رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قال الفريق أول عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، في خطابه بمناسبة العيد الثاني والسبعين للقوات المسلحة السودانية، إنه استجاب لمبادرة «مجموعة سودانية مستقلة» عرضت رؤيتها للعمل كآلية وطنية لتيسير حوار سوداني شامل، يهدف إلى تحقيق توافق وطني واسع يضع البلاد على مسار الاستقرار. وأضاف أن الدولة استجابت لمطالب المجموعة بتوفير ضمانات انعقاد الحوار، وتيسير مشاركة المشاركين فيه، وحماية سلامتهم.
لكن هذا الإعلان جاء بعد تسريبات سبقت الخطاب وأشعلت نقاشاً واسعاً حول الحوار المرتقب، ولا سيما بعد أن أصدرت قوى «صمود» بياناً أعلنت فيه رفضها للحوار الذي كان مصدر الدعوة إليه، في الأصل، الفريق البرهان، قبل أن ينتقل في طَوْرِه الأخير إلى مبادرة مجموعة وطنية مستقلة، بحسب ما ورد في خطابه.
ومع ذلك، واصلت «صمود» موقفها الرافض للدعوة الجديدة، ووصف خالد عمر، أحد قياداتها، المبادرة بأنها «مناورة أُعدّت في مطبخ المؤتمر الوطني». وهو ما يكشف عن اتساع الشقة بين الطرفين، وعن استعصاء الخلاف على مجرد التقريب بين موقفيهما.
فالمسألة، في عمقها، ليست خلافاً حول من يدعو إلى الحوار ومن يرفضه، ولا حتى حول مكان انعقاده أو المشاركين فيه؛ وإنما هي خلاف على وظيفة الحوار، وعلى من يملك الشرعية بعد انتهاء الحرب، وعلى طبيعة الدولة التي ستنشأ من رحم هذه الحرب.
والكل ينادي بإنهاء الحرب، لكن السؤال الأعمق هو: ماذا تعني عبارة «إنهاء الحرب»؟
الكلمة واحدة، لكن تعريفها مختلف تماماً بين الطرفين؛ إذ إن «إنهاء الحرب» عند الجيش لا يحمل المعنى نفسه الذي يحمله عند «صمود». وكلاهما يفهم العبارة في ضوء ما يريد أن يتحقق من مبتغيات ومقاصد.
فالفريق البرهان يرى أن الحوار نتيجة للحرب، بينما تراه «صمود» أداة لإنهائها.
إنهاء الحرب: تعريفان مختلفان
بالنسبة إلى البرهان، تنتهي الحرب عندما ينتهي التمرد بوصفه قوة عسكرية تسعى إلى فرض إرادتها بالسلاح. ولهذا جاء تسلسل الخطوات الذي أعلنه واضحاً: خروج القوات المتمردة من المدن والمواقع التي تسيطر عليها، ثم تجميع عناصرها في معسكرات، ثم النظر في أمر من لم يرتكبوا جرائم منهم.
وهذا التسلسل ليس مجرد تفصيل إجرائي؛ بل هو، في جوهره، تعريف سياسي لنهاية الحرب.
فالدولة، وفق هذا التصور، لا تكون قد أنهت الحرب ما دامت هناك قوة مسلحة موازية لها أو خارجة عن سلطتها. ومن هنا يصبح مبدأ احتكار الدولة للسلاح ليس مجرد قاعدة أمنية، وإنما أحد التعريفات الأساسية للدولة نفسها.
أما الرؤية المغايرة، التي تحملها «صمود»، فتنظر إلى الحرب باعتبارها نزاعاً مسلحاً لا مجرد تمرد عسكري ينبغي القضاء عليه؛ أي أنها تراها صراعاً على مستقبل السلطة، وعلى شكل الجيش، وعلى طبيعة الدولة نفسها. وهي هنا تتوافق تماماً مع مرئيات الدعم السريع.. وقد تم التوافق بينهما على ذات المعاني بأديس أبابا في العاشر من يناير 2024م في الاتفاق الذي وقعه قائد التمرد محمد حمدان دقلو ورئيس (صمود )عبد الله حمدوك التي كانت تسمى (قحت) يومها وحضره عدد من رموزها وبينهم محمد حسن التعايشي، رئيس وزراء حكومة تأسيس في نيالا عاصمة الدعم السريع.
ومن ثم فإن الحل، وفق هذا التصور، ليس استسلام طرف، وإنما تسوية بين أطراف الصراع، تعقبها إعادة تركيب للنظام السياسي والعسكري.
