رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
محمد بوعزيزي وأبو القاسم الشابي، معلمان لأجيالنا في مدرسة الإرادة الشعبية التونسية.
أجاب أبو قاسم الشابي على سؤال ما العمل؟ وقال إرادة وشعب. "إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاة.. فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر"، وكيف؟ قال "وللحرية الحمراء بابٌ.. بكل يدٍ مضرجة يُدقّ".
تلقي بوعزيزي رسالة الشابي، وجعل حياته رمحا أرسله إلى صدر نظام الحكم في تونس، ليصل خلال ثلاثين يوما، وعبر مائة شهيد برصاص الأمن، وأربعة شهداء آخرين على نهج بوعزيزي يدعمون رمحه برماح حياتهم لتبقى الشعلة موقدة.
وحولت جماهير الشعب التونسي إجابة الشابي إلى واقع وحقيقة في كل الأرض التونسية، وحققت ما أرادت، وقبلت بدفع الثمن حشدا وحركة ودما. وهدمت أصنام الخوف والنخبة والاستقواء بالخارج.
الشعب العربي بين الفرحة لانتصار أهلنا في تونس، وبين الرغبة في حماية هذا الانتصار ودعمه، وأعترف بصعوبة الكتابة حول هذا الإعجاز الشعبي، فما تم إنجازه إعجاز والمتبقي إعجاز آخر.
قال صديق: نجحت حركة "الاحتجاج" الشعبية في تونس في تحويل مطلب اجتماعي واقتصادي إلى مطلب سياسي بتغيير النظام، وافقته وأضفت: كان يمكن أن يتم هذا وتهدأ حركة "الاحتجاج"، ولا تتحول إلى "ثورة" تشمل كل الوطن وكل الشعب، ولكن الحركة ارتبطت بمفهوم الحرية على إطلاقه وارتبطت بمعنى العزة والكرامة، وهذا الارتباط أكسب الحركة الشعبية سمات حركة التحرر الوطني وحولها إلى ثورة شعبية ضد نظام الحكم.
يعرض فيديو على شبكة الإنترنت لأحد أبناء تونس في شارع بورقيبة أثناء حظر التجول، وهو يتحرك قاطعا الشارع بالعرض ويصرخ قائلا "الشعب التونسي ما يموتش"، "الشعب التونسي حر"، "تحيا تونس الحرة"، "المجد للشهداء"، والفيديو تم تصويره من أعلى عمارة سكنية، وتسمع صوتا بكاء، وتنطلق زغاريد وكأن الحي كله يسمع الرجل، هل هناك من يملك وصفا لهذا المشهد غير أنه شعب استرد عزته وكرامته وحريته.
تجاوزت ثورة الشعب التونسي مرحلة الكلام والبغبغة، وتجاوزت عجز الأحزاب، وتلونها وتوافقها مع النظم الفاسدة وارتباط بقائها ببقاء تلك النظم، وتجاوزت قصور النقابات وجمودها سواء نتيجة القوانين المعوقة لوجودها أو لدعاوى التمييز بين العمل النقابي والعمل السياسي، وتجاوزت غياب التنظيم الجامع والمنسق لحركتها، وتجاوزت غياب قياده للحركة، وتمددت جغرافيا لتشمل كل الوطن، وكل الوقت على مدى الفترة من 17 ديسمبر حتى 14 يناير، وفي حسابات حركات المقاومة للاحتلال أو الأنظمة المستبدة يقسمون اليوم إلى ليل ونهار ولكل طرف جزء من قسمي اليوم، ولكن ثورة الشعب التونسي امتلكت الليل والنهار، سواء هناك حظر تجول ورصاص أو ليس هناك، ولم يقل لنا أحد بعد كيف امتلكوا طاقة العمل لدوام الأربع وعشرين ساعة، كانت حركة كل الشعب كل الوقت وفي كل الأرض. وانضمت بعض الكيانات المنظمة خلال الأيام الأربعة الأخيرة، بعد أن بلغت الحركة حداً لا يمكن عنده إعادتها للوراء، وأعلن الإضراب العام المتصاعد ليكون يوم الجمعة 14 يناير موعد الإضراب العام في تونس العاصمة وتشارك فيه نقابة المحامين.
