رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مصطلح التطرف هو من أكثر وأكبر المشكلات التي تشغل العالم في وقتنا الحاضر . كما أن كلمة التطرف هي أكثر الكلمات تداولاً في الأوساط السياسية . فالتطرف حالة نفسية مرضية تصيب الفرد أو الجماعة، ويرفض الآخر ولا يقبل إلا رأيه، وهو مرض التمركز حول الذات، فالأطفال يصابون بالتمركز حول الذات وهو مرض يجب علاجهم منه عن طريق تدريبهم على تبادل الأدوار والإحساس واحترام وقبول الآخر. فإذا لم يعالج الطفل ينشأ فيه التمركز ويتطور ويصبح جزءا من نمط شخصيته، فيكون متطرفا في كل شيء في حياته فتصبح الحياة بالنسبة له بلونين فقط (هما الأسود والأبيض) ولا وجود للون الرمادي أي وجود الوسطية التي أمرنا بها الله عز وجل حيث قال "وجعلناكم أمة وسطا".
فمن هنا جاءت أهمية عقد اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر لمؤتمر الحوار العربي الأمريكي الآيبيري الثالث للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والذي عقد في 15-16 سبتمبر 2015، في مدينة الدوحة.
فنلاحظ أن هذه النوعية من الناس إذا دخل مشجعاً في المجال الرياضة يصبح متطرفا في تشجيع فريقه فصديقه من يشجع فريقه فقط، وإذا دخل في مجال الدين يصبح متطرفاً في اعتقاداته وأخوه فقط من يؤمن باعتقاداته ، ومنحرف في سلوكياته يعيش مع منحرفين أمثاله ، فيصبح شخصا مريضا بالتعميم والتصنيف، فكراهيته للآخر تجعله يصنف الناس طبقات وألوان وأشكال ويتعامل معهم وفق هذا التصنيف.
فيكون فريسة سهلة لتغذية النزاعات وهي البحث عن الفوارق بين أفراد المجتمع وتغذيتها لتكبر في نفوسهم وتجعلهم غير قادرين علي التكيف والتسامح ولذلك نلاحظها بين (المرأة والرجل) وبين ( الأسود والأبيض) وبين القبائل وبين المذاهب وبين الطبقات، بإثارة الفتن وتوسيع الفجوة بينهم حتى ينعدم الحوار وبالتالي تتلاشى الشفافية ويعم الغموض في العلاقة بين الأطراف وتنتشر الفوضى.
فالإنسان المتطرف تكون لديه نزعة إجرامية للتدمير والقضاء على الآخر، وذلك نتيجة عدم القدرة على التكيف الاجتماعي والتوافق النفسي في هذه العلاقة مع أفراد الوطن الواحد.
فالكراهية هي المغذي الحقيقي للتطرف الذي يعطي فهما خاطئا لمذهب أو معتقد أو فلسفة أو فكر، والغلو في التعصب، لذلك يعطي مبررات لأصحاب هذا الفهم الخاطئ أن يتصرفوا كما يحلو لهم في الطرف الآخر.
الشكوى التي كانت تتردد على لجنة حقوق الإنسان أن هل من ضمن حقوق الإنسان التعبير عن الرأي بحرية مطلقة تجيز للمجتمعات الأوروبية تنفيذ الحقوق المدنية والسياسية بشتم والتعدي على النبي صلى الله عليه وسلم أو الدين الإسلامي ورموزه ، لذا أصبحت حقوق الإنسان بين المطرقة والسندان في تحقيق هذا المطلب فكيف أجيز لك أن تعبر عن رأيك بدون التعدي على الآخرين وحرياتهم وأحلامهم حتى لا تقع في مطب الكراهية والتطرف، فالتعدي على رموز الإسلام من الممكن أن يؤدي إلى كراهية الآخر وبالتالي تتكون الأفكار المتطرفة.
نلاحظ أن مصطلح الكراهية والتطرف للجنة حقوق الإنسان غير واضح المعالم في هذا الجانب فهو ينفذ ويوجه لأغراض سياسية وأيدولوجية ، وهو ما يدعو إلى إثارة الآخر إلى أن يصبح متطرفا والدليل أحداث "شارلي اوبيدو" في فرنسا وهي كانت تحت ذريعة " لن أسمح لك أن تشتم أمي " فالرسول صلي الله عليه وسلم عندنا أحب من أنفسنا فلا تشتمه تحت غطاء حقوق الإنسان باسم حرية الرأي وأنت تولد الكراهية والتطرف، فلا ينشأ هذا الأسلوب إلا داخل المجتمعات التي لا تستطيع المطالبة بحقوقها، أي بمعنى أن لا صوت لها في التعبير عن رأيها.