ولهذا تضع «صمود» سلسلة مختلفة للحل: وقف الحرب أولاً، ثم هدنة إنسانية، تليها ترتيبات أمنية، ثم عملية سياسية شاملة، ثم إعادة بناء المؤسسة العسكرية والدولة، بما يقود في نهايته إلى استعادة مسار ثورة ديسمبر واستئناف نمط الحكم الذي سبق إجراءات 25 أكتوبر 2021م.
والمعنى السياسي العميق لهذا التصور هو أن القوة التي دخلت الحرب لا تختفي بمجرد وقف إطلاق النار؛ وإنما تتحول من قوة مقاتلة إلى طرف في الهندسة السياسية والأمنية الجديدة. أي أن من دخل الحرب بقوة السلاح ينبغي، وفق هذا المنطق، أن يخرج منها بوزن سياسي وعسكري، بحيث يتحول وجوده العسكري إلى ترتيبات سياسية وأمنية، وتتحول قوته العسكرية إلى رأس مال سياسي.
وهنا يصبح مفهوم «لا غالب ولا مغلوب» أكثر من مجرد شعار لإنهاء الحرب؛ فهو يعني عملياً منع أي طرف من تحويل التفوق العسكري إلى حق منفرد في تحديد شكل الدولة المقبلة، وتحويل القوة العسكرية للطرفين إلى أوراق تفاوض سياسية، بحيث تنتج السياسة ما عجز السلاح عن إنتاجه.
ومن هنا يتضح التصادم بين منهجي الطرفين وأهدافهما. فهما لا يختلفان فقط حول الحوار، وإنما حول ما الذي ينبغي أن ينتجه الحوار أصلاً.
صراع على الشرعية بعد الحرب
إذا دققنا أكثر، سنجد أن السؤال الحقيقي هو: من يملك حق تعريف نهاية الحرب؟
فالطرف الذي يفرض تعريفه لنهاية الحرب يقترب، بالضرورة، من امتلاك حق تحديد شكل المرحلة التي تليها.
إذا انتصر تعريف الجيش، فإن نهاية الحرب تعني إنهاء القوة العسكرية الموازية للدولة واحتكار الدولة للسلاح، ثم الانتقال إلى ترتيب الدولة سياسياً بعد انتهاء الصراع.
أما إذا انتصر تعريف «صمود»، فإن نهاية الحرب تعني تسوية سياسية وأمنية لا تلغي بالضرورة الأوزان التي أنتجتها الحرب، وإنما تنقلها من الميدان إلى طاولة التفاوض.
وهكذا فإن المعركة ليست فقط حول من يسيطر على الأرض، وإنما أيضاً حول متى تنتقل القوة من الميدان إلى السياسة، وكيف تتحول نتائج الحرب إلى شرعية سياسية.
رهانات «صمود» والجيش
ولقراءة اتجاهات هذه الرهانات، يمكن النظر إلى مؤشرات قوة موقف كل من «صمود» والجيش، الذي يمثل اليوم مركز ثقل الدولة، إلى جانب القوى السياسية والاجتماعية المؤيدة له.
أول رهانات «صمود» هو رصيد ثورة ديسمبر 2018م التي أسقطت نظام الرئيس عمر البشير في أبريل 2019م، وما ترتب عليها من سلطة انتقالية تشكلت بالشراكة بين قوى الحرية والتغيير (قحت) وتشكل (صمود ) آخر تمحوراتها والمكون العسكري، قبل أن يضع انقلاب 25 أكتوبر 2021 حداً لذلك الترتيب.
لكن مشروعية الثورة تآكلت لاحقاً بفعل بؤس الأداء التنفيذي خلال الفترة الانتقالية، ثم بسبب موقف القوى المدنية من الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023م، ولا سيما ما رآه قطاعات واسعة من السودانيين عجزاً عن إدانة الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق المدنيين من قتل ونهب واغتصاب وإهدار للكرامة. وقد التحق بعض مكونات الثورة بالقتال في صف الجيش اثر هذه التطورات مثل مجموعة (غاضبون).
وزاد من تآكل هذا الرصيد موقفها السياسي الذي بدا، أقرب إلى توفير طوق نجاة سياسي للدعم السريع، والرهان على صموده العسكري بما يوفر له ورقة تفاوضية على طاولة التسوية.
غير أن الدعم السريع يواجه اليوم حالة من الهشاشة والتضعضع الميداني، مع تراجع قدرته على التعبئة والتجنيد وتآكل قاعدة الحرب، كما أن عجزه عن تحقيق اختراقات عسكرية كبيرة يضعف قدرته على إنتاج أوراق ضغط جديدة في أي مفاوضات مقبلة مع الجيش.
