رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه أمّة خائفة، تخاف حتى غدت بلا همّة، فمن خاف قعد، ومن قعد ذل، ومن ذل هان على الناس بعد أن هانت عليه نفسه. فلا غرو، إذن، أن تهون فلسطين على سبع وخمسين دولة خافت، أن تصدع بشجاعة لفظًا وبيانًا، على الأقل، بما يمليه عليها الواجب الشرعي والإنساني، وبما تستوجبه العقيدة الواحدة، وبما تقبله النفوس العزيزة، اللهمّ إلا قليلًا ممن وقفوا دائمًا مع غزة وفلسطين.
وجاء جهاد غزة ليعري ويفضح، ثم لينفث في الأمة، بإذن الله، ما يحييها حين تستجيب لله ورسوله.
فمِّمَ نخاف وكيف؟
نخاف من أنفسنا، إذ يخاف من هو في القمة ممن هم في القاع، فيسلط عليهم عيونه، ويوسع لهم في السجون ويستخفهم، ويخاف من هم في القاع ممن هو في القمة فينافقونه ويسكتون وينصاعون، وتدور الدائرة بلا توقف جيلًا بعد جيل، وتعمى القلوب قبل الأبصار، وتهون النفوس، ويخاف الكل من الكل.
نخاف من الناس حولنا، إذ نخاف أن تتخطفنا الأمم، بعد أن هُنَّا على أنفسنا وعلى الناس. نخاف ممن هم وراء البحار، فلا ندخِل لغزة إلا أكفانًا نواري بها سوءاتنا نحن، فشهداء غزة يستر الله أجسادهم الطاهرة بستره، ويواريهم ثراها المجاهد، لنكتشف - نحن القاعدين تخاذلًا - أن كل ما درسناه عن نيل استقلالنا الحديث، واستعادة حرية أمتنا، سرابٌ تحسبه شعوبنا حقيقة، حتى إذا جئناه وجدناه وهمًا، ووجدنا الله عنده فوَفَّانا حسابنا، وما أغلظه من حساب!
نخاف من الصدق مع أنفسنا؛ إذ نخجل من هواننا، فنَتَلَبَّسُ أقنعة زائفة مزورة، لعل من نخاف منهم وراء البحار يقبلون بنا، لنكتشف أن ذلك مراد لن نناله مهما تعبت من أجله أجسامنا.
أفلا نّتَنَكَّر لتراثنا وهويتنا وديننا ولغتنا حين نرسل أبناءنا إلى مدارس من نخاف منهم، فيتخرج أحدهم يتباهى بالرطين البذيء؟ وهيهات أن يقبلوه متساويًا معهم حتى ينزع عن نفسه آخر انتماء لأمته، فيلفظوه! ويظل بعضهم يلهث، حَمَلْتَ عليه أم تَرَكْتَهُ.
إعلان
نخاف من الحرية، ومن يخاف منها يخلد إلى الأرض، حتى لا يرى بيارقها المضرجة، فيستمرئ الاستعباد. فكم من عبد آثر القيد على الانعتاق، فظل يرسف حتى الممات، في طاعة سيده؛ خوفًا من الجوع! وكم من بلداننا تكبلها هذه الأيام أغلال الديون فتؤثر إملاءات سادة ما وراء البحار، فلا تهب لنجدة من يرفعون بيارق الحرية، بل تخاف أن تصل إليها من غزة وفلسطين رياح الحرية، فيتغير الحال بأحسن منه بعد خوف وهوان.
نخاف من وحدة أمتنا أرضًا ومصيرًا، فنتقوقع وراء الحدود متفرّقين وتذهب ريحنا، فيؤكل الواحد منا أمام الآخر، ولات حين مندم! وما طوائف الأندلس وبلاد الشام منا ببعيد.
نخاف من العلم والعقل فنقمعهما، ونَعْمَهُ بلا فكر ولا مراجعة، ونظل ندور وندور كما يفعل من قيدوه للساقية، يسقي غيره ويموت وهو مقيد. أَوَلا يتخرج أبناؤنا من جامعاتنا، مهندسين وأطباء وعلماء ومفكرين، فيرحلوا إلى بلاد ما وراء البحار حين تقمع عقولهم، أو حين لا يجدون العدل في فرص العمل؟
نخاف من العدل فكثر فينا الفساد، فساد في حكم العباد والبلاد، فساد في الإدارة، فساد في الموارد وتوزيع الثروات، بل حتى فساد في التدين والمتدينين. أوَلا تتصدر بعض دولنا القوائم العالمية لأكثر الدول فسادًا؟!
نخاف من الكلمة الحرة والرأي الشجاع فنسكت خانعين، أو نرفع أصواتنا بالباطل ومع أهله. أو لا ترون كيف أن بعض شاشاتنا الناطقة بالعربية تهلل لمن يسفكون دم أهل غزة، وتعتبر رسالة الشاشة التي تقف مع غزة ترويجًا خارجًا عن قواعد المهنية، كما يحلو لهم أن تكون؟!
قد يتّهمني نفر من الناس - أحسبهم من المخلصين - بالتثبيط إذ أقول ما قلت، وسيقولون الخير في الأمة إلى يوم الدين، مصداقًا لحديثه صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك، ولكن حتى تصبح بذرة الخير هذه فعلًا يغير واقعًا ويحيي نفوسًا، فلن تبرح مربع الإيمان الناقص حتى عن حدود الأضعف من الإيمان.
آن الأوان أن نُمَكِّنَ لبذرة الخير التي غرسها في الأمة نبينا - محمد صلى الله عليه وسلم، وروَّاها صحبه بدمائهم وعقولهم - حرمًا آمنًا فاعلًا في قلوبنا حتى تستغلظ وتستوي على سوقها لتغيظ أعداءنا.
ولن تصبح هذه البذرة فعلًا يغير حتى تنقشع سحب الخوف من النفوس، وهل يكنس السحاب الداجن المظلم بلا مطر إلا الرياح الهطول؟ وهل تهتز الأرض وتربو إلا من بعد غيث عميم، فيخرج منها الخبء الذي ينتظره خلق الله جميعًا؟ وهل يملأ الخبء خوابيَ الناس إلا من بعد أن تحصده المناجل وتذرو تبنه السواعدُ على بيادر الغلال؟
وأستميح من سبقني بالتشبيه حين أقول: غزة اليوم مثل "ناقة صالح" عقرها قومه فدُمْدِمَ عليهم، فعسى أن ننزع الخوف من نفوسنا كما فعل أهل رباط عسقلان، فلا نهون ولا يدَمْدَم علينا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2271
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1542
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
1161
| 16 أكتوبر 2026