رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبد اللطيف نجم

مساحة إعلانية

مقالات

0

عبد اللطيف نجم

في ظل سطوة الخوارزميات.. كيف سيقود أبناؤنا الآلة؟

01 سبتمبر 2026 , 02:00ص

في مكان ما، يجلس أحد أبنائنا الآن أمام شاشة صغيرة، يمرر إصبعه بلا توقف، بينما تعمل خلف تلك الزجاجة اللامعة آلاف الحسابات لتقرر له ماذا يرى، وماذا يصدق، وماذا يحب، ومن يكره. وعلى عكس ما يعتقد؛ فهو لم يختر شيئاً من هذا، كما لم يختر له أهله شيئاً منه أيضاً؛ فقط سمحوا له بالبقاء هناك، مطمئنين إلى أن "التحول الرقمي" يعني جهازاً لوحياً حديثاً، غير مدركين أنه أكبر معركة صامتة تُخاض كل ثانية على عقله الغض.

ليس هذا تهويلاً أدبياً، فهو بالضبط ما بدأنا به هذه السلسلة قبل أشهر: خوارزميات لا تعكس ميول أبنائنا، بل تهندس مواقفهم قبل أن يعوها، وتُبرمج عقولهم بصمت أشد فتكاً من أي خطر معلن، كونه خطراً لا يُرى ولا يُسأل عنه أحد. ولعل هذا وحده كافٍ لاعتباره الخطر الأول والأكبر الذي يواجه هذا الجيل، لا بالنظر إليه كأحد التحديات، بل بوصفه المعركة الفعلية التي تُخاض الآن وفي صمت، داخل كل بيت وكل فصل دراسي.

وعليه؛ لم تكن "المناعة الرقمية المعرفية" التي بنينا حولها هذه السلسلة كاملةً ترفاً فكرياً أو مجرد عنوانٍ جذاب لمقال رأي، بل إنها كانت من أولها إلى آخرها محاولة للإجابة عن سؤال لا رفاهية في تأجيله: كيف نُحصّن عقول أبنائنا التي تُحاصَر يومياً بآلاف القرارات المتخذة نيابة عنهم؟ من "التطعيم الأول" الذي يوقظ المناعة من الداخل، إلى "الجرعة المجازة" وهي جرعة صغيرة تمنح الإذن للمعلم، إلى "المصفاة الرباعية" التي يتجاوز أثرها مجرد أربع كلمات يحملها في جيبه، إلى "البنك التراكمي" الذي تتراكم فيه كل تجربة مهما كانت صغيرة بدل ضياعها؛ نعم، لم تكن هذه محطات متفرقة، بقدر ما كانت خطوات متتالية نحو حصن واحد، لا يُبنى بقرار كبير، بل بإصرار صغير يتكرر كل أسبوع.

فأي جيل نصنعه إذن حين تجتمع هذه الخطوط كلها؟ إنّه الجيل الذي لا يخشى الشاشة، لكنه لا يمنحها أيضاً ثقة عمياء، جيل يسأل قبل أن يُصدّق، ويتوقف قبل أن يُشارك، ويعرف أن خلف كل صورة ومنشور يداً صنعته لغاية ما، فيتساءل دون خوف أو انبهار، جيل يقود الآلة بدل أن تقوده، ويجعل من الخوارزمية أداة بين يديه، لا سيداً خفياً يقود خطاه دون أن يشعر.

وفي النهاية يظل السؤال الذي انطلقنا به قبل أشهر ماثلاً أمامنا جميعاً، أهالٍ ومعلمين وصناع قرار: إلى متى ستظل الخوارزميات تعبث في عقول أبنائنا؟ وهل سندعها تبرمج عقولهم بصمت، أم سنختار بدءاً من اليوم أن نمنحهم "المناعة الرقمية المعرفية" التي تجعلهم هم من يقررون؟ وهنا، صار الوقت مناسباً للقول: إن الإجابة لن تكون في مقال قادم، وإنما في أول خطوة حقيقية صغيرة يتخذها أحدنا غداً صباحاً.

مساحة إعلانية