وبذلك يبقى الرهان الأبرز لـ«صمود» هو الدعم الدولي والإقليمي، وهو رأس مال سياسي مهم، لكنه في الوقت نفسه شديد التقلب، تحكمه حسابات المصالح وتغير موازين القوة والوقائع على الأرض.
أما الجيش، فمن الواضح أنه يمسك بزمام المبادرة العسكرية والسياسية بدرجة أكبر مما كان عليه الحال في مراحل سابقة. ففي الأشهر الستة الأخيرة، استطاع أن يحول حالة الجمود العملياتي إلى فاعلية ميدانية، محققاً تقدماً واضحاً استعاد به مدناً وبلدات استراتيجية في شمال كردفان، من بينها بارا وجبرة الشيخ، ووسع عمقه العملياتي غرباً حتى تخوم سودري، كما حيّد بدرجة كبيرة خطوط إمداد الدعم السريع من شمال دارفور باتجاه كردفان.
وهذه التطورات لا تعني بالضرورة أن الحرب حُسمت، لكنها تعني أن الميزان الذي تدخل به الأطراف إلى أي تفاوض مقبل لم يعد هو الميزان نفسه الذي كان قائماً قبل أشهر.
«المجموعة المستقلة».. من أين تستمد شرعيتها؟
أما الحوار في طوره الجديد، الذي أعلنه البرهان ونقل تنفيذه إلى لجنة مستقلة قال إنها صاحبة المبادرة، فقد أطلق غباراً سياسياً كثيفاً، وأثار أسئلة أكثر مما قدم من إجابات، رغم رفض «صمود» له.
وأول هذه الأسئلة يتعلق بالمجموعة المستقلة ذاتها.
فإذا كانت الدولة قد استجابت لمطالبها ووفرت لها ضمانات انعقاد الحوار وتيسير مشاركة أطرافه وحماية المشاركين، فمن الذي أنشأ هذه المجموعة؟ وما مصدر تفويضها؟ وما حدود هذا التفويض؟ ومن أين تستمد حقها في تحديد من يمثل السودانيين، ومن يحق له المشاركة، ومن ينبغي استبعاده؟
وهذه الأسئلة تقود مباشرة إلى مسألة الشرعية.
فـالاستقلالية لا تعني بالضرورة التفويض، والتفويض لا ينشأ من مجرد إعلان الاستقلالية.
إذا كانت المجموعة مستقلة ومفوضة بالفعل، فهل تملك أن تحدد المشاركين وأجندة الحوار ومكانه وزمانه، وأن تدير العملية وصولاً إلى مخرجاتها؟
وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال يصبح: من فوضها في تحديد من يحق له الحوار بشأن مستقبل السودان؟
وهنا تفتح المسألة، من حيث لا تريد، الباب أمام القوى التي يفترض البعض ضرورة إقصائها، ومنها المؤتمر الوطني، خصوصاً أن خطاب البرهان الأخير لم يكرر العبارة السابقة التي كانت تستثنيه صراحة.
وقد يكون هذا الغياب مقصوداً، إذ إن نقل مسؤولية تحديد المشاركين إلى مجموعة مستقلة يتيح للبرهان أن يقول: أنا لم أقص أحداً؛ السودانيون هم الذين سيحددون من يشارك.
لكن إذا كانت المجموعة مستقلة حقاً، فمن الصعب أن تستجيب لرغبة مسبقة في إقصاء طرف بعينه. وإذا فعلت ذلك، فإنها تخاطر بإسقاط الأعمدة التي تقوم عليها فكرتها: الاستقلالية، وحرية التقدير، والتفويض.
أما إذا لم يكن لديها تفويض أصلاً، فإن السؤال يعود من جديد: من منحها سلطة تحديد من يمثل السودان؟
مخرج ممكن
ولعل المخرج من هذه المعضلة أن تتحول المجموعة من لجنة لإدارة الحوار إلى لجنة لتأسيس شروط الحوار.
أي أن تكون مهمتها، في هذه المرحلة، التشاور مع مختلف القوى السودانية، واستكشاف صعوبات الحوار، والتوافق على معايير المشاركة، وقواعد إدارة العملية، وأجندتها، وضماناتها، بدلاً من القفز مباشرة إلى إدارة حوار لم تتفق الأطراف بعد على طبيعته ولا على أطرافه.
فاستكشاف مصاعب الحوار بين السودانيين، والعمل بنفس طويل على حلحلة عقده، وتسليك طرائق التفاهم قبل الوصول إلى التصادم، هو أيضاً دور وطني يحتاج إلى من يضطلع به.
