رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقول ابن القيم الجوزية: إذا عاملتَ الحق فأخرج الخلق، وإذا عاملتَ الخلق فأخرج النفس. وهى كلمة جليلة تلخص الطريق إلى سعادة النفس في الدارين من خلال صدق العبادة والإتقان في عبادة الرحمن، والعدل والإحسان مع خلق الرحمن.
إن من الظلم أن تحجُبَ أهواء النفس ونزغات الشيطان الإنسان عن الإحسان إلى الخلق، ولكن الظلم الأكبر أن تحجب النفس والخلق العبد أو الأمة عن الحق سبحانه وتعالى، فيصير (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ) (الأنعام: من الآية71) ولا يستجيب للدعاة إلى الله (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا) (الأنعام: من الآية71) لأن هواه وشيطانه لم يمكناه من إدراك (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) (البقرة: من الآية 120) وأخشى على هؤلاء من الوعيد الشديد الوارد في الأثر الذي رواه الترمذي بسنده عن أبى الدرداء أن النبي صلى الله علية وسلم قال: إني لأجد نعت قوم يتعلمون لغير العمل، ويفقهون لغير العبادة، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن، قلوبهم أَمَرُّ من الصبر، فبيَ يغترون، وإيايَ يخادعون، فبيَ حلفت لأتحين لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران.
فإذا أراد العبد أو الأمة أن يَجدَّ السير إلى الله تعالى ويواجه هذه الفتن فإنه يجب أن يتسلح بقوة هائلة، مثل الطائرة العملاقة التي لا تُحَلّقُ إلا بعد تدقيق كثيف وتموين كثير، ويمكن أن نلخص هذه القوة في أمرين:-
أولاً: اذا عاملتَ الحق فاخرج الخلق:
نعم لأنه في بَدائه العقول لا يستويان (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (النحل:17) والخلق إما الإنسان أو الحيوان أو الطائر أو الجماد أو هي الأملاكُ بأنواعها البراقة، كل هذا قد يجعل لها قيمة أعلى مما وضعها الرحمن للإنسان فهي كٌلُها مسخرة للإنسان (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) (الجاثـية: من الآية 13)، وبالتالي فالملك الذي خلق جعلنا خلفاء وسخر الخلق لنا، فكيف نتحول إلى أشقياء لخدمة هذا الخلق؟ والإنسان الذي نحاول أن نرضيه بسخط الله قلبه بيد الرحمن "القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء". وعليه فلا نملك أن يحول أب أو أم قلب أولادهم إليهم وهم فلذات أكبادهم، ولا تملك زوجة أو يملك زوج أن يصرف قلب الآخر إليه وحده، ولا يملك شيئا من المخلوقات لم يقدره له ربه، وعليه فإن من الكياسة كل الكياسة والعقل كل العقل أن يُنَحِي الإنسان رضا الإنسان، أو النَهَمُ على الأشياء بما يصرفه عن رب الناس، وآنئذ يكون قد خسر مكانه عند الله ولا يأتيه من الدنيا إلا ما كتب له، ولا يملك أن يصرف قلوب الناس إليه، وهذا هو الخاسر فعلا الذي قال الله فيه (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ٬ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيد٬ُ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) (الحج:11-13) إن كان العبد صادقا في العبادة والإتقان فانه يحمل طاقة إيمانية عالية أن يتحدى أي شيء كما فعل سحرة فرعون حين قالوا: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طـه: من الآية72) رغم أنهم هم المتزلفون إليه، الطامعون فيما في يده قبل الإيمان كما قال تعالى: (أَئنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) (الشعراء: من الآية41)، يتحدى تعذيب القوم كما فعل عمار وياسر وسمية وبلال وأبو ذر وابن مسعود، بل يكون كما كان يقول ابن مسعود وهم يعذبونه: ما كان شأنهم أحقر عندي من هذا اليوم، وعندما جيء بخبيب ليقتل وقيل له أتحب أن محمدا مكانك، فقال ما أحب أن يشاك محمد شوكة واحدة وأنا آمن في أهلي ثم هددوه بالتعذيب والتقطيع لجسده بعد قتله فأنشد يقول منظومة رائعة صادقة في حب الله تعالى:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أشلاء شلو ممزع
هل ندرس هذا في القرآن والسنة والسيرة ولا نقدر على مخالفة عرف غالب مخالف لأوامر الحق سبحانه سواء في أفراحنا أو أتراحنا ، في فقرنا وغنانا، في عافيتنا وأمراضنا، في ليلنا ونهارنا؟!!!، فكم من مدع إرضاء الحق وهو يشتري الأشياء لا لِيُسَخِرَها في مرضاة الرحمن بل ليستطيل بها على عباد الله! وكم من محب لإنسان وترك لأجله الخشوع والإقبال على ذكر الله! وكم من متزلف لمسئول لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا! وكم من ساكت عن الحق خشية بطش الخلق!، وكم من راءٍ لفتن ومفاسد تستوجب إعلان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانخرس اللسان خشية من ردود فعل الآخرين!
