رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سعد الحلبوسي

مساحة إعلانية

مقالات

342

د. سعد الحلبوسي

زيارة نتنياهو وتسويق الخطر

06 يناير 2026 , 12:46ص

في السياسة ليست كثرة اللقاءات دليلاً على الانسجام، بل أحياناً تكون باعثاً على القلق، وفي السياسة الدولية، لا تُقاس اللقاءات بعددها بل بسياقها، ولا تُقرأ التصريحات بسطحها بل بما تخفيه من مآلات، وفي هذا العام يعد هذا اللقاء الخامس بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وهذا لا يعكس متانة العلاقة بقدر ما يكشف عن محاولة متكررة لإعادة ضبط بوصلة الخطر في العقل الأمريكي، فنحن أمام حليفين، لكن بأولويات مختلفة، وبذاكرة سياسية غير متطابقة.

دخل نتنياهو اللقاء وهو يعلم أن ملف البرنامج النووي الإيراني، الذي شكّل لسنوات حجر الزاوية في خطابه السياسي والأمني، لم يعد ورقة رابحة في واشنطن، لأن ترامب مقتنع – أو يريد أن يكون مقتنعاً – بأن الضربة الأمريكية السابقة عطّلت المشروع النووي الإيراني فعلياً، وهذه القناعة ليست تقنية بقدر ما هي سياسية، تخدم صورة الرئيس الذي «حسم الملف» ولا يريد أن يعود إلى نقطة الصفر.

من هنا، يدرك نتنياهو أن محاولة إقناع ترامب بأن إيران أعادت بناء برنامجها النووي خلال أسابيع أو أشهر ستبدو في أحسن الأحوال مبالغة استخبارية، وفي أسوأها محاولة جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة لا ترغب بها، لذلك كان لا بد من تغيير زاوية الهجوم، لا لأن الخطر النووي انتهى، بل لأن تسويقه لم يعد ممكناً في هذه المرحلة.

البديل هو المنظومة الصاروخية البالستية الإيرانية، وهنا تظهر براعة نتنياهو التكتيكية، فبدل الإصرار على ملف خاسر، انتقل إلى مساحة رمادية «المنظومة الصاروخية البالستية الإيرانية» وهذا الملف أقل حساسية سياسياً، وأكثر قابلية للتضخيم أمنياً، لأنّ الصاروخ لا يحتاج إلى تخصيب ولا إلى مفاعلات، ولا يخضع لاتفاقيات دولية صارمة، فهو خطر متحرك، عابر للحدود، ويمكن تصويره كتهديد مباشر لحلفاء واشنطن في المنطقة، وليس للكيان الصهيوني وحده.

بهذا المعنى لا يتخلى نتنياهو عن النووي بل يؤجله، ويضعه في الخلفية كـ «تهديد كامن»، بينما يقدّم الصاروخ بوصفه الخطر العاجل، وهذه ليست مناورة تقنية، بل إعادة تعريف للخطر بما يتلاءم مع المزاج الأمريكي الحالي.

لكن الهدف الحقيقي لنتنياهو لا يتوقف عند إقناع ترامب بوجود خطر صاروخي، ذلك أن الحقيقة ما يسعى إليه هو ما يمكن تسميته «الضمانة المسبقة»، فهو لا يطلب قرار حرب الآن، لان الكيان القلق من التحولات الإقليمية، يريد ضمان أن تبقى اليد الأمريكية على الزناد، بل يريد التزاماً سياسياً غير مكتوب: إذا قرر الكيان الصهيوني في المستقبل توجيه ضربة لإيران، فإن الولايات المتحدة لن تعارض، بل يجب أن تساند.

هذا الطلب يضع ترامب أمام معادلة معقدة، فمن جهة، هو رئيس لا يريد حرباً جديدة في الشرق الأوسط، ولا يريد أن يُتّهم بإعادة إنتاج سياسات التدخل المكلفة، ومن جهة أخرى، لا يستطيع أن يخذل الكيان الصهيوني علناً، ولا أن يبعث برسالة ضعف لحلفائه أو خصومه، ومن هنا كان الحل كما جرت العادة في السياسة الأمريكية، هو الغموض البنّاء: لا التزام واضح، ولا رفض قاطع.

في الزيارة ذاتها، يأتي ملف حزب الله، الذي لا يطرحه نتنياهو كقضية منفصلة، بل كجزء من المنظومة الإيرانية، لتكون الرسالة واضحة: إذا كانت إيران خطراً بالصواريخ، فإن حزب الله هو الترجمة الميدانية لهذا الخطر، لذلك، يسعى نتنياهو إلى توسيع هامش الحركة العسكرية ضد الحزب، أو على الأقل إلى إزالة القيود الأمريكية الصارمة التي فُرضت في مراحل سابقة.

أما ملفات غزة، والمرحلة الثانية من العمليات فيها، والاتفاق الأمني الصهيوني - السوري، فهي حاضرة على جدول الأعمال، لكنها ليست في مركز القرار، ولذا تُناقش بوصفها ملفات إدارة، لا ملفات حسم، بينما إيران – بنسختها الجديدة – هي ملف إعادة رسم قواعد الاشتباك في الإقليم.

وإذا وسّعنا زاوية النظر، سنجد أن هذا اللقاء يعكس تحوّلاً أعمق في الاستراتيجية الأمريكية، لأن واشنطن لم تعد تريد أن تكون اللاعب المباشر في كل صراع، بل المدير من الخلف، وتريد حلفاء أقوياء يتحملون العبء ويتحركون ضمن سقف مرسوم، دون أن يجرّوا واشنطن إلى مواجهة مفتوحة.

الكيان الصهيوني من جهته، يخشى هذا التحول فهم كيان قام تاريخياً على فكرة الدعم الأمريكي غير المشروط، ويدركون أن أي تراجع في هذا الدعم – ولو كان شكلياً – يفتح باب الأسئلة الوجودية، لذلك، يحاول نتنياهو أن يثبّت هذا الدعم عبر ربط أمن الكيان مباشرة بمفهوم «الاستقرار الإقليمي» في العقل الأمريكي.

الخلاصة أن هذا اللقاء ليس فقط عن أدلة صاروخية، ولا عن تقارير استخبارية، بل عن إعادة تموضع الكيان، ولذا نتنياهو يحاول أن يقول: الخطر لم ينتهِ، بل غيّر شكله، وترامب يحاول أن يقول: أسمعك، لكنني لن أدفع الثمن وحدي.

وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة المقبلة: حين تتغيّر أشكال الخطر، بينما تبقى أدوات التعامل معه أسيرة الحسابات القديمة.

اقرأ المزيد

alsharq خطف رئيس فنزويلا بين السينما والسياسة

ليس لدي ما أقوله عن خطف نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا وزوجته من قِبل الجيش الأمريكي. فقط جاء في... اقرأ المزيد

225

| 08 يناير 2026

alsharq دهاء يرهق العدالة: عمر ونموذج الحوكمة العادلة

في سجلّ الخلافة الراشدة، تبرز شخصيةُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كأيقونةٍ للقيادة التي جمعت بين الحزم... اقرأ المزيد

138

| 08 يناير 2026

alsharq تقسيم المنطقة مشروع غربي صهيوني

لم تعد مسألة تقسيم المنطقة مجرد سردية عاطفية أو خطاب تعبوي، بل أصبحت حقيقة يمكن تتبعها بوضوح في... اقرأ المزيد

195

| 08 يناير 2026

مساحة إعلانية