وحتى نستطيع أن نضع الحلول النفسية والاجتماعية والتربوية المناسبة للقضاء على الكراهية والتطرف ، يجب أن نقوم بنوعين من الدراسات المسحية داخل المجتمع:
أولا: الدراسات التاريخية للواقع المجتمعي التي تعيش فيه هذه الظاهرة، ودراستها تاريخياً حتى نستطيع أن نرى الواقع بالشكل الصحيح لتضع الحلول المناسبة ، ففهم المشكلة بشكل صحيح يساعد في وضع الحلول المناسبة والصحيحة للقضاء على هذه الظاهرة.
ثانيا: الدراسات المستقبلية: وهي الدراسات التي تُنبئ بحصول هذه المشكلة بالمستقبل داخل المجتمع من جانب هل المجتمع قابل في المستقبل للكراهية والتطرف؟ وما هي العوامل التي تساعد في نشأة هذه المشكلة؟ إذا كانت هناك مؤشرات توضح أنه من الممكن أن تحدث هذه المشكلة إذا وجدت من يغذيها؟ وهي ما يطلق عليها تغذية النزاعات في الإدارة الاستراتيجية.
وبعد فهمنا لحجم المشكلة نقوم بتعزيز ثقافة الوسطية التي هي الاعتدال ومواجهة التطرف وهذا يتم على شقين الشق الأول هو القضاء على هذه الظاهرة أو المشكلة داخل المجتمع بوضع برامج تأهيلية وعلاجية والشق الثاني وضع برامج وقائية تقضي على كل مغذيات الكراهية والتطرف في مجتمعنا.
ومواجهة الكراهية والتطرف عن طريق سيادة القانون وإعطاء حق التعبير عن الرأي ولكن بحدود ألا يتعدوا على الآخر فالإنسان يحتاج للحرية وأيضاً بنفس الوقت يحتاج للضبط حتى لا تكون هناك فوضى. ونشر ثقافة التسامح في الأسرة و المدرسة والمجتمع فهي ثقافة تدعو إلى قبول الآخر المختلف عني دينيا أو عرقياً أو ثقافياً طالما لم أستطع تغييره لينهج نهجي. وهذا ما دعا إليه النبي صلي الله عليه وسلم لاحترام الآخر والإحساس بالمسؤولية تجاهه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن الوطني الجديدة، والتي حوّلت بوصلة الأولوية الاستراتيجية صوب نصف الكرة الغربي في إطار إحياء مبدأ مونرو. وُصفت الاستراتيجية بأنها أكبر تحوّل في السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأثارت جدالاً واسعاً بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية العالمية في سياق ذلك التحوّل. مبدأ مونرو في السابق كان مرادفاً للعزلة الدولية، ولم تنص الاستراتيجية على النكوص للعزلة صراحةً، لكنها كانت واضحة بشأن رفض فكرة الهيمنة الكونية الأمريكية ولعب دور شرطي العالم، كما أكدت بشكل قاطع على تقليص الاهتمام أو الانغماس الأمريكي في المحاور الست الاستراتيجية في العالم، بما في ذلك آسيا، لقاء التركيز التام على بسط الهيمنة الأمريكية التامة على نصف الكرة الغربي. والأدهى من ذلك أنها رفضت وصف الصين بقوة المراجعة المتحدية للهيمنة الأمريكية، إذ اكتفت بوصفها منافساً اقتصادياً قوياً فقط. ومعنى كل ذلك هو تخلٍّ أمريكي عن الهيمنة العالمية أو الهيمنة الليبرالية التدخلية، وبالتبعية تخلٍّ عن حرب الهيمنة الباردة على الهيمنة العالمية مع الصين، ولعل زيارة ترامب الأخيرة للصين، والتي تراجع فيها عن كثير من محاور الحرب التجارية ضد الصين، وأوحى بتصريحاته بتخلٍّ أمريكي صريح عن تايوان؛ تؤشّر على ذلك. المهيمن لن يتنازل أبداً: مونرو إعادة تموضع إقليمي ذكية للحفاظ على الهيمنة لم يعرف تاريخ العلاقات الدولية أن