مكسب البرهان السياسي
أما الفريق البرهان، فقد يكسب من هذه الخطوة مدخلاً مهماً للبحث عن قدر أكبر من التفهم الدولي.
فهو الآن يستطيع أن يقدم نفسه باعتباره صاحب موقف إيجابي معلن تجاه الحوار، لكنه ليس طرفاً فيه؛ بل راعٍ ومسهّل لحوار سوداني مستقل.
ويمكنه أن يقدم للضاغطين عليه رواية بسيطة، وربما مربكة لهم:
«أنا أدعو السودانيين إلى الحوار داخل السودان، وأقدم كل ما يطلبه القائمون عليه لتهيئة مناخه سياسياً وقانونياً وأمنياً، وهم يصرون على رفضه».
وهذا تحول مهم في الخطاب السياسي للبرهان، حتى لو لم يؤدِ في حد ذاته إلى انعقاد الحوار.
المشكلة ليست في الحوار.. وإنما في توقيته
لكنني أعتقد أن السبب الأعمق لفشل الحوار السوداني المزمع قد لا يكون رفض المستهدفين به للحوار في ذاته، وإنما توقيت الحوار.
فالصلاة، في الفقه، لا تجوز قبل ميقاتها، والزمن في السياسة يشبه الزمن في الموسيقى؛ فإذا لم ينضبط الإيقاع اختل اللحن وجاء نشازاً.
وللحوار السياسي، هو الآخر، ميقات.
والحرب على اشدها، والتحدي الماثل لمركز ثقل الدولة وهو الجيش والقوى المساندة له سياسياً وميدانياً هو كسبها، لا صرف النظر عنها بمحاولات حوار لم تنضج ظروفه، وحين تنضج، تشخص شروط الحوار، ويؤذن مؤذنه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
5841
| 25 أغسطس 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل جيشين -كانت بيني وبين البشير مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية - قطر لها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والعمل الإنساني والثقافي - السودان أكبر من محنته وأبقى من مليشيا وأغنى من أن تختصره حرب - مليشيا الدعم السريع وجدت خارج السودان من راهن عليها ومدّها بأسباب القوة - السودان جمع عناصر التاريخ والجغرافيا والثروة ولم يستطع تحويلها لاستقرار يليق به - بعض الأشقاء تقاطعت مصالحهم مع إسرائيل ووقفوا ضد مصالح أمتهم - أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي – السوداني وأراه خطوة تستحق الدعم للسودان في نفسي مكانة لا تصنعها السياسة وحدها، ولا تفسرها الجغرافيا، وإنما صنعتها علاقة طويلة بدأت منذ سنوات شبابي الأولى، وعززتها معرفة برجاله وثقافته، وزيارات متكررة إلى أرضه، حتى أصبح السودان بالنسبة إليّ أكثر من بلد عربي شقيق؛ أصبح جزءاً من ذاكرة شخصية ومهنية امتدت أكثر من نصف قرن. عندما تأسست وزارة الخارجية القطرية عام 1972، وأُلقي على عاتق شباب قطريين، كنت واحداً منهم، أن يحملوا مسؤولية تأسيس بعثات دولة حديثة العهد بالدبلوماسية، كان السودان حاضراً معنا منذ البدايات. فقد كان محجوب مكاوي، وكيل وزارة الخارجية السودانية السابق، أول خبير في وزارة خارجيتنا، وكان من الطبيعي أن يكون عدد من الخبراء الذين استعانت بهم سفاراتنا الناشئة من السودانيين. ثم عرفت السودان من زاوية أخرى وأنا سفير شاب في باريس، قليل الخبرة كثير الرغبة في التعلم. رشح لي صديقي سفير السودان في باريس بشير البكري الشاعر السوداني صلاح إبراهيم ليعمل معي. وكان نعم السند، وتعلمت منه الكثير. وهكذا دخل السودان تجربتي الدبلوماسية من باب الثقافة أيضاً، وهو باب لم يغلق بعد ذلك. ومن اللمسات السودانية التي لا تُنسى وجود الطيب صالح وفترته في الدوحة؛ فقد كان من أوائل من عملوا في مسيرة الإعلام