رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
محمد بوعزيزي وأبو القاسم الشابي، معلمان لأجيالنا في مدرسة الإرادة الشعبية التونسية.
أجاب أبو قاسم الشابي على سؤال ما العمل؟ وقال إرادة وشعب. "إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاة.. فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر"، وكيف؟ قال "وللحرية الحمراء بابٌ.. بكل يدٍ مضرجة يُدقّ".
تلقي بوعزيزي رسالة الشابي، وجعل حياته رمحا أرسله إلى صدر نظام الحكم في تونس، ليصل خلال ثلاثين يوما، وعبر مائة شهيد برصاص الأمن، وأربعة شهداء آخرين على نهج بوعزيزي يدعمون رمحه برماح حياتهم لتبقى الشعلة موقدة.
وحولت جماهير الشعب التونسي إجابة الشابي إلى واقع وحقيقة في كل الأرض التونسية، وحققت ما أرادت، وقبلت بدفع الثمن حشدا وحركة ودما. وهدمت أصنام الخوف والنخبة والاستقواء بالخارج.
الشعب العربي بين الفرحة لانتصار أهلنا في تونس، وبين الرغبة في حماية هذا الانتصار ودعمه، وأعترف بصعوبة الكتابة حول هذا الإعجاز الشعبي، فما تم إنجازه إعجاز والمتبقي إعجاز آخر.
قال صديق: نجحت حركة "الاحتجاج" الشعبية في تونس في تحويل مطلب اجتماعي واقتصادي إلى مطلب سياسي بتغيير النظام، وافقته وأضفت: كان يمكن أن يتم هذا وتهدأ حركة "الاحتجاج"، ولا تتحول إلى "ثورة" تشمل كل الوطن وكل الشعب، ولكن الحركة ارتبطت بمفهوم الحرية على إطلاقه وارتبطت بمعنى العزة والكرامة، وهذا الارتباط أكسب الحركة الشعبية سمات حركة التحرر الوطني وحولها إلى ثورة شعبية ضد نظام الحكم.
يعرض فيديو على شبكة الإنترنت لأحد أبناء تونس في شارع بورقيبة أثناء حظر التجول، وهو يتحرك قاطعا الشارع بالعرض ويصرخ قائلا "الشعب التونسي ما يموتش"، "الشعب التونسي حر"، "تحيا تونس الحرة"، "المجد للشهداء"، والفيديو تم تصويره من أعلى عمارة سكنية، وتسمع صوتا بكاء، وتنطلق زغاريد وكأن الحي كله يسمع الرجل، هل هناك من يملك وصفا لهذا المشهد غير أنه شعب استرد عزته وكرامته وحريته.
تجاوزت ثورة الشعب التونسي مرحلة الكلام والبغبغة، وتجاوزت عجز الأحزاب، وتلونها وتوافقها مع النظم الفاسدة وارتباط بقائها ببقاء تلك النظم، وتجاوزت قصور النقابات وجمودها سواء نتيجة القوانين المعوقة لوجودها أو لدعاوى التمييز بين العمل النقابي والعمل السياسي، وتجاوزت غياب التنظيم الجامع والمنسق لحركتها، وتجاوزت غياب قياده للحركة، وتمددت جغرافيا لتشمل كل الوطن، وكل الوقت على مدى الفترة من 17 ديسمبر حتى 14 يناير، وفي حسابات حركات المقاومة للاحتلال أو الأنظمة المستبدة يقسمون اليوم إلى ليل ونهار ولكل طرف جزء من قسمي اليوم، ولكن ثورة الشعب التونسي امتلكت الليل والنهار، سواء هناك حظر تجول ورصاص أو ليس هناك، ولم يقل لنا أحد بعد كيف امتلكوا طاقة العمل لدوام الأربع وعشرين ساعة، كانت حركة كل الشعب كل الوقت وفي كل الأرض. وانضمت بعض الكيانات المنظمة خلال الأيام الأربعة الأخيرة، بعد أن بلغت الحركة حداً لا يمكن عنده إعادتها للوراء، وأعلن الإضراب العام المتصاعد ليكون يوم الجمعة 14 يناير موعد الإضراب العام في تونس العاصمة وتشارك فيه نقابة المحامين.