القوى المهيمنة عالمياً قد تنازلت عن وضعها المهيمن إلا في حالات استثنائية نادرة؛ إذ تظل تنازع للحفاظ على هيمنتها ضد القوى المتحدية حتى وهي في أضعف حالاتها، ويصل الأمر في أغلب الأحيان إلى حرب عالمية لحسم مصير الهيمنة، وهذا ما يعرف في العلاقات الدولية بـ"فخ ثوسيديدس". وذلك المنطلق أو الافتراض العام الأصيل في روح السياسة الدولية الذي لا يتغير قط يشكل مرجعاً أساسياً للشك في الاستراتيجية رغم إطارها العام الموحي بالعزلة والتنازل عن الهيمنة الدولية. والمرجع الثاني هو القراءة الصحيحة المتأنية للاستراتيجية؛ إذ رغم إعلانها عن تقليص النفوذ الأمريكي في العالم، فإنها تعلن الهيمنة الأمريكية التامة الساحقة في نصف الكرة الغربي، وتؤكد حصرية تلك الهيمنة عبر عدم السماح قط بأي قوى أخرى لمنافسة الهيمنة الأمريكية هناك، وذلك بلا أدنى مجال للشك سلوك ولغة قوى إمبراطورية. علاوة على ذلك، لم تنص الاستراتيجية على انسحاب تام من تلك المناطق الاستراتيجية لا سيما أوروبا والباسيفيك، بل فقط تقليص التركيز مع إعادة ترتيب ذكي للحضور العسكري، ومشاركة الحلفاء بقوة في الحماية والعبء العسكري والاقتصادي، إذ في هذا الصدد أكدت الاستراتيجية على دور الناتو المحوري لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة مشاركة أقوى للحلفاء، يضاف إلى ذلك تأكيد الاستراتيجية على مصالح وحضور واشنطن الاقتصادي في العالم، وخيار القوة لحماية تلك المصالح. أما المرجع الثالث الحاسم، وهو ما يقرؤه أدهياء التفكير الأمريكي من خلال الوثيقة ومن خارجها، يكمن في إعادة التموضع الإقليمي الذكي للحفاظ على الهيمنة الأمريكية. ثمة عدة وسائل للهيمنة العالمية والمحافظة عليها، واحدة من أشهرها وأهمها في الوقت عينه، "الهيمنة الإقليمية" للواقعية الهجومية لميرشايمر، والتي ترتأي أن الهيمنة العالمية تتأتى عبر إحكام الهيمنة الإقليمية التامة مع منع القوى المتحدة من هيمنة إقليمية موازية. في ذات السياق، يرى ميرشايمر أن فكرة الهيمنة العالمية الكونية بالمعنى الإمبراطوري -أي تمديد الحضور في كل أركان العالم- فمن الصعب حدوثها، وإن حدثت لن تدوم، بل ستؤدي إلى انهيار تلك الهيمنة. ولعل ذلك ما توصلت إليه الولايات المتحدة بأن مسألة الهيمنة العالمية الليبرالية قد وضعت الهيمنة الأمريكية على المحك، بل أسهمت في صعود الصين. ومن ثم، كان الحل هو التموضع في نصف الكرة الغربي، لأن ذلك يحافظ على ما تبقى من قوة للولايات المتحدة، أي عدم تبديد القوة عالمياً، ومن ناحية أخرى، يعزز القوة الأمريكية عبر الهيمنة والاستغلال التام لثروات نصف الكرة الغربي الممتد إلى جرينلاند، مع إعادة تموضع للقوة العسكرية هناك للحفاظ على القوة الأمريكية. وفي سياق ذلك، يتبقى الشق الأهم، وهو منع الهيمنة الإقليمية للصين في محيطها الآسيوي لكن عبر الأدوات غير المباشرة كما نصت الوثيقة، والتي تتمحور حول مشاركة الحلفاء لتعديل توازن القوى في آسيا، لا سيما اليابان والهند، والحفاظ على التفوق الاقتصادي لواشنطن هناك، وتقوية الدول الآسيوية المناهضة للصين عسكرياً، مع الحفاظ على توازن عسكري أمريكي ذكي دون الإيحاء بتحدي الصين عسكرياً أو دفعها لحرب عسكرية.