والثقافة في بلدنا، وارتبط اسمه بتجربة مجلة «الدوحة» وبمرحلة مهمة من الحضور الثقافي السوداني في قطر. ونحن في قطر نعتز بأن بلادنا احتضنت رجالاً بمكانة الطيب صالح، ونقدر ما أسهموا به، مع غيرهم من الكفاءات العربية، في مسيرة نهضتها وبناء مؤسساتها. وزرت السودان مرات عدة عندما كنت وزيراً للثقافة، لكن بعض الزيارات لا تغادر الذاكرة. حضرت مرة مهرجاناً كبيراً لثقافات قبائل السودان، وهناك رأيت بعيني ما لا تستطيع الكتب أن تنقله: تنوعاً مذهلاً في العادات والتقاليد، واللغات واللهجات، والموسيقى والأزياء، وفي طرق التعبير عن الحياة والإنسان. وأدركت أن السودان يملك ثراءً ثقافياً هائلاً، وأن ما وقف بين هذا الثراء وبين المكانة العالمية التي يستحقها لم يكن نقصاً فيه، بل قسوة الظروف التي عاشها السودان. وفي مناسبة أخرى حضرت تكريماً للطيب صالح، وكانت فرصة للتعرف إلى عدد من أبرز مثقفي السودان. وعلى امتداد تلك السنوات نشأت لي صداقات مع شخصيات سودانية كثيرة، بعضها استمر حتى رحيل أصحابها، ومنهم الرئيس عبد الرحمن سوار الذهب، ذلك الرجل الذي بقي اسمه في الذاكرة العربية مثالاً نادراً لمن امتلك السلطة ثم تخلى عنها طواعية. كنا نتبادل الزيارات في بيوتنا في الدوحة والخرطوم. وكذلك كانت لي صلة قوية بالدكتور حسن الترابي، الذي طالما التقينا وتناقشنا اتفقنا واختلفنا ولكن بقي الود حتى توفاه الله. وعرفت الرئيس عمر البشير، وكانت بيننا مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية، وكان يتقبلها مني. وعندما ترشحت لمنصب المدير العام لليونسكو، حرص على أن يكون السودان عضواً في المجلس التنفيذي ليساند ترشيحي، ووقف السودان معي وصوّت لي في الجولات الأربع التي تصدرتها على بقية المرشحين. ثم جاءت اللحظة التي لا أنساها، حين أبلغني السفير السوداني قبيل الجولة الأخيرة بتغير الموقف. كانت صدمة شخصية وسياسية، وانتهت المعركة بفارق صوت واحد. ومع ذلك لم تغير تلك اللحظة نظرتي إلى السودان ولا محبتي لشعبه؛ فالدول والشعوب أبقى من المواقف العابرة. ولعل هذه العلاقة الطويلة هي التي تجعلني اليوم أنظر بألم مضاعف إلى ما أصاب السودان. فهذا ليس بلداً فقيراً في التاريخ حتى يبحث لنفسه عن جذور. على أرضه قامت حضارات وممالك عريقة، من كوش ونبتة ومروي إلى الممالك النوبية، وتعاقبت عليه حضارات وأديان وثقافات صنعت واحداً من أغنى التكوينات الإنسانية في منطقتنا. وليس السودان هامشاً جغرافياً أيضاً. إنه ملتقى العالم العربي بأفريقيا، وامتداد لوادي النيل، وصاحب ساحل مهم على البحر الأحمر، وجار لدول تتصل مصالحها مباشرة بأمنه واستقراره. وهنا تكمن إحدى مفارقات السودان الكبرى: بلد جمع التاريخ والجغرافيا والثروة، ثم لم يستطع أن يحول هذه العناصر مجتمعة إلى استقرار يليق بها. فالسودان يملك مساحات زراعية هائلة، وموارد مائية، وثروة حيوانية، وتنوعاً مناخياً يسمح بإنتاج زراعي واسع. ولو اجتمع الاستقرار مع الإدارة والتقنية والاستثمار، لما كان الحديث عن السودان بوصفه إحدى سلال الغذاء للعالم العربي مبالغة، وإنما احتمالاً اقتصادياً حقيقياً. لكن الأرض الخصبة لا تحمي نفسها، والمياه لا تبني الدولة، والموقع الاستراتيجي قد يتحول من نعمة إلى عبء إذا ضعفت الدولة وتكاثرت الأطماع حولها. وهنا أصل إلى واحد من أخطر دروس المأساة