رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الرئيس الفلسطيني ومستشاروه هذه الأيام يتحدثون كثيرا عن اللقاء الذي سيجمعه بالسيد خالد مشعل وهو اهتمام غير طبيعي ولا معتاد ويعكس ضرورته بالنسبة لعباس الذي اعتدناه إما ممتنعا أو متشرطا على لقاء السيد مشعل.. في نفس الوقت تتوالى أخبار اجتماعات السيد عباس ومستشاريه مع الرباعية الدولية لإيجاد مدخل جديد لاستئناف عملية التسوية المتعطلة منذ عدة سنوات كشفت عبثها وضيق أفقها .. وبقدر ما بين اللقاء بمشعل والكلام عن التسوية من تناقض وما يفترض أنه سيضع عباس بين خيارين متباعدين وبقدر ما يقلل أحدهما فرصة الآخر إلا أن السيد عباس يبدو مصرا عليهما كليهما.. ليس المظنون أن عباس يراهن على تحويل موقف السيد مشعل لصالح التسوية وليس من المنطقي أن يراهن على كلمته – مشعل – يوم المصالحة التي أراد أن يفهم منها أنه يوافقه على المفاوضات لمدة سنة.. ولكن الأرجح أنه يراهن على إحراج السيد مشعل بمطالبته بإتمام المصالحة على أساس الانتخابات التشريعية والرئاسية.. وهو ما صرح به " ياسر عبد ربه " في تعليقه على أهمية اللقاء وما يجب أن يتمخض عنه .. عندما قال: " المصالحة يجب أن تعيد للشعب دوره حتى لا تتحكم الفصائل في القرار الوطني".. وأقول:
هذا يعني أن الانتخابات في نظر السيد عباس ومن حوله هي الحل لكل المشكل الفلسطيني من الانقسام إلى الاحتلال.. وربما يظن البعض أن الدعوة لهذه الانتخابات دعوة عادلة وبريئة وأنها الحل لكل الخلافات كما في كل دول العالم.. وهذا غير صحيح وهو قياس في غير محله.. لأن الانتخابات تقوم أساسا على المغالبة لا على الاتفاق والتفاهم فإن نفع ذلك في دول مستقرة ولها دستور جامع وناظم لنوعية وحدود الخلافات بين الاتجاهات والأحزاب فهو لا يصلح في مثل الشعب الفلسطيني الذي يحتاج ليس لمغالبة جديدة يستعلي فيها أحد الفرقاء على الآخرين ويجتاح مشاريعهم وبدون دستور ناظم ومحدد وتصل الخلافات بين الاتجاهات أن يخون أحدهم الآخر وينسق مع العدو ضده.
الشعب الفلسطيني بحاجة لاتفاق يقلص الخلافات ويحدد المثيرات ويثبت الاحترام المتبادل بين الفصائل التي صار بينها ما صنع الحداد .. ولتوضيح ما نقول لنتخيل أن فتح – السلطة – فازت في الانتخابات التشريعية والرئاسية وأخذت الجمل بما حمل ثم ذهبت في اليوم التالي واتفقت مع العدو على إعطائه نفوذا على غزة كما تعطيه على الضفة ، وأتبعت ذلك بالتنسيق المخابراتي معه كما في الضفة أيضا.. فهل ستكون قد حلت المشكلة أم عقدتها ؟ وهل ستقبل حماس بذلك حتى لو فرضنا أنها أقلية أو كانت تتجسد في شخص واحد فرد رأسه ؟
هذا التحدي لا تحله إذن المصالحة على أساس الانتخابات ، وليس له حالات مشابهة في أي دولة مستقرة ذات دستور ناظم.. ومن هنا فالانتخابات لا تصلح منطلقا لحل الخلافات الفلسطينية.. وهو منطق أقرت به فتح في المصالحة عندما قبلت بإرجاء الانتخابات وأن تسبقها خطوات كثيرة من التفاهم واستعادة الثقة ، وقبلت أن يكون موعد الانتخابات متأخرا عن موعد التوقيع ..
المسألة ليست تحل بالانتخابات.. وسواء كانت نتيجتها لصالح حماس أو فتح.. والقضية ليست قضية جدال أو مساجلات كلامية ولكنها قضية عملية وواقعية وماثلة في الحال الفلسطيني ، ولدينا نموذجان - غزة والضفة - للنظر في فرق البرامج وما يستتبع ذلك الفرق من فروق على الحال الوطني .. ولدينا أيضا انتخابات 2006 التي كانت موصوفة ومشهودة من حيث الشفافية ونسبة المشاركة فيها وكيف أدت لحرب فصائلية ثم للانقسام الذي لم يكن قبل ذلك ..
إذا أريد للقاء (عباس - مشعل) أن يثمر نتائج حقيقية وأن ينتج تحولات تاريخية ومصيرية قد صارت ضرورية ولا تحتمل التأخير فإن ثمة أسئلة جوهرية صارت على لسان كل فلسطيني اليوم ، وصار لا بد أن يتفق على إجابتها وأن تثبت على رأس المصالحة .. وهي فوق التنازع الحزبي ، وفوق معايير كل فريق على حدة ، وفوق الخلافات ، ويجب أن تؤسس للاستراتيجية الفلسطينية الجديدة .. وبدونها فليبق الانقسام الذي هو بدون الإجابة عليها الشر الأهون والخطأ الأقل ..