1563
| 04 يونيو 2026
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال صناعات الطاقة لم يكن باحثاً عن مجد شخصي.. ولا منصب قيادي.. ولا مغنم مادي كان عميقاً في التاريخ.. عريقاً في السياسة.. رائداً في الرياضة اشتهر بموقفه القومي القوي.. وشعوره العروبي الأخوي كان نموذجاً في العطاء القطري عرف بالنزاهة الإدارية والاستقامة الوظيفية كان لبنانياً أكثر من اللبنانيين في مواجهة أزمات وانكسارات هذا البلد العربي بمشاعر عميقة، وأحاسيس دقيقة، تعتلج في النفس، وتذوب في الروح، ينبلج في حراكها الإحساس، وتزداد من خلالها الأنفاس، أقف اليوم على منصة «الشرق»، لرثاء رمز قطري، طيب السيرة، نقي السريرة، اشتهر بالنزاهة الإدارية، والاستقامة الوظيفية، وعدم استغلال المنصب، لتحقيق مآرب شخصية أو مصالح فردية. وكنت أعتقد، قبل شروعي في كتابة هذه «المرثية» أنني أمتلك موهبة الكتابة الاحترافية، بعد أكثر من (40) عاماً، قضيتها في أروقة الصحافة الورقية اليومية. لكن لأول مرة، أجد قلمي حافاً، ومداده جافاً، لا يطاوعني في السير الانسيابي على الورق! وأجده يفاجئني، خلال كتابة هذه «المرثاة»، وكأنه مركبة فقدت وقودها، أو حافلة، «تترنح» على حافة طريق عام، وتعاني من غياب قائدها! وأقولها بصراحة، من الصعب على أي كاتب، مهما أوتي من قدرة، على القيادة الصحفية، أو المهارة الأدبية، أو القوة البلاغية، أو الخبرة الإعلامية، أن يرثي الراحل الكبير، عبدالله بن حمد العطية، صاحب الضمير الوطني، الذي كان نموذجاً، في العطاء القطري. ولا أبالغ، عندما أقول، إن هذا الفقيد الكبير، الذي فقدناه، قبل أيام، ورحل عن عالمنا، كان نظيف اليد، وطاهر القلب، وعف اللسان، اشتهر بالانضباط الإداري، والالتزام التام بقواعد العمل، والاستقامة في المواقف، والاعتدال في الأقوال، والاتزان في الأفعال. ولا يختلف اثنان، داخل قطر وخارجها، أن سيرة هذا الراحل المضيئة، ومسيرته المشرقة، تضعه في المرتبة الأسمى، بين رواد النهضة القطرية، بعدما ساهم بكفاءة وعمل بإصرار، وشارك باقتدار، بجهده وعمله، في دفع عجلة التنمية في البلاد، خصوصاً في قطاع الطاقة. وقبل الاستغراق، في الكتابة، عن المرحوم «بوحمد»، أجد من واجبي الأخلاقي، وضميري الإنساني والمهني، والوطني، أن أعتذر أمام الرأي العام، عن كل كلمة كتبتها، وخرجت عن مسارها، وتجاوزت في مضمونها، ضوابط حرية الصحافة، وانتهكت بمحتواها ـ دون قصد ـ أخلاقيات المهنة. ويشهد الله، وأشهدكم جميعاً، أنني أفخر ـ ولا أنكر ـ بمواقفه النبيلة معي، على الصعيدين الشخصي والعائلي، حيث كان موجهاً ومعلماً ومسانداً وداعماً لي، في جميع فترات حياتي. وخصوصاً، عندما كنت رئيساً لتحرير «الراية» الرائدة، وكان بمثابة الأخ الكبير، والمعلم الأكبر والداعم الأكثر. وفي سياق مواقفه النبيلة معي، لا أنسى موقفاً إنسانياً، يعكس تواضعه، وتسامحه، ونبل أخلاقه، عندما بادر، وهو يشغل منصبه الرسمي، بزيارة والدتي المريضة، في المستشفى، قبل رحيلها عن عالمنا. ولا أكشف سراً، أنني عرفت الراحل الكبير عن قرب، منذ أن كنت طفلاً، ولعبت مع أشقائه في منزلهم، وكبرت معهم، وقضيت معظم طفولتي، ألعب مع أقاربه، الذين كانوا أقراني في «الخريطيات»، هناك حيث تم تشييع الفقيد الكبير إلى مثواه الأخير. وهكذا، عندما أرثي هذا الفقيد الراحل، لا أرثي رجلاً عادياً، أو شخصاً عابراً، وإنما هو أحد الرواد، الذين أنجبتهم قطر، ووهبتهم شمائل الإدارة الناجحة. وما من شك، في أن ما تركه هذا الرجل الفذ بين دفتي كتاب سيرته ومسيرته، يضعه حتماً في المرتبة الأعلى، التي