رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تطور وقائع يوم 25 يناير 2011 إلى ثورة شعبية كان يحمل علامة أساسية، أن الشعب الذي خرج منه عشرون مليون مواطن إلى شوارع مصر، يرفض نظام الحكم واستبداده وفساده ويرفض غيابه عن معادلة الحكم وغاياتها.
والنظام بالقطع ليس مجرد رئيس وحزب حاكم، ولكنه يشمل مجموع مكونات النظام السياسي في الحكم أو المعارضة، خاصة وأن أحزاب المعارضة لم تكن تعبر عن القوى الاجتماعية فانفصلت عن الشعب وتفرغت لصراعاتها الداخلية، ومحاولات نيل حصة أيا كانت ضآلة حجمها من مجالس نيابية زائفة، أو وظائف وخدمات. كانت المعارضة شريكا فيما يسمح به النظام، وكانت تلعب وفق قواعده هو وليس خارجها، بل إن بعض التنظيمات التي ظهرت بعد الثورة كانت بالأساس تدار بواسطة جهاز أمن الدولة قبل أن تصبح أحزابا.
رفض الشعب النظام بكافة مكوناته وتجاوز كل الأحزاب والتيارات، وتجاوز النخبة، ولم تكن هناك لدي هؤلاء رؤية تتوافق والاحتياج الشعبي، وغاب الوزن الجماهيري لهذه الكيانات والأفراد وغابت المصداقية.
لم يخرج الشعب المصري ليزيح الاستبداد ويستبدله بمستبد آخر من جماعة الإخوان أو التيارات السلفية.
لم تكن قضية الشعب المصري تحديد الهوية الوطنية، أو موقفه من الدين، فالشعب المصري يملك هوية صاغتها حضارته وصاغ بها الحضارة، وأدرك معنى الوطن وتجاوز القبيلة والعشيرة ووحد شمال مصر وجنوبها منذ آلاف السنين ليقيم الدولة. وعرف معنى الخالق الإله، وعرف عقيدة التوحيد قبل شعوب الأرض والجماعات الدينية المستحدثة. وحدد معنى الأمن ونطاقه، ووصل إلى إدراك أن بوابات الأمن هناك في شمال الشام وشرقا في بلاد فارس. وعرف العلوم والفلك والفنون، واستقر مجتمعة في الوادي وعرف الزراعة.
ولد نبي الله موسى وتربى فوق أرض مصر، وجاءها يوسف النبي وحكمها واتخذ من أرض الفيوم مخزنا لغلال سبعة أعوام، وعرفت مصر التخطيط بين زمن الرخاء وزمن القحط، ومشيت مريم العذراء حتى أسيوط حاملة المسيح عيسي بن مريم، وتعلم أبو الأنبياء إبراهيم أولى خطوات المعرفة في معابدها، وتزوج هاجر المصرية أم النبي إسماعيل أبو العرب، وتزوج محمد خاتم الأنبياء من ماريا القبطية المصرية وأوصى خيرا بأقباط مصر.
لم تكن مصر دولة كفر بالله يوماً، لتحتاج من يأتي إليها مدعيا أنه يعيدها إلى الدين، بل كانت مصر الدولة تستطيع أن تحكم مياه الري وتنظمها عبر آلاف السنين، وكانت الدولة القوية قادرة أن تكون بيئة متسامحة مع كل الأديان فوق أرضها، وعندما يأتي عارض يضعف الدولة، تطل الفتن برؤوسها وتسعي إلى اقتناص الدولة وليس إحياء الدين.
كانت ثورة يناير الشعبية ضد نظام الحكم ولم تكن الثورة ضد الدولة. فالمصريون يدركون معنى الدولة، ويدركون أعمدتها الأساسية، وهي فدس الأقداس لديهم.
يعلم المصريون قيمة الأزهر، ويدركون أن رجاله ليسوا كهنة المعبد، وعندما يقف إماما ليوم جمعة فوق منبر الأزهر مدافعا عن الأزهر والإسلام في مواجهة محاولات "أخونة" الأزهر ويصل به الأمر حد البكاء فوق المنبر، يدرك من يملك بصرا وبصيرة أن الخطر يحاول أن يحيق بهذا الجامع الجامعة. ويدرك المصريون قيمة القضاء، وله عندهم جلاله ووقاره، نعم لديهم ملاحظات، ولكن موقف القضاة عام 2005 كان علامة تحول في تاريخ الحركة الوطنية المصرية. ويدرك المصريون قيمة الجيش المصري وأنه كان دائما هدف الشعب، إقامة جيش مصري وطني قوي، وضرورة زيادة عدده وعتاده، وأنه حصن الأمان القومي. ويدرك المصريون أن أي مناورة علي أي من هذه الأعمدة الرئيسية للدولة ــ وأيا ما كان على هذه المؤسسات من ملاحظات ــ يرفضها المصريون في عمومهم وليس أولئك أصحاب الحناجر الصارخة بما لا تدرك أو أهواء الخلافة الإسلامية ووراثة السلطة والدين علي حساب الشعب وحاجاته المعيشية، أو تلك المحاولات لهدم صرح القضاء واستبداله بقضاء عرفي وبأدوات من داخل القضاء ذاته.