لم تستقو الحركة بالخارج الأمريكي أو الأوروبي، وهو ما يجعل قيمة ثورة الشعب التونسي تتجاوز الحركات الملونة في أوروبا الشرقية والتي دعمتها المخابرات الأمريكية بالتمويل والتدريب والمساعدات الفنية والإعلامية، وهو أمر استولى على عقل وإرادة الكثير من النخبة العربية، وأحالهم على قائمة الرجاء للإدارة الأمريكية، وهذا لم يفعله الشعب التونسي أو انتظره دعما لقواه.
فرضت الحركة نفسها بقدرة الاستمرار وتصاعدها علي مستوى المطالب والانتشار، رغم الشهداء الذين سقطوا برصاص الأمن، بل وتكرار عملية الانتحار كما لو كانت إضافة طاقة تحدي لكل الشعب، مما فرض علي العالم الخارجي بعد ثلاثة أسابيع من التجاهل أن يعترف بها، والثورة على أبواب القصر لإزاحة ساكنه، وهو ما تحقق.
التحدي الذي تواجهه ثورة الشعب التونسي دخل مرحلة حرق الأرض، والشعب التونسي يقاتل عنا جميعا معركة استخلاص السلطة من مغتصبيها.
بدأت مؤامرات القصر والنظام من لحظة إعلان هروب زين العابدين بن علي، وكانت محاولة الالتفاف الأولى بتعيين رئيس وزراءه محمد الغنوشي لنفسه رئيسا بالنيابة، وأعلنت ثورة الشعب أنها لن تقبل هذا، وأن مظاهراتها مستمرة. وفي مواجهة هذا الموقف أعلنت بقايا النظام استحالة عودة الرئيس وتولي فؤاد المبزع (وهو من المقربين لبن علي) رئيس مجلس النواب مسؤولية الرئيس بالنيابة، وبدوره بدأ محاولة الالتفاف الثانية، بأن كلف محمد الغنوشي وهو المسؤول عن المواجهات الدامية خلال الشهر الماضي، بتشكيل الوزارة وأطلق عليها وزارة الوحدة الوطنية، وكما هي العادة تشاور الغنوشي مع الأحزاب التي يمكن أن تتوافق معه تأسيسا على أنها الأحزاب المرخص لها، وعاد الرئيس المؤقت وأعلن التزامه بالدستور وان الانتخابات الرئاسية ستتم خلال 60 يوما.
ترتكز محاولات الالتفاف على دعوى "الدستورية" وهي في هذا تعود بتونس إلى التسليم ببقاء النظام مع استبدال رأس النظام، وتجاوبت أمريكا وفرنسا مع مقولة الانتخابات والديمقراطية والدستورية.
وأضيف إلى محاولات الإفلات والالتفاف، عمليات تخريب منظمة تقوم بها عناصر تنتمي إلى مؤسسات أمنية للنظام، وبلغ الأمر بمدير السجون التونسية أن يصدر أوامر بفتح بوابات السجون وإطلاق سراح المساجين، وجرى إشعال النيران في عدد من السجون في وقت متزامن وبأسلوب واحد مما أدى إلى وفاة عشرات المساجين، غير حوادث تخريب لمنشآت وقتل لأفراد وترويع لأهالي، والغرض من ذلك كله يبدو إشغال الجماهير التونسية بالدفاع عن منشآتها ومساكنها وأرواحها، وصرف الانتباه عما يحدث بالفعل على المستوى السياسي، والحيلولة دون استعادة القدرة على التجمع والتظاهر.
وفي تدخل غريب، يلقي معمر القذافي خطابا يردد فيه مقولات الرئيس الهارب، ويدين حركة الشعب ويدعي أن زين العابدين هو أفضل رئيس لتونس ومدى الحياة؟!، وكأنه يرسل رسالة للشعب الليبي أن الصبر على المكروه والجوع والبطالة أفضل من الثورة عليه؟!