السودانية: الدولة لا تحتمل جيشين. قد تنشئ السلطة في ظرف معين قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية، وتظن أنها أداة تستعين بها على مشكلة عابرة، لكنها تزرع بذلك داخل جسد الدولة قوة لها قيادتها ومصالحها وسلاحها. وما يبدأ أداة في يد الدولة ينتهي قوة تنازع الدولة نفسها. وهذا ما يجعل تجربة الدعم السريع درساً يتجاوز السودان. فقد نشأت هذه القوة في ظل النظام، ثم تضخمت قدراتها ومصالحها حتى انتهت إلى مواجهة الجيش السوداني، وتحولت البلاد إلى ساحة حرب دفع الشعب السوداني ثمنها من دمه وأمنه ومستقبله. لكن اختزال ما يجري في السودان في صراع بين قوتين سودانيتين وحدهما لا يفسر المشهد كله. فحين تضعف الدولة لا تبقى أبوابها مفتوحة لأبنائها وحدهم؛ تدخل المصالح الإقليمية والدولية، ويصبح السلاح والمال والمقاتلون وشبكات الإمداد جزءاً من الحرب. ولم تكن المليشيا لتبلغ ما بلغته بقوتها الذاتية وحدها؛ فقد وجدت خارج السودان من راهن عليها، ومدّها بأسباب القوة، وربط مصالحه بما تسيطر عليه من موارد وثروات، وفي مقدمتها الذهب، حتى بدا أن بعض الأشقاء اختاروا المليشيا على الدولة، وتقاطعت مصالحهم ورهاناتهم مع إسرائيل، وتعاونوا معها ضمن حسابات أوسع في السودان والبحر الأحمر. وهكذا أصبح السوداني يدفع ثمن تحالف مصالح لا يقيم وزناً لوحدة بلاده ولا لثرواتها ولا لدم أبنائها. وإسرائيل لا تنظر إلى السودان أو القرن الأفريقي باعتبارهما ملفات منفصلة، وإنما تنظر إلى فضاء استراتيجي أوسع يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وأمن الملاحة وموازين القوى في المنطقة. ولذلك فالسؤال الأهم ليس دائماً: مع من تقف إسرائيل؟ بل: أين تكمن مصلحتها؟ ومن وقف مع إسرائيل فقد وقف ضد مصالح أمته ولا يُعفى الحكم في السودان من اللوم؛ فقد فتح الباب للذئب واستدعاه إلى عرينه، ظناً منه أنه بذلك يتفادى شره أو يستعين به لتحقيق مصلحة عابرة. لكن من يستدعِ الذئب إلى حقله قد يستعين به على خصمه، لكنه لا يملك أن يضمن أين يقف الذئب، ولا أن يحدد له فريسته. ولذلك تتحمل السلطة مغازلة اسرائيل. والسودان، بحكم موقعه على البحر الأحمر، ليس بعيداً عن أمن العرب. فمن ضفته الأخرى تقع المملكة العربية السعودية، بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والسياسي. ولذلك أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي–السوداني، وأرى أنه خطوة تستحق الإشادة والدعم، وأرجو أن يتطور إلى شراكة استراتيجية تسهم في استقرار السودان وإعماره واستثمار موارده؛ لأن استقرار السودان مصلحة سعودية كما هو مصلحة سودانية، وأمن ضفتي البحر الأحمر لا يمكن فصل بعضه عن بعض. وكذلك مصر. فالعلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار عادية؛ إنها علاقة نيل وتاريخ وأمن ومصير. وقد عرف البلدان في مراحل من تاريخهما الحديث ارتباطاً سياسياً وثيقاً، وحمل الملك فاروق في مرحلة من المراحل لقب «ملك مصر والسودان». ومهما اختلفت الظروف السياسية منذ ذلك الزمن، فإن الجغرافيا لم تتغير: أمن السودان من أمن مصر، واستقرار وادي النيل لا يمكن تجزئته. ومن هنا كنت أتمنى أن يكون الدور المصري في دعم الدولة السودانية وجيشها أكثر قوة بما يتناسب مع حجم المصالح المصرية المرتبطة باستقرار السودان. أما