كانت الثورة استرداد للإرادة الوطنية، ولم تكن بحثا عن هوية ضاعت أو عن دين فقدت الطريق إليه.
رفعت الثورة بالإرادة الوطنية شعار "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، وكان شعارا جامعا يتجاوز شعار إسقاط النظام إلى تحديد غايات استراتيجية للثورة، ولا يتوقف عند محدودية شعار "ارحل" الذي حاول السيطرة علي إرادة التغيير.
ولم يعطي الشعب تفويضا لجماعة دينية أو حزب أو نخبة لتعبر عنه، وقضية صناديق الانتخابات أمر آخر غير إرادة الثورة وبعيدة كل البعد عن الشرعية الثورية، بل هي إهدار للثورة، وتجاوز لمعنى الشرعية الثورية ومقتضياتها والهروب مما يترتب عليها من مسؤوليات، بمناورة الصناديق تحت عنوان الديمقراطية الشكلية دون مضمونها في التعبير الواقعي عن إرادة شعب ينشد التغيير. الديمقراطية كما جرت ممارستها هي سرقة للإرادة الوطنية وتجاوز لها وتآمر على الثورة لإجهاضها.
الشرعية الثورية وهدم نظام الاستبداد والحفاظ على بنية الدولة هي قضايا يجب التعامل معها بكل جدية حتى لا تتحول إلى جدل عقيم يخرج عن أهواء تغامر بالوطن ولا تتحمل مسؤولية البناء.
يرصد المتابع المنصف للثورة المصرية أن النتائج لا ترتبط علي أي نحو بالمقدمات، وأن الاتجاه الرئيسي للثورة كان يستهدف التغيير في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مصر، وجري تحويل الاتجاه لإعادة إنتاج النظام السابق بمكونات شاركته فترة حكمه، بل هي تدين بوجودها له أو لنظام السادات الذي سبقه، واهم ما يجب الانتباه إليه ذلك الحديث الغير دقيق بان الشعب أراد ما آلت إليه الأمور في مصر، فالفارق كبير بين إرادة الشعب في هدف الثورة الأعلى "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" وبين رؤية المكونات السياسية للنظام الذي يجري إنتاجه والتي تغيب كلية عن هدف الثورة الأعلى، بل هي تتحرك في إطار النظام السابق وبآلية التيار الإسلامي. لقد جرى اختزال الوطن في جماعة الإخوان والتيار السلفي بناء على القدرة التنظيمية والعدد، دون اعتبار لماذا كانت الثورة وماهية أهدافها، حتى صار الخلط بين الجماعة والدولة خلطا لا يقبل به المواطن، وقد يؤدي هذا الخلط إلى انفجار مواجهات في المستقبل.
إن عدم اتساق النتائج مع المقدمات هو السبب الرئيسي لحالة الارتباك القائمة الآن في مصر.
الثورة حركة للأمام وهي عمل تقدمي، وهي بالأساس عمل اجتماعي، وليست مجرد حدث سياسي يصيب نظاما قائما، ليتم استبدال جماعة حكم بجماعة أخرى.
الثورة تعيد تكوين العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع، وبين قواه الاجتماعية الحية، وليس بين مكوناته السياسية خاصة أن كانت مناوئة للثورة أو رافضة لمنهجها.
رفعت الثورة الشعبية المصرية شعار الاستقلال الوطني، ولم تكن تسعى لنظام حكم يسعى للرضا الأمريكي ليستمد منه قوته أو شرعية بقائه.
نجح التحالف المضاد للثورة في إخراج الشعب من المعادلة، مما أدى للسقوط في بركة النظام السابق مع تغير في شكل الخطاب السياسي ليحمل سمة الدين قسرا مع ذات المضمون والتوجه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
ولم تعبر السلطة القادمة بديمقراطية الصناديق عن قوى المجتمع، فأصبحت غريبة عن الثورة.
إن ما يجري في ميدان التحرير فقد أي علاقة له بالثورة، وصار نوعا من التقليد الباهت لحركة الاحتشاد التي حققت إنجاز كسر حاجز الخوف وإقالة الرئيس السابق، وصار الوجود بالتحرير نوعا من النزق لا علاقة له بالثورة ولا بالدولة وخارج سياق اللعبة السياسية الجارية.
