رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبد اللطيف نجم

مساحة إعلانية

مقالات

294

عبد اللطيف نجم

الأمير الوالد.. لماذا أحبه الفلسطينيون؟

17 يوليو 2026 , 12:17ص

قدّر لي زيارة دولة قطر أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أغادرها وفي نفسي شيء من الدهشة يتجدد، دهشة من هذا البلد الهادئ الوادع، الذي تمشي في شوارعه فتحس بأمان لا تحتاج معه أن تلتفت خلفك، وتدخل مؤسساته فتلمس رقياً في الخدمة يحاكي أرقى عواصم العالم، وتجالس أهله فتجد إنساناً قطرياً واثقاً من نفسه، معتزاً بهويته، منفتحاً على العالم دون أن يذوب فيه.

كل هذا الازدهار الذي لمسته بأم عيني لم يتأت من فراغ، بل كان بصمة رجل، رسم بيده الخطوط الأولى لهذه النهضة، وآمن أن الاستثمار الحقيقي يكون في الإنسان نفسه، فمكّنه وثقّفه ومنحه صوتاً ومكانة عالمية.

تودّع قطر أميرها الوالد سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأدركت أن هذا البلد يبدع حتى في لحظات حزنه؛ إذ رصدت كيف امتلأت المنصات الرقمية بمشاعر القطريين، رسميين ومواطنين، وهم ينعون رجلاً لم يكن مجرد حاكم سابق، بل كما وصفه كثيرون: "أباً حنوناً" للبلاد وأهلها. رأيت كيف لم يستطع الإعلامي جابر الحرمي، رئيس تحرير جريدة الشرق، إخفاء تأثره الشديد خلال لقاء تلفزيوني على قناة العربي عقب إعلان الوفاة، وهو يستحضر كيف بنى الراحل وطنه ورفع مكانته ودافع عن قضايا أمته، وشهدتُ تأثر أحد مراسلي الجزيرة في الدوحة الذي خانته العبرات وهو ينقل خبر الوفاة ومراسم العزاء.

حين يعجز إعلاميون محنّكون بهذا الحجم عن ضبط انفعالهم أمام الكاميرا، فذلك أبلغ دليل على أن الرجل الذي رحل لم يكن مجرد اسم عابر في سجل الحكام، بل كان فعلاً أباً لجيل كامل من القطريين، يستحق منهم ومن قطر كل هذا الحزن الصادق.

لكن حزن قطر العميق على أميرها الوالد، ليس الحكاية الوحيدة التي تستحق أن تروى اليوم. فثمة حزن آخر، موازٍ له في الصدق وربما أعمق في الامتنان، يتردد صداه الآن في غزة والضفة وكل بيت فلسطيني: فلماذا أحب الفلسطينيون هذا الرجل القائد تحديداً؟

ربما تبدأ الإجابة من عام 1999، وربما قبل ذلك بكثير، ففي ذلك العام زار قطاع غزة لأول مرة، واستقبله الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ليكون بذلك أول حاكم خليجي يطأ الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، في وقت كانت فيه القضية الفلسطينية تتراجع عن سلم أولويات كثير من العواصم العربية.

ثم جاء يناير 2009، حيث دعا إلى قمة عربية طارئة في الدوحة جراء العدوان الإسرائيلي على غزة، وقال كلمته التي لا تُنسى، حين انتقد غياب بعض القادة العرب عن القمة بقوله إنه "ما إن يكتمل النصاب لعقد هذه القمة حتى ينقص"، وفي العام نفسه، اتخذت الدوحة قراراً لم تتراجع عنه، بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع "إسرائيل" احتجاجاً على الحرب.

وفي فبراير 2012، رعى إعلان الدوحة الذي سعى إلى رأب الصدع الفلسطيني الداخلي، ثم جاءت اللحظة التي لا يزال الفلسطينيون يستحضرونها كواحدة من أكثر أيامهم دفئاً وسط الحصار: 23 أكتوبر 2012، حين عبر معبر رفح ليصبح أول حاكم يزور غزة منذ فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية، وفي أوج ما كان يعيشه القطاع من حصار ظالم خانق، وألقى من الجامعة الإسلامية خطاباً تاريخياً خاطب فيه أهل القطاع مباشرة، مؤكداً أن وقوف قطر إلى جانبهم ليس معروفاً يُسدى، بل واجب الأخ نحو أخيه، وأعلن خلال الزيارة رفع المنحة القطرية إلى 400 مليون دولار لإعادة الإعمار، شملت إلى جانب مشروع "مدينة حمد" السكنية في خان يونس مستشفيات وبنى تحتية للقطاع بأكمله. وقد اعتبرت حركة حماس هذه الزيارة والمنحة كسراً فعلياً للحصار المفروض على غزة، وسلّمت قطر الدفعة الأولى من وحدات مدينة حمد السكنية عام 2016، لتوفر لآلاف الأسر الفقيرة سكناً كريماً، قبل أن تطولها لاحقاً آلة الحرب والدمار.

لم يكن دعم سمو الأمير الوالد سياسياً وإنسانياً فحسب؛ إذ احتضنت قطر في عهده، وما تزال، قيادات فلسطينية بارزة، وحملت على عاتقها عبء وساطة سياسية لم تتوقف يوماً عن السعي لوقف نزيف الحرب ومرارة الانقسام.

ولعل أعظم إرث تركه الراحل للقضية الفلسطينية وللمظلومين في كل مكان، ليس قراراً سياسياً، بل مؤسسة كاملة أسسها عام 1996: شبكة الجزيرة الإعلامية، التي ظلت لعقود، وما تزال، منبراً يحمل صوت فلسطين إلى العالم في لحظات كان هذا الصوت فيها شبه غائب أو مغيّب عن كثير من الشاشات العربية والدولية.

رحل سمو الأمير الوالد لا بوصفه حاكماً بنى دولة نموذجية عصرية فحسب، بل بوصفه صوتاً لكل من لا صوت له، وداعماً لكل قضية عادلة حملها العرب على عاتقهم، فكان سنداً حين تخلى الكثيرون عنها. رحم الله الأمير الوالد رحمة واسعة، وألهم أسرته الكريمة وشعب قطر الحبيب، ومحبيه في فلسطين وكل مكان الصبر والسلوان.

مساحة إعلانية