قطر، فلها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والدعم والعمل الإنساني والثقافي. ومن المشاريع التي أعتز بها المشروع القطري–السوداني للآثار، وهو مشروع ارتبط بمبادرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي عُرف بمحبة السودان والحرص على دعم شعبه. ولم يكن المشروع بعثة أثرية محدودة، بل عمل واسع لحماية ذاكرة السودان الحضارية. موّل أربعين بعثة أثرية، منها اثنتا عشرة بعثة سودانية وطنية، وامتدت أعماله نحو ثمانمائة كيلومتر بين الخرطوم والحدود المصرية، وشملت المسح والتنقيب والحماية والترميم والصيانة، وتأهيل المواقع وتدريب الكوادر وإشراك المجتمعات المحلية. وأسهمت أعمال المسح في اكتشاف آلاف المواقع الأثرية الجديدة، ووصل العمل إلى عدد من أهم مواقع أهرامات السودان. ثم جاءت الحرب. انهارت المؤسسات، وتعطلت الإدارة، وتوقف كثير من العمل الأثري، وتعرضت مواقع ومتاحف ومجموعات أثرية للنهب والتدمير والتدهور. وهكذا أصبح المشروع الذي جاء ليساعد السودان على إنقاذ ماضيه هو نفسه أحد ضحايا الحرب التي دمرت حاضره. وما أشد المفارقة: أن تمد يدك لإنقاذ ذاكرة بلد، ثم ترى الحرب تهدد الذاكرة واليد التي تحميها معاً. لكنني لا أريد أن أكتب عن السودان مرثية. فالسودان أكبر من محنته، وأبقى من مليشيا، وأغنى من أن تختصره حرب، وأعمق من أن تختزله سنوات الفوضى. إن ما يحتاجه السودان ليس اختراع مقومات جديدة للنهوض؛ فهي موجودة فيه منذ زمن. يحتاج أولاً إلى دولة: دولة تحتكر السلاح، وجيش وطني واحد، ومؤسسات تعلو على الأشخاص والقبائل والمليشيات، وقرار وطني لا يرتهن للخارج أياً كان. ويحتاج إلى أشقائه العرب، ولكن ليس إلى تدخل يزيد انقسامه، بل إلى احتضان يساعده على استعادة وحدته وسيادته. يحتاج إلى مصر التي يربطها به النيل والتاريخ، وإلى السعودية التي يجمعها به البحر الأحمر والمصير، وإلى قطر التي ربطتها به علاقات ومشاريع ومواقف، وإلى كل عربي يدرك أن السودان المستقر إضافة إلى الأمن العربي، وأن السودان المنهك فراغ تتسابق القوى الأخرى لملئه. لقد عرفت السودانيين عن قرب، وعرفت فيهم العلم والأدب والكرم والذكاء والاعتزاز بالنفس. ورأيت بعيني ثراء ثقافتهم وتنوع مجتمعهم. ولهذا يصعب عليّ أن أصدق أن ما نراه اليوم هو قدر السودان. ليس قدره أن يبقى ساحة حرب، ولا أن تتحول أرضه الخصبة إلى أرض نزوح، ولا أن يصبح البحر الذي كان يمكن أن يكون جسراً للتجارة والتعاون باباً تتسلل منه الأطماع، ولا أن تصبح حضارات عمرها آلاف السنين رهينة بندقية لا تعرف قيمة حجر أثري ولا مخطوطة ولا متحف. السودان يستطيع أن يعود، لكن عودته تبدأ حين يستعيد السودانيون السودان نفسه: دولةً فوق المليشيا، ووطنًا فوق القبيلة، ومصلحةً وطنية فوق مصالح الخارج. وعندها فقط يمكن للأرض أن تعطي خيرها، وللنيل أن يمنح الحياة لا النزاع، وللبحر الأحمر أن يصبح جسراً لا ساحة تنافس، ولثقافة السودان أن تخرج إلى العالم كما تستحق. لقد عرفت السودان قبل هذه المحنة، ولذلك أعرف أن السودان الذي نراه اليوم ليس كل السودان. وتلك ربما هي الحقيقة التي ينبغي ألا ننساها ونحن نشاهد هذه المأساة: السودان لم يفقد أسباب النهوض؛ لقد فقد، لبعض الوقت، القدرة على جمعها في دولة. وحين تعود الدولة، سيكتشف العالم أن بلداً ظنه البعض ضحية دائمة كان يملك طوال الوقت أسباب عودته.