في مكان ما في هذه اللحظات، هناك غرفة سوداء يجتمع فيها العديد من ممثلي أجهزة المخابرات وممثلي الدول ليبحثوا الأمر، والسؤال الرئيس أمامهم ما تكلفة القبول بحدوث تغيير بهذا الأسلوب، وما مدى الخطر الذي يترتب على تحقيق نتائج ناجحة لحركة تمرد شعبي؟ وما مردود ذلك على دول المنطقة التي تموج بذات المعاناة والرغبة في التغيير للنظم الحاكمة؟ وهذا الدور يماثل الدور الذي لعبه "نادي السفاري" الذي كان يضم المخابرات الإيرانية والمغربية والفرنسية والمصرية في سبعينيات القرن الماضي ولعب أدواره في إفريقيا ضد حركة الشعوب في أنجولا وإثيوبيا.
وفي ذات اللحظة لا يغيب عن المجتمعين الانتشار الخارجي لأبناء تونس وأبناء المغرب العربي في أوروبا، وهو الوجود الذي فرض على فرنسا الخروج عن قناعات سلطة ساركوزي، فرفضت لجوء زين العابدين إليها رغم ما أذيع عن أن فرنسا كانت طرفا في اتفاق مغادرته تونس.
ومن بين البدائل المتاحة أمام الحركة المضادة للثورة، الحفاظ على بقايا النظام والتضحية برأس "بن علي" ومنعه من التصرف في أمواله، ويمكن الوصول إلى حد تسليمه للقادم على كرسي الرئاسة في تونس لمحاكمته على الفساد، وهذا كله لا تكلفة له إذا تمت مقارنته بتكلفة خروج الشعب التونسي منتصرا في معركة التغيير، ويحقق التغيير بإرادته وبقواه الذاتية.
بقايا النظام ومعمر القذافي والغرفة السوداء لا تخوض معركتها في مواجهة الشعب التونسي فقط، ولكن معركتها الحقيقية في مواجهة استرداد الشعب العربي لإرادته وكسره لحاجز العجز والخوف والثقة في امتلاك قدرة التغيير.
ويبقى على الشعب التونسي وقواه الحقيقية من اتحاد الشغل والمحامين والنقابات والأحزاب والقوى السياسية الرئيسة، مسؤولية الاحتفاظ بقوة الدفع وتنظيمها لمواجهة احتمالات المخططات المضادة للثورة، وإدراك أن إزاحة رأس النظام لم تكن هي الهدف، وأن الحزب الحاكم وبقايا النظام في الوزارة والمؤسسات والمجلس النيابي، هي منظومة الفساد، وأن الدستور وترسانة القوانين هي ستار يحمي أهدافها وليس لصالح الشعب، وكل ذلك في خندق واحد معاد للشعب التونسي، وعلى الشعب أن يدرك أن القدرة التي مكنته من تشكيل لجان شعبية للدفاع عن الأحياء والمنشآت في مواجهة عمليات التخريب بالتعاون مع الجيش، هذه القدرة تمكنه من وضع أساس بناء دولة حديثة في تونس المحررة.
وتكون البداية من تشكيل وزارة انتقاليه تتولى إعلان حرية تشكيل الأحزاب، وحرية إصدار الصحف، وإلغاء العزل السياسي، وإعداد التعديلات الدستورية والقانونية المطلوبة وتشرف على انتخاب جمعية وطنيه لوضع العقد الاجتماعي الجديد وعلى أساسه تتم الدعوة لانتخاب رئيس للجمهورية، ويمكن حينها القول إن تونس على باب المجتمع الديمقراطي.
كتب صديق من تونس في رسالة "إن مصلحة رموز الحزب الحاكم تكمن في بقائهم في السّلطة لتأمين مستقبلهم، وإلا سينتهي بهم الأمر في السجون، فشخص كـ"عبد الله القلال" رئيس مجلس المستشارين الصوري، لا يمكنه الخروج من تونس لأن محاكم سويسرية أصدرت ضدّه برقية تفتيش دولية لجرائم اقترفها لمّا كان وزيرا للداخلية. وقد ظهر "عبد الله القلال" هذا على يمين الوزير الغنوشي في خطاب تنحية بن علي وهو يرتدي ربطة عنق بنفسجية وهو اللّون المفضل لزين العابدين بن علي! وهذا الأمر رغم عفويته فإنّه يدل على أن فكر بن علي ومنهجه التعسفي لا يزال قائما في تونس رغم رحيله".
التحديات كبيرة، وما تم إنجازه عظيم، وما زال الطريق لتحقيق الهدف في المنتصف.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
16152
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
5025
| 17 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
3087
| 23 أغسطس 2026