنية، والمشاركة الواعية في مجتمعه.
وللغتنا العربية مكانتها في هذه المسؤولية؛ بخدمة مواردها، وتيسير استخدامها، وتعزيز حضورها الرقمي. وتكتمل الرسالة بخدمات تراعي الأشخاص ذوي الإعاقة، وبرامج تصل إلى من تفتقر مجتمعاتهم إلى الموارد، وشراكات مع المدارس والجامعات والمؤسسات المجتمعية توسع دائرة الانتفاع. وهذه مبادئ وتطلعات عامة.
ويظل للقارئ والباحث حقهما في الهدوء والتركيز؛ فالمكتبة الناجحة تحتضن احتياجات متنوعة، وتوفر لكل نشاط مجاله. ويعينها على ذلك الإصغاء إلى الناس، وسؤال نفسها: من يستفيد من خدماتنا؟ ومن لم نصل إليه بعد؟ وأي أثر نتركه في حياتهم؟
وأرجو أن يثمر المنتدى أفكارًا قابلة للعمل وشراكات ممتدة الأثر، تنقل هذه الرسالة إلى خطوات يلمس الناس فائدتها. وينعقد المنتدى في 14 و15 أكتوبر 2026، ويتناول موضوع «المكتبات كمؤسسات للتنمية المجتمعية».
من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية، تمتد رحلة العناية بذاكرة الإنسان ومعرفته. واليوم تتسع هذه العناية لتشمل صلته بغيره وشعوره بالانتماء. وقد أوحى إليَّ المنتدى بهذا التأمل، لكن ما أعيشه بين رواد المكتبة يمنحه معناه الأعمق: ستظل للمكتبة مكانتها ما دام الإنسان يحتاج إلى المعرفة، وإلى مكان يلتقي فيه بالإنسان.
أن تكون ابن عصرك.. تجربتي مع العالم الرقمي بين المعرفة والإنسان
-لا تستطيع وسيلة حديثة أن تلغي العلاقة الحميمة بين القارئ والكتاب -التقنية لم تأخذني من الكتاب بل وسّعت... اقرأ المزيد
555
| 13 سبتمبر 2026
التقاعد.. حين يصبح الوقت لك
- العمل بمعناه الإنساني أوسع كثيراً من الوظيفة التي تنتهي بقرار - أول ما يستحقه الإنسان بعد ترك... اقرأ المزيد
1053
| 07 سبتمبر 2026
السودان متى يستعيد عافيته؟
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل جيشين -كانت بيني وبين البشير مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً... اقرأ المزيد
5121
| 30 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وزير الدولة - رئيس مكتبة قطر الوطنية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2241
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1485
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1137
| 11 أكتوبر 2026