لا يجاوره فيها، ولا يجاريه، إلا نفر قليل، من رواد النهضة القطرية، كل في مجاله. لقد كان الوجيه الراحل عبدالله بن حمد العطية شخصاً موثوقاً في محيطه الوطني، وفي وسطه العملي، وإطاره الوظيفي، وهيكله المجتمعي. وعندما أكتب عنه، فهذا يعني الكتابة، عن جزء لامع ساطع، من تاريخ قطر المعاصر، في مجال العمل التنفيذي. ويعني أيضاً، التوقف عند مرحلة مهمة، في مسيرة العمل الوطني، بحكم أن الراحل، شغل عدة مناصب مرموقة، أبرزها تولي منصب نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الطاقة، تحت القيادة الحكيمة، والإدارة الرشيدة، والإرادة القوية، والعزيمة الصلبة، لصاحب السمو الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أطال الله في عمره، ومتعه بالصحة والعافية. ولا تنبع مكانة العطية، من المواقف التي تقلدها، والمناصب الرفيعة التي تبوأها، بل اكتسب أهميته المجتمعية، باعتباره، بحق لا مبالغة فيه، أحد رموز النزاهة الوطنية، والشفافية الإدارية. إلى جانب أنه، أحد رواد النهضة القطرية، في مجال الطاقة وصناعة الغاز الطبيعي، وخصوصاً بعد ارتباط اسمه، بالتحول التاريخي الذي جعل قطر، أيقونة تصدير الغاز المسال في العالم. وهذا الإنجاز الحضاري، جعله من أهم الشخصيات العالمية، في هذا المجال الحيوي من خلال رئاسته، لمنتدى الدول المصدرة للغاز. وإذا أردت التعرف بحق، على إنجازات العطية، عليك التوجه بنظرك إلى شعلة الغاز المتوهجة، في رأس لفان، التي تقوم بحرق الغاز الفائض، في الغلاف الجوي، لمنع تراكم الضغط العالي. وهي الشعلة، التي ساهمت في وضع قطر، في صدارة الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال، وجعلتها تتبوأ مكانها اللائق بين الأمم، من ناحية ارتفاع معدلات التنمية في البلاد. ولعل ما يميز العطية، أنه لم يكن يوماً باحثاً عن مجد شخصي، ولا منصب قيادي، ولا مغنم مادي، بل كانت المناصب تأتيه تباعاً، تقديراً لكفاءته ونزاهته، وطهارة يده. ومثلما كان خبيراً في شؤون النفط، وحقول الغاز، كان ضليعاً في حقول العلم والمعرفة، وكان عميقاً في التاريخ، عريقاً في السياسة، خبيراً في الرياضة، عظيماً في مجال الطاقة، ورمزاً من رموز النزاهة، وعلما من أعلام الشفافية، ورائدا من رواد المصداقية. أما أكثر وأشهر مميزات المرحوم عبدالله بن حمد العطية، توهجاً، فهي تتمثل في موقفه القومي القوي، وشعوره العروبي الأخوي، تجاه الأشقاء في الوطن العربي، وعلى وجه الخصوص في «بلد الأرز»، وحبه المخلص، والداعم والدائم لهذا البلد، وأهله. ومعرفته الوثيقة والعميقة، بكل تفاصيل التفاصيل، عن لبنان، أرضاً وشعباً وأرزاً ورمزاً. وأستطيع القول، إنه في كثير من الأحيان، كان لبنانياً، أكثر من الساسة اللبنانيين أنفسهم، في مواجهة الأزمات وحلحلة التحديات ولملمة الانكسارات، التي تعرض لها هذا البلد العربي. وكان دوماً، مدافعاً عن وحدة وحرية واستقلال واستقرار لبنان. هكذا عاش «بوحمد»، وغادر عالمنا، مصلحاً، صالحاً، نقياً، طاهراً، طيباً، شريفاً، محباً للخير. ولأنه لا مفر من الموت، الذي لا يستثني كبيرا أو صغيرا، ولا يفرق بين غني وفقير. أتوجه إلى الخالق عز وجل، طالباً الرحمة، لفقيدنا الكبير. اللهم ارحم عبدالله بن حمد العطية، واجعل قبره مناراً مستضاء، لا يشكو فيه ظلمة ولا ضيق. وإلى جنات الخلد، أيها الرجل البار، الواصل بأعمالك الخيّرة، المتواصل بأفعالك النيّرة، والباقي معنا بروحك الجميلة، ومواقفك النبيلة، التي لا تنسى.
1440
| 04 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
1431
| 09 يونيو 2026