الشعب الفلسطيني يسأل اليوم : ماذا بعد فشل عملية التسوية ؟ وإلى متى ستبقى السلطة في المرفأ الصهيوني ؟ ومتى يصبح تفكيكها لازما لا محيد عنه ؟ وما مصير المقاومة وغزة في حال فوز فتح أو فوز حماس بالانتخابات ؟
فإن كان الجواب أن ما بعد التسوية تسوية ، وأن ما بعد المفاوضات مفاوضات ، وأن الحياة الفلسطينية مفاوضات في مفاوضات فلا داعي للقاء إذن ، ولا ثمرة منه ، ولا من الانتخابات التي ستتمخض عنه ولا من المصالحة كلها .. وإن كان الجواب أن السلطة ستظل في المرفأ الصهيوني دائما بصرف النظر عن كل الاعتبارات وبمعنى أنها ستظل خاضعة للتدخل الصهيوني والتنسيق المخابراتي ، وأن المجلس التشريعي وتوازناته ونسب الأكثرية والأقلية فيه ستظل تحت رحمة وإرادة العدو ، وأن رئيس السلطة سيظل عاجزا عن حضور اجتماع عربي أو إقليمي لصالح قضيته كما حدث أيام العدوان على غزة .. فلا داعي للقاء إذن ، ولا ثمرة منه ، ولا من الانتخابات التي ستتمخض عنه ولا من المصالحة كلها .. وإن كان الجواب أن المقاومة ممنوعة في كل الأحوال ، وكان ما قاله عباس في ستراسبورغ يوم 20 / 4 / 2009 من أنه " حتى لو فازت حماس بالتشريعي والرئاسة فلن يسمح لها بإطلاق الصواريخ وجر الشعب الفلسطيني إلى المواجهة " أقول إذا كان هذا الموقف من المقاومة نهائيا .. فلا داعي للقاء إذن ، ولا ثمرة منه ، ولا من الانتخابات التي ستتمخض عنه ولا من المصالحة كلها .. وإذا كان الجواب أن غزة ستصير مثل الضفة تطارَد فيها المقاومة ويُصفى فيها القادة وتُصادَر فيها الأسلحة .. فلا داعي للقاء إذن ، ولا ثمرة منه ، ولا من الانتخابات التي ستتمخض عنه ولا من المصالحة كلها ..
وبالعودة للانتخابات .. فهي أولا : ليست ضمانة على شيء ؛ لأن كل هذه الأمور " الفوق خلافية " لا تخضع لمعايير الأكثرية والأقلية ، وثانيا : لأن فلسطين ليست مستقلة وليس لها دستور ناظم ، ولأن وراء كل صوت انتخابي وكل حجر في وادي تربصا صهيونيا ، ثالثا : ولأن الانتخابات قد جربت في ظل عدم الاتفاق على برنامج سياسي " الحد الأدنى " فأدت لحرب فصائلية كادت تؤدي لحرب أهلية وأدت لمزيد من الانقسام ، رابعا : لأن العدو لن يسمح لحماس أن تفوز !! ولا ينكر أحد أن الأمر بيده ، وأنه يستطيع التدخل جراحيا عند اللزوم لمنع ذلك وأنا على يقين أنه لو فعل ذلك فلن يتراجع عباس عن إجراء الانتخابات ، وربما يعتبرها الفرصة لعزل حماس وهزيمتها .. ولست أبالغ إذا قلت والأرجح أن يرتب ذلك مع العدو كما رتب أمورا كثيرة ضد حماس .. خامسا : لأن النيات وحدها حتى لو صدقت والتعهدات الكلامية وحدها مهما كثرت فلا يمكن الوثوق بها بالأخص وهي تصدر عمن لا يملك أمر نفسه وعمن جربت مصداقيته.. والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين ، والعاجز هو تماما كالمفرط سواء بسواء من حيث النتيجة والمحصلة الفعلية.
الحقيقة أن الشعب الفلسطيني بحاجة لاستراتيجية جديدة تقوم على أساس أن عملية التسوية قد فشلت ، وأن السلطة قد باتت معوقا للمشروع الوطني الفلسطيني ولم تعد أكثر من هيئة في خدمة الاحتلال ، وأن الزمن يسير ويتطاول لصالح التهويد والاستيطان ، وأن المقاومة أثبتت جدارة تستحق الاعتراف بها وبقيمها وبمبرراتها ، وأن غزة صارت رغم أنف العدو معادل ردع له ونواة للتحرير الكامل وشبه محررة ، وأن العالم العربي بات يتغير لصالح الشعب الفلسطيني ، وأن الشعب الفلسطيني إن توحد على قلب برنامج سياسي واحد فإن العالم العربي سيقف معه تصعيدا وتخفيضا ورسميا وشعبيا راغبا أو مضطرا بما يستحث العالم للضغط على العدو وبما يقفز بالقضية الفلسطينية إلى موضع الاهتماتم العالمي الرسمي والشعبي ..
آخر القول : من الخطأ والخطر اختزال المشكل بين فتح وحماس في الانقسام الذي أبعد غزة عن الضفة بقدر ما أبعد حماس عن فتح ، وجاء نتيجة لخلافات لا بداية لها ، ومن الخطأ والخطر توهم أن الانتخابات التشريعية والرئاسية التي تفوض الغالب منهما بالتحكم في خيارات ورؤية ومصالح المغلوب ويتحكم العدو في إجرائها ونتائجها ستحل هذه الخلافات ، ومن الخطأ والخطر تجاهل الأسئلة " فوق الخلافية " التي يجب أن يجاب عليها قبل أية مصالحة وأي انتخابات ، ولا بد أن يقوم عليها برنامج الحد الأدنى ، ومن الخطر والخطأ أن يتمحور أي لقاء وعلى أي مستوى حول سبل الالتفاف على القضايا الأساسية بالكلام في التقاسم والتنافس.
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
664
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
964
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
603
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026