إن الاتجاه إلى استنباط سلطة سياسية من واقع سياسي مقهور هو هروب للأمام، لقد جري ذلك بينما دماء شباب الثورة تنزف فوق الإسفلت والمتحدثون باسم الدين سياسيا بعيدين عن قولة الرسول الأكرم: "إن دم الإنسان عند الله أكثر حرمة من بيت الله".
لقد تم استغلال حالة التصحر التي أصابت الحياة السياسية في مصر، ولم يبقي غير جماعة الإخوان والتيارات المتأسلمة، والتي كان سعيها قبل الثورة إلى مشاركة النظام السابق، بل أدانت الخروج علي الحاكم طالما أنه يسمح بالصلاة في المساجد، وكان أغلب التيار السلفي أداة بيد جهاز أمن الدولة، ويمكن القول بأن من آلت إليهم سلطة الحكم أو الجمعية التأسيسية للدستور هم من رفضوا ثورة يناير بل وهم من أسهموا بالنصيب الأكبر في إجهاضها.
ويبقي السؤال الأزلي "ما العمل؟" يفرض نفسه لتجاوز مجرد رصد الحالة إلى أداء لصالح المستقبل.
هل يمكن للقوى الاجتماعية أن تجد لنفسها آلية تدخل بها معادلة إدارة أزمة الثورة في مصر؟ ومن المؤهل لذلك؟
إن دخول القضاء كأداة للصراع، يعني غياب القدرة السياسية، وعجز الأطراف عن إقامة توازن يعبر عن الواقع. قد ينجح القضاء بأحكامه في أبطال قرار أو تأكيد قرار آخر، ولكنه لا يعيد صياغة ميزان القوي في المجتمع.
إن القوى التي تتحدث عن الانتماء للثورة أمامها فرصة استعادة الوجود، وإعادة حركة الثورة لمسارها، ولكن لذلك شروطا واجبة التحقق، والتجارب السابقة تؤكد أن المسؤولية تحتاج إلى جسارة الأيام الأولى الثمانية عشر للثورة.
إن الشرط الأول هو امتلاك القدرة على الخروج من دائرة الذات الأنانية لدى العناصر المتصدية لهذه المهمة، والتجربة تؤكد ضرورة أعمال قواعد الفرز والتجنيب وبصدق وتحمل تبعاته وأعبائه وعدم الانسياق العاطفي وراء الأسماء وهما بلا مبرر في الواقع مما تحتاجه الثورة، لقد أصبح واجبا أن تنتج الثورة كوادرها وتستدعيهم لتولي مهمة الخروج الثاني.
إن الشرط الثاني هو ضرورة الاستفادة من متغير محتمل تضيفه أحكام القضاء بعد حل مجلس الشعب، إذا ما حكم القضاء بإبطال الجمعية التأسيسية للدستور وحل مجلس الشورى.
إن الشرط الثالث هو امتلاك رؤية مرحلية لإدارة أزمة الثورة، ويكفي النضال الوطني أنه أضاع فكرة مجلس أمناء الدستور الذي اقترحه الأستاذ هيكل قبل الثورة، وإضاعة رؤية الدكتور محمد البرادعي في مجلس مدني وحكومة انتقالية لمدة عامين والتي أنهاها بانسحابه من انتخابات الرئاسة. إن مقترح البرادعي الأخير يستلزم الاستيعاب والعمل على الوصول إليه، ورؤيته تتمثل فيما يلي:
"الحوار الوطني يجب أن يكون بين الرئيس والقوى المدنية والمجلس العسكري وبمشاركة السلطة القضائية للتوافق على إعلان دستوري مكمل جديد وأهم ملامحه:
1) لجنة تأسيسية متوازنة لإعداد دستور ديمقراطي يضمن الحقوق والحريات.
2) نقل السلطة التشريعية إلى اللجنة التأسيسية.
3) الاتفاق على تشكيل مجلس الدفاع الوطني برئاسة رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة.
4) تدخل القوات المسلحة لحماية الوطن أو مشاركتها في حفظ الأمن داخل البلاد يكون بقرار من مجلس الدفاع الوطني".
وسواء أخذ بهذا الاقتراح أو ببعض منه، فالأساس فيه هو اللجنة التأسيسية لوضع الدستور المتوازنة وفتح باب الحوار الوطني، ويمكن البناء علي ذلك للخروج أولا من حالة الارتباك القائمة والتي يدفع الشعب ثمنها مزيدا من المعاناة بدون أفق منظور لنهايتها.