لم تستقو الحركة بالخارج الأمريكي أو الأوروبي، وهو ما يجعل قيمة ثورة الشعب التونسي تتجاوز الحركات الملونة في أوروبا الشرقية والتي دعمتها المخابرات الأمريكية بالتمويل والتدريب والمساعدات الفنية والإعلامية، وهو أمر استولى على عقل وإرادة الكثير من النخبة العربية، وأحالهم على قائمة الرجاء للإدارة الأمريكية، وهذا لم يفعله الشعب التونسي أو انتظره دعما لقواه.
فرضت الحركة نفسها بقدرة الاستمرار وتصاعدها علي مستوى المطالب والانتشار، رغم الشهداء الذين سقطوا برصاص الأمن، بل وتكرار عملية الانتحار كما لو كانت إضافة طاقة تحدي لكل الشعب، مما فرض علي العالم الخارجي بعد ثلاثة أسابيع من التجاهل أن يعترف بها، والثورة على أبواب القصر لإزاحة ساكنه، وهو ما تحقق.
التحدي الذي تواجهه ثورة الشعب التونسي دخل مرحلة حرق الأرض، والشعب التونسي يقاتل عنا جميعا معركة استخلاص السلطة من مغتصبيها.
بدأت مؤامرات القصر والنظام من لحظة إعلان هروب زين العابدين بن علي، وكانت محاولة الالتفاف الأولى بتعيين رئيس وزراءه محمد الغنوشي لنفسه رئيسا بالنيابة، وأعلنت ثورة الشعب أنها لن تقبل هذا، وأن مظاهراتها مستمرة. وفي مواجهة هذا الموقف أعلنت بقايا النظام استحالة عودة الرئيس وتولي فؤاد المبزع (وهو من المقربين لبن علي) رئيس مجلس النواب مسؤولية الرئيس بالنيابة، وبدوره بدأ محاولة الالتفاف الثانية، بأن كلف محمد الغنوشي وهو المسؤول عن المواجهات الدامية خلال الشهر الماضي، بتشكيل الوزارة وأطلق عليها وزارة الوحدة الوطنية، وكما هي العادة تشاور الغنوشي مع الأحزاب التي يمكن أن تتوافق معه تأسيسا على أنها الأحزاب المرخص لها، وعاد الرئيس المؤقت وأعلن التزامه بالدستور وان الانتخابات الرئاسية ستتم خلال 60 يوما.
ترتكز محاولات الالتفاف على دعوى "الدستورية" وهي في هذا تعود بتونس إلى التسليم ببقاء النظام مع استبدال رأس النظام، وتجاوبت أمريكا وفرنسا مع مقولة الانتخابات والديمقراطية والدستورية.
وأضيف إلى محاولات الإفلات والالتفاف، عمليات تخريب منظمة تقوم بها عناصر تنتمي إلى مؤسسات أمنية للنظام، وبلغ الأمر بمدير السجون التونسية أن يصدر أوامر بفتح بوابات السجون وإطلاق سراح المساجين، وجرى إشعال النيران في عدد من السجون في وقت متزامن وبأسلوب واحد مما أدى إلى وفاة عشرات المساجين، غير حوادث تخريب لمنشآت وقتل لأفراد وترويع لأهالي، والغرض من ذلك كله يبدو إشغال الجماهير التونسية بالدفاع عن منشآتها ومساكنها وأرواحها، وصرف الانتباه عما يحدث بالفعل على المستوى السياسي، والحيلولة دون استعادة القدرة على التجمع والتظاهر.
وفي تدخل غريب، يلقي معمر القذافي خطابا يردد فيه مقولات الرئيس الهارب، ويدين حركة الشعب ويