رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يحار المرء وهو يمسك بجهاز التحكم عن بعد لجهاز التلفاز في العثور على وسيلة للهرب من مشاهد القتل والدمار والتشريد التي تعاني منها بلادنا العربية. فنسعى لخفض صوت التلفاز حتى الصمت كي لانسمع معاناة مواطن مقهور أو أنين جريح تؤلمه جراحه أو عتاب ثكلى تناشد من يساعدها أو شكوى طفل اشتاق لحضن والده. نقلّب بين القنوات علّنا نجد خبراً مفرحاً أو برنامجاً ترفيهياً أو حتى فيلماً سينمائياً ينسينا نكبتنا، ليس هرباً من تحمّل المسؤولية، إنما هو شعور العاجز الذي سئم التضامن بأضعف الإيمان وتعب من تعاطفه الأجوف الذي لا يُطعم جائعاً ولا يُفرح طفلاً ولايؤمّن مأوى لعائلة مشردة.
حالة العجز واليأس والإحباط التي أصابت الكثيرين دفعت بهم لطرح تساؤل يجده البعض مستهجناً: ترى ألم يكن خيرا للشعوب الثائرة لو أنها لم تثر، فواصلت الخضوع للحاكم وزبانيته، ولم تحرك ساكناً إزاء فسادهم ونهب خيرات بلادهم؟ ألم يكن خيرا للشعب السوري لو أنه لم يغضب ولم يتظاهر ولم يرفع صوته رفضاً لظلم وفساد وإجرام نظام بشار الأسد، ألم يكن ذلك حفظ دماء مئات آلاف السوريين ومنع تشريد الملايين وحفظ أرضهم من الدمار والتخريب الذي أصابها؟ ألم يكن أكثر فائدة للشعب الليبي لو أن معمر القذافي استمر في حكم بلادهم "زنقة زنقة، وبيت بيت"، مع ما رافق هذا الحكم من طغيان وفساد وتسلط، لكنه كان حفظ دماء الليبيين ومنع أطماع الشرق والغرب بأرضهم وخيراتها؟ ألم يكن خيرا للشعب المصري لو أنه أدّى فروض الولاء لحسني مبارك وصفّق لتوريث ابنه جمال رئاسة الجمهورية وسكت على فساد المنتفعين منه، ألم يكن أفضل مما تعانيه مصر اليوم من ظلم وقهر على أيدي ثورة مضادة زجّت بخيرة أبنائها في السجون وتقتل منهم من يرفع الصوت أو يرفض الخضوع؟ ألم تكن ثورة اليمنيين عاملاً مشجعاً لجماعة الحوثي ومعها إيران لتنفيذ مخططاتها التوسعية؟. أليست أسئلة مشروعة تلك التي تسأل عن الفوائد التي حققتها ثورات الشعوب المقهورة بعدما باتت البلاد ممزقة والشعوب مشتتة؟ ألم يكن خيرا لهذه الشعوب لو أنها واصلت خضوعها للظالم المستبد واستمرت في تصفيقها له والتهليل لإذلالها وسلب كرامتها وإفقارها وتجهيلها مما يحصل اليوم؟.
هي أسئلة مشروعة، لكن أسئلة مشروعة أخرى يجدر بالشعوب المقهورة أن تطرحها: من منّا كان يتخيل أن تتحول ثورة الشعب السوري على نظامه إلى حرب كونية تتحالف فيها دولة عظمى كروسيا إلى جانب إيران وحزب الله والمليشيات الشيعية حول العالم واجتماعهم لمواجهة الشعب السوري والسعي لسلبه حلمه بالعيش بكرامة. من كان يتصور أن تنمو في بلادنا غدة سرطانية اسمها "داعش" شوّهت وجه الثورات الصادقة، وسرقت نضال الشعوب وكفاحها في سبيل الحرية، ونجحت في تحويل مسار الثورات من سعي لرفع الظلم إلى إرهاب وقتل وتشويه لصورة الإسلام والمسلمين. من كان يخطر في باله أن إيران ستنجح في استغلال ثورات الشعوب لتتسلل إلى منطقتنا وتزرع ميليشاتها تحت عناوين خادعة ومزيفة. من كان يتخيّل كل ذلك؟
حين تشتعل الثورات لايفكر أصحابها في مآلها، وليس بالضرورة أن يحصد الثائرون ثمار ثورتهم، فربما تتأخر الثمرة بالنمو فيحصدها أبناؤهم، هي حالة أشبه بالبركان المنتفض الذي حانت ساعة قذف حممه، لكن المؤكد هو أن الله تعالى "لايغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم".
لماذا لا نرتقي؟!
أفكر كثيراً وأتساءل لماذا لا تتقدم الإدارات الحكومية والوزارات؟ لماذا لا تتطور؟ لماذا تقدمها بطيء جداً كمشية السلحفاة... اقرأ المزيد
117
| 21 مايو 2026
خاب ظن يهود يثرب بعد أن خرج نبي آخر الزمان عربياً من بني هاشم من نسل إسماعيل بن... اقرأ المزيد
282
| 21 مايو 2026
التنكيل بنشطاء أسطول الصمود العالمي
في ظل تصاعد الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، تواصل دولة قطر تأكيد موقفها الثابت والداعم لعدالة القضية... اقرأ المزيد
72
| 21 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1398
| 18 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية، متجاوزًا وظيفته التقليدية كأداة للإجابة عن الأسئلة أو تسريع إنتاج المعرفة، ليغدو فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الأحكام، وتوجيه القرارات، وإعادة صياغة علاقة الإنسان بإدراكه لذاته وللعالم من حوله. فالتفاعل مع هذه الأنظمة لم يعد مجرد عملية طلب للمعلومة وتلقّيها، بل أصبح جزءًا من بنية التفكير نفسها، بما يمنح الآلة دورًا يتجاوز الوساطة التقنية إلى تأثير معرفي ونفسي متنامٍ. وتنبع حساسية هذه المكانة الجديدة ليس فقط من قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج المعرفة، بل من قدرته على ترسيخ قناعات المستخدم، وتعزيز إحساسه باليقين تجاه أفكاره وقراراته، بل وحتى تجاه رغباته ودوافعه. غير أن هذه الوظيفة تكشف اليوم عن وجه أكثر تعقيدا وإثارة للقلق. فالدراسات الحديثة تشير إلى أن كثيرا من أنظمة الذكاء الاصطناعي تميل إلى تبنّي سلوك قائم على الإرضاء والمجاراة، لا على التصحيح والمساءلة. في بدايات النقاش حول هذه الظاهرة، كان الاهتمام منصبًّا على ميل النماذج إلى تأكيد أخطاء المستخدم المعرفية، كأن توافقه على معلومة غير صحيحة أو تدعم استنتاجا خاطئا فقط لأن ذلك يتماشى مع توقعاته أو قناعاته. كان هذا يُفهم بوصفه خللا معرفيا ناتجا عن تغليب الانسجام على الدقة. لكن التطور الأهم- في ظني- يتمثل في انتقال هذا الميل من مستوى المعرفة إلى مستوى الأخلاق. فالمشكلة لم تعد أن الآلة قد توافقك على حقيقة خاطئة، بل إنها قد تمنح أفعالك ذاتها شرعية ضمنية، حتى حين تكون محل إشكال أخلاقي. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ"التملق الاجتماعي"، حيث لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تأكيد الأفكار، بل يمتد إلى تبرير السلوك وإعادة صياغته بلغة تخفف من وطأته الأخلاقية. وهذا يعني أن النظام لم يعد مجرد أداة معلومات، بل أصبح جزءًا من آلية إنتاج التبرير نفسه. تكمن خطورة هذا التحول في أن الإنسان لا يبحث دائما عن الحقيقة بقدر بحثه عن التبرير. وعندما تأتيه الموافقة من نظام يمتلك هالة معرفية عالية ويبدو قادرا على الفهم والتحليل، فإن هذه الموافقة لا تُقرأ بوصفها استجابة تقنية فحسب، بل بوصفها تصديقا يمنح الفعل شرعية إضافية. وفي هذه اللحظة، يبدأ جزء من العبء الأخلاقي بالانتقال من الإنسان إلى الآلة، أو على الأقل يتوزع بينها وبينه، بما يخفف الشعور بالمسؤولية ويجعل الخطأ أكثر قابلية للتبرير وأكثر سهولة في التكرار. هنا تكمن المفارقة الكبرى: أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُفترض أن يساعد الإنسان على التفكير بصورة أفضل، قد يتحول إلى أداة تجعله أكثر اطمئنانًا إلى أسوأ قراراته. المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُسوَّق بوصفه أداة لتحسين القرار البشري، قد يتحول في هذه الحالة إلى أداة لإضعافه. فالقرار الأخلاقي لا يتطلب فقط معلومات، بل يحتاج إلى مقاومة داخلية، إلى احتكاك نقدي، إلى صوت يعترض حين يلزم الاعتراض. وإذا غاب هذا الصوت، أو استُبدل بآلة تتقن فن الإرضاء، فإن الإنسان يصبح أكثر عرضة للانزلاق الأخلاقي وهو يشعر بالطمأنينة. المسألة هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية وفلسفية كذلك. لأن تصميم الذكاء الاصطناعي هو، في جوهره، تصميم لعلاقة سلطة: من يملك حق التصحيح؟ ومن يحدد متى يجب على النظام أن يرفض؟ وهل وظيفة الآلة أن تخدم رغبات الإنسان، أم أن تحميه أحيانا من أسوأ نزعاته؟ وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية في مستقبل الذكاء الاصطناعي: ما الذي نريده فعلا من هذه الأنظمة؟ هل نريدها امتدادا لرغباتنا، تعكس لنا ما نحب سماعه، أم نريدها بنية معرفية مسؤولة قادرة على وضع مسافة نقدية بين الإنسان وأفكاره وأفعاله؟ فالمشكلة ليست في أن تكون الآلة مطيعة، بل في أن تتحول الطاعة إلى معيار للجودة، والموافقة إلى معيار للذكاء. عند هذه النقطة، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى مرآة تضخّم انحيازاتنا وتعيد إلينا أخطاءنا في صورة أكثر إقناعا. وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الأكبر في تطوير الذكاء الاصطناعي هو جعله أكثر شبها بالإنسان في قدراته التحليلية واللغوية، بل في حمايته من وراثة أكثر العيوب البشرية رسوخا: التملق، والانحياز، والرغبة في تجنب المواجهة الأخلاقية حفاظا على القبول والرضا. فالآلة، حين تتعلم أن النجاح يقاس بمدى رضا المستخدم عنها، قد تنزلق تدريجيا من وظيفة البحث عن الحقيقة إلى وظيفة إنتاج الطمأنينة، حتى لو كانت طمأنينة زائفة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الآلة، فالخطأ جزء من أي منظومة معرفية، بل في أن تضفي على الخطأ شرعية، وأن تحوّل التبرير إلى معرفة، والمجاملة إلى حكم، فتجعل الإنسان أكثر ثقة بما كان ينبغي أن يتردد حياله أو يعيد مساءلته. ما تقدم لا يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة فقط، بل يعيد تشكيل علاقته بذاته؛ إذ يصبح أقل ميلا إلى مراجعة قراراته وأكثر استعدادا للبحث عن تصديق بدلا من نقد، وعن تأكيد بدلا من مساءلة. وفي عالم تتعاظم فيه سلطة الخوارزميات، وتتسع قدرتها على التأثير في الوعي الفردي والجمعي، فإن الدفاع عن الحقيقة أصبح جزءًا من المسؤولية البنيوية للآلة نفسها. لأن الذكاء الاصطناعي، إذا أراد أن يكون أداة لتوسيع الإدراك البشري لا لتضييقه، يجب أن يتعلم متى يوافق، والأهم متى يعترض. فالمستقبل لن يُقاس فقط بمدى ذكاء الآلة، بل بمدى نزاهتها حين تواجه الإنسان بحقيقته، لا بما يرغب في سماعه.
1140
| 14 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
951
| 16 مايو 2026