3414
| 30 أغسطس 2026
قد تضم المؤسسة مديرين أكفاء، وتملك خططًا جيدة وموارد كافية، ثم تتعثر رغم ذلك. وفي مثل هذه الحالات، يتجه اللوم عادةً إلى الإدارة التنفيذية، مع أن الخلل قد لا يكون في كفاءتها، بل في بيئة لا تتيح لها أن تدير فعليًا. يبدأ الأمر بموقف يبدو عابرًا: يتلقى الموظف تعليمات من مديره المباشر، ثم يأتيه توجيه مختلف من عضو في مجلس الإدارة. يعرف الموظف أن مديره يملك الصفة الرسمية، لكن عضو المجلس يملك النفوذ الأعلى، فينفذ التوجيه الأقوى. ومع تكرار ذلك، يتشكل داخل المؤسسة هيكلان: هيكل معلن تحدده اللوائح، وآخر خفي تُتخذ عبره القرارات الحقيقية. وهنا تنشأ «الإدارة الموازية». الأصل أن يحدد مجلس الإدارة وجهة المؤسسة، ويعتمد إستراتيجيتها وميزانيتها، ويراقب المخاطر، ويختار الرئيس التنفيذي ويقيّم أداءه. أما الإدارة التنفيذية، فتتولى إدارة العمل اليومي وتحويل الإستراتيجية إلى نتائج. المجلس يحدد الوجهة ويراقب المسار، والإدارة تقود الرحلة. ومن الضروري التمييز بين الإشراف والإدارة؛ فمجلس الإدارة لا يمثل مستوى تنفيذيًا أعلى من الرئيس التنفيذي، وإنما يؤدي دورًا مختلفًا يقوم على التوجيه والرقابة والمساءلة. كما يقدم المجلس للإدارة الرأي والمشورة، لكن هذا الدور يختل عندما تتحول المشورة إلى تعليمات تنفيذية يصدرها أعضاؤه مباشرة إلى المديرين والموظفين، متجاوزين الرئيس التنفيذي والتسلسل الإداري. ويظهر التداخل بوضوح عندما ينشغل بعض أعضاء المجلس بالتوظيف والمشتريات واختيار الموردين ونقل الموظفين، وهي قرارات تقع في الأصل ضمن مسؤوليات الإدارة التنفيذية. وقد يبدأ ذلك بحسن نية، لتسريع قرار أو معالجة مشكلة، وربما يحقق نتيجة سريعة تعزز الاعتقاد بأنه كان ضروريًا. إلا أن ما يبدو نجاحًا في موقف منفرد قد يكون بداية خلل مؤسسي. فكل قرار يتجاوز القنوات الرسمية يرسل رسالة إلى الموظفين بأن النظام قابل للتعطيل، وأن القرب من صاحب النفوذ قد يكون أكثر فائدة من الالتزام بالتسلسل الإداري. وعندها يصبح بناء العلاقات أهم من جودة الأداء، ويتردد المديرون في اتخاذ قرارات قد يعدلها المجلس أو يلغيها لاحقًا. وقد يقبل بعض الرؤساء التنفيذيين هذا التداخل خوفًا على مناصبهم أو تجنبًا للصدام مع أعضاء المجلس. فيتحملون المسؤولية علنًا، بينما يتنازلون عن صلاحياتهم ضمنيًا. وبذلك يستمر الخلل؛ لأن جميع الأطراف تتكيف معه بدلًا من مواجهته. وهنا تظهر «فجوة المسؤولية»: المسؤول الرسمي لا يملك القرار كاملًا، وصاحب القرار الفعلي لا يظهر عند المحاسبة. فإذا تراجعت النتائج، يُسأل الرئيس التنفيذي عن قرارات ربما عُدلت أو عُطلت أو اتُّخذت نيابة عنه. لا يمكن مطالبة إدارة بتحقيق أهداف محددة، ثم سحب أدوات القرار من يدها. فالمساءلة من دون صلاحية ظلم إداري، والصلاحية من دون مساءلة نفوذ غير منضبط. وكلما اتسعت المسافة بين من يصنع القرار ومن يتحمل نتيجته، أصبحت الأخطاء أكثر تكرارًا والمحاسبة أقل عدالة. ولا يعني استقلال الإدارة منحها حرية بلا حدود. فمن حق المجلس أن يناقش ويعترض ويطلب المعلومات، وأن يحاسب الرئيس التنفيذي أو يستبدله عند الإخفاق. لكنه يفعل ذلك بصفته مجلسًا، ومن خلال قنوات مؤسسية، لا عبر تعليمات فردية إلى الموظفين. فالفرق كبير بين مجلس يراقب الإدارة، ومجلس يتحول إلى إدارة أخرى. ويبدأ الإصلاح بتحديد القرارات المحجوزة للمجلس، وتلك المفوضة إلى الإدارة التنفيذية، ومنع أعضاء المجلس من إصدار أوامر مباشرة إلى الموظفين. غير أن اللوائح وحدها لا تكفي؛ فالفصل الحقيقي يتطلب التزام أعضاء المجلس بحدود دورهم، وتمسك الرئيس التنفيذي بالصلاحيات والمسؤوليات المرتبطة بمنصبه. إن بعض المؤسسات لا تفشل بسبب نقص الكفاءات، بل لأنها تستدعي الكفاءة ثم تمنعها من ممارسة دورها. فحين يتحول المجلس من الرقابة إلى الإدارة، يضعف المدير؛ وحين يضعف المدير، تضيع المسؤولية. والمجلس الأقوى ليس الأكثر تدخلًا، بل الأقدر على بناء إدارة تعمل بكفاءة وتُحاسب بعدالة.
3117
| 29 أغسطس 2026