رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في السياسة ليست كثرة اللقاءات دليلاً على الانسجام، بل أحياناً تكون باعثاً على القلق، وفي السياسة الدولية، لا تُقاس اللقاءات بعددها بل بسياقها، ولا تُقرأ التصريحات بسطحها بل بما تخفيه من مآلات، وفي هذا العام يعد هذا اللقاء الخامس بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وهذا لا يعكس متانة العلاقة بقدر ما يكشف عن محاولة متكررة لإعادة ضبط بوصلة الخطر في العقل الأمريكي، فنحن أمام حليفين، لكن بأولويات مختلفة، وبذاكرة سياسية غير متطابقة.
دخل نتنياهو اللقاء وهو يعلم أن ملف البرنامج النووي الإيراني، الذي شكّل لسنوات حجر الزاوية في خطابه السياسي والأمني، لم يعد ورقة رابحة في واشنطن، لأن ترامب مقتنع – أو يريد أن يكون مقتنعاً – بأن الضربة الأمريكية السابقة عطّلت المشروع النووي الإيراني فعلياً، وهذه القناعة ليست تقنية بقدر ما هي سياسية، تخدم صورة الرئيس الذي «حسم الملف» ولا يريد أن يعود إلى نقطة الصفر.
من هنا، يدرك نتنياهو أن محاولة إقناع ترامب بأن إيران أعادت بناء برنامجها النووي خلال أسابيع أو أشهر ستبدو في أحسن الأحوال مبالغة استخبارية، وفي أسوأها محاولة جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة لا ترغب بها، لذلك كان لا بد من تغيير زاوية الهجوم، لا لأن الخطر النووي انتهى، بل لأن تسويقه لم يعد ممكناً في هذه المرحلة.
البديل هو المنظومة الصاروخية البالستية الإيرانية، وهنا تظهر براعة نتنياهو التكتيكية، فبدل الإصرار على ملف خاسر، انتقل إلى مساحة رمادية «المنظومة الصاروخية البالستية الإيرانية» وهذا الملف أقل حساسية سياسياً، وأكثر قابلية للتضخيم أمنياً، لأنّ الصاروخ لا يحتاج إلى تخصيب ولا إلى مفاعلات، ولا يخضع لاتفاقيات دولية صارمة، فهو خطر متحرك، عابر للحدود، ويمكن تصويره كتهديد مباشر لحلفاء واشنطن في المنطقة، وليس للكيان الصهيوني وحده.
بهذا المعنى لا يتخلى نتنياهو عن النووي بل يؤجله، ويضعه في الخلفية كـ «تهديد كامن»، بينما يقدّم الصاروخ بوصفه الخطر العاجل، وهذه ليست مناورة تقنية، بل إعادة تعريف للخطر بما يتلاءم مع المزاج الأمريكي الحالي.
لكن الهدف الحقيقي لنتنياهو لا يتوقف عند إقناع ترامب بوجود خطر صاروخي، ذلك أن الحقيقة ما يسعى إليه هو ما يمكن تسميته «الضمانة المسبقة»، فهو لا يطلب قرار حرب الآن، لان الكيان القلق من التحولات الإقليمية، يريد ضمان أن تبقى اليد الأمريكية على الزناد، بل يريد التزاماً سياسياً غير مكتوب: إذا قرر الكيان الصهيوني في المستقبل توجيه ضربة لإيران، فإن الولايات المتحدة لن تعارض، بل يجب أن تساند.
هذا الطلب يضع ترامب أمام معادلة معقدة، فمن جهة، هو رئيس لا يريد حرباً جديدة في الشرق الأوسط، ولا يريد أن يُتّهم بإعادة إنتاج سياسات التدخل المكلفة، ومن جهة أخرى، لا يستطيع أن يخذل الكيان الصهيوني علناً، ولا أن يبعث برسالة ضعف لحلفائه أو خصومه، ومن هنا كان الحل كما جرت العادة في السياسة الأمريكية، هو الغموض البنّاء: لا التزام واضح، ولا رفض قاطع.
في الزيارة ذاتها، يأتي ملف حزب الله، الذي لا يطرحه نتنياهو كقضية منفصلة، بل كجزء من المنظومة الإيرانية، لتكون الرسالة واضحة: إذا كانت إيران خطراً بالصواريخ، فإن حزب الله هو الترجمة الميدانية لهذا الخطر، لذلك، يسعى نتنياهو إلى توسيع هامش الحركة العسكرية ضد الحزب، أو على الأقل إلى إزالة القيود الأمريكية الصارمة التي فُرضت في مراحل سابقة.
أما ملفات غزة، والمرحلة الثانية من العمليات فيها، والاتفاق الأمني الصهيوني - السوري، فهي حاضرة على جدول الأعمال، لكنها ليست في مركز القرار، ولذا تُناقش بوصفها ملفات إدارة، لا ملفات حسم، بينما إيران – بنسختها الجديدة – هي ملف إعادة رسم قواعد الاشتباك في الإقليم.
وإذا وسّعنا زاوية النظر، سنجد أن هذا اللقاء يعكس تحوّلاً أعمق في الاستراتيجية الأمريكية، لأن واشنطن لم تعد تريد أن تكون اللاعب المباشر في كل صراع، بل المدير من الخلف، وتريد حلفاء أقوياء يتحملون العبء ويتحركون ضمن سقف مرسوم، دون أن يجرّوا واشنطن إلى مواجهة مفتوحة.
الكيان الصهيوني من جهته، يخشى هذا التحول فهم كيان قام تاريخياً على فكرة الدعم الأمريكي غير المشروط، ويدركون أن أي تراجع في هذا الدعم – ولو كان شكلياً – يفتح باب الأسئلة الوجودية، لذلك، يحاول نتنياهو أن يثبّت هذا الدعم عبر ربط أمن الكيان مباشرة بمفهوم «الاستقرار الإقليمي» في العقل الأمريكي.
الخلاصة أن هذا اللقاء ليس فقط عن أدلة صاروخية، ولا عن تقارير استخبارية، بل عن إعادة تموضع الكيان، ولذا نتنياهو يحاول أن يقول: الخطر لم ينتهِ، بل غيّر شكله، وترامب يحاول أن يقول: أسمعك، لكنني لن أدفع الثمن وحدي.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة المقبلة: حين تتغيّر أشكال الخطر، بينما تبقى أدوات التعامل معه أسيرة الحسابات القديمة.
خطف رئيس فنزويلا بين السينما والسياسة
ليس لدي ما أقوله عن خطف نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا وزوجته من قِبل الجيش الأمريكي. فقط جاء في... اقرأ المزيد
225
| 08 يناير 2026
دهاء يرهق العدالة: عمر ونموذج الحوكمة العادلة
في سجلّ الخلافة الراشدة، تبرز شخصيةُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كأيقونةٍ للقيادة التي جمعت بين الحزم... اقرأ المزيد
138
| 08 يناير 2026
تقسيم المنطقة مشروع غربي صهيوني
لم تعد مسألة تقسيم المنطقة مجرد سردية عاطفية أو خطاب تعبوي، بل أصبحت حقيقة يمكن تتبعها بوضوح في... اقرأ المزيد
195
| 08 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1671
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1191
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
960
| 07 يناير 2026