ثانياً: إذا عاملتَ الخلق فأخرج النفس:
هناك معايير راقية في تقييم النفس والناس مثل: "خير الناس أنفعهم للناس"، "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" والمطلوب ليس الوصول إلى العدل والقسطاس المستقيم بل تجاوزه إلى البر والإحسان وهو يقتضي أن يكون لدى العبد أو الأمة مايجعله يبالغ في إكرام الخلق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله كتب الإحسان في كل شيء" ويتعامل بالرفق "ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما نُزِعَ منه إلا شانه"، وهذا يحتاج إلى مجاهدة للنفس وصراع مع الشيطان معا لاقتلاع كل بذور الكبر والخيلاء والغل والحسد، والهلع والفزع، والجشع والطمع، والغيبة والنميمة، والكذب والبهتان، والخيانة والنكران، والعجز والكسل، والجبن والبخل، والأنانية والأثرة.......
وهذا لن يستقر خُلُقاً أصيلا وطبعا نبيلا إلا بعد تحديد صادق: أين نفسي من الحق والخلق؟ هل أراعي الخلق عند إرضاء الحق، أو أراعي نفسي عند التعامل مع الخلق؟ وهذا يقتضي أن ندرك أن النفس تمر عبر خطوات ثلاث:
1. الغفلة، قال تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) (يوسف: من الآية53).
2. الاستحضار، قال تعالى: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة:2).
3. الحضور، قال تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) (الفجر:27).
ومن السنن الإلهية أنه لا قفز من الطفولة إلى الشباب إلا بعد مرحلة المراهقة، كذا الإنسان لا يمر من غفلة القلب، وهوى النفس إلى حضور القلب، وخضوع النفس إلا عبر طريق طويل شاق وهو مجاهدة النفس، لكن مع مشقته فيه سعادة الدنيا والآخرة، فيه رضا الله والجنة ، فيه صحبة الأخيار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فيه الخير والرضا كله، وهو أملنا فيكم إخواني وأخواتي في الله في أي مكان من أرض الله عز وجل، ورجاؤنا في ربنا أن يرزقنا الهداية كما وعدنا سبحانه (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69).
لا تكوني شكلا بلا مضمون
عندما يصبح الرجال عبيداً تصير النساء أسيادا، عندما تغيب الشمس يخرج البدر يبدد الظلام، وينشر النور والأمن في... اقرأ المزيد
958
| 19 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام (2)
الإقدام همٌّ وعزم على المبادرة للمروءة والنجدة، كما قال الشاعر :لا يسألون أخاهم حين يندبهمفي النائبات على ما... اقرأ المزيد
4208
| 12 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام
الإقدام همة، والإحجام خسة، الإقدام رجولة، والإحجام نذالة، الإقدام شجاعة، والإحجام جُبن، الإقدام فحولة، والإحجام طفولة، الإقدام قوة،... اقرأ المزيد
4171
| 30 يناير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4677
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026