والشرط الرابع هو الفصل بين دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة في المرحلة الانتقالية وبين مقولة إسقاط حكم العسكر. هناك بالقطع أخطاء وخطايا خلال الفترة من 12 فبراير حتى اليوم، وأقر بها المجلس الأعلى للقوات المسلحة عندما أصدر تصريحه الشهير "إن رصيدنا لديكم يسمح"، هناك دم أريق على الإسفلت، وللدم حق لا يضيع، ولكن اللحظة توجب إعادة التوازن للثورة.
الشرط الخامس أنه لن يكون هناك تعبير عن القوى صاحبة المصلحة في الثورة إلا من ذات هذه القوى، وهذه القوى وشباب الثورة مطالبون بامتلاك آلية تنظيمية تنقل الثورة من حالة التشرذم والتفكك إلى حالة تنظيمية تملك رؤية وقادرة علي الفعل، حتى يدخلوا في ميزان القوى بالمجتمع.
إن مصر هي الجائزة الكبرى في الشرق الأوسط، هكذا يراها أعداؤها، ولا يجب التعامل مع مصر بقدرها بأنها تورتة ويجب اقتسامها، فالثورة لم تزل عجينة لم يتم إنضاجها، ووقعت العجينة في طين الصراعات والطموحات غير المشروعة، ووجب انتشالها وإعادتها إلى مسارها، بأنها ثورة شعب، وأن الثورة هي علم تغيير المجتمع.
قبل أن تصدقوا أن العدوان انتهى
1000 يوم، بل وتجاوزناها منذ أن سُمي العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة حربا ونحن نعلم بأن الحرب يجب... اقرأ المزيد
57
| 28 يوليو 2026
من يدفع ثمن الحرب.. ومن يقبض عائدها؟
بعد قرابة خمسة أشهر على اندلاع الحرب على إيران، ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها: الطرف الذي شارك في... اقرأ المزيد
54
| 28 يوليو 2026
المرء نِتاج خلواته !
ما أجدى بذي اللُب أن يتعهّد رياض نفسه بالعناية والاهتمام، في زمنٍ تسارعت فيه الأنفاس وتزاحمت الملهيات، وأن... اقرأ المزيد
105
| 27 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1401
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
756
| 23 يوليو 2026
كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها نموذج سابق. لكن ماذا يحدث عندما يعيش الإنسان في زمن يرى فيه آلاف النماذج قبل أن يمنح فكرته فرصة لتولد؟ قد يبدو السؤال غريبًا، فالمعرفة كانت دائمًا طريقًا للتقدم، والتعلم من الآخرين هو أحد أسرار تطور الحضارات. لكن ما تغيّر في عصرنا ليس المعرفة، بل حجم ما نتعرض له من أفكار جاهزة كل يوم. لم يعد الإنسان يبحث عن فكرة، بل أصبحت الأفكار تبحث عنه أينما ذهب. وهنا يراودني سؤال لا يفارقني: هل يمكن أن يصبح فيض الإلهام نفسه عائقًا أمام الإبداع؟ كلما أصبحنا نرى آلاف الأفكار كل يوم، أصبح من الصعب أن نسمع فكرتنا نحن. الفكرة الجديدة لا تولد مكتملة، بل تبدأ هادئة، مترددة، وتحتاج إلى وقت حتى تنضج. لكنها اليوم تدخل في مقارنة غير عادلة منذ لحظتها الأولى، فتقيس نفسها بأعمال مكتملة استغرقت سنوات حتى وصلت إلى صورتها النهائية، فتتراجع قبل أن تمنح نفسها فرصة للحياة. أتساءل أحيانًا: لو أن بناة الأهرامات كانوا يستيقظون كل صباح أمام آلاف النماذج المعمارية الجاهزة، هل كانوا سيملكون الجرأة نفسها ليبتكروا ما لم يكن موجودًا؟ ليس المقصود إعادة قراءة التاريخ، بل إعادة قراءة حاضرنا. فكم فكرة لم تولد، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها خافت أن تكون أقل من أفكار الآخرين؟ ربما لم يبنِ الإنسان أعظم منجزاته لأنه رأى كل ما بناه الآخرون، بل لأنه وقف أمام مساحة لم يملأها أحد قبله، فقرر أن يملأها بفكرته. الإبداع لا يبدأ بما نراه... بل بما لا نجده. لا أدعو إلى أن نغلق نوافذنا على العالم، فالحضارات لم تتقدم يومًا في عزلة، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يكون إبداع الآخرين مصدر إلهام، وبين أن يصبح المعيار الذي نحاكم به أفكارنا قبل أن تولد. وربما يكون التحدي الحقيقي في عصر المعرفة ليس أن نصل إلى مزيد من الأفكار، بل أن نحافظ، وسط هذا الضجيج، على شجاعة أن نفكر بأصواتنا نحن.
654
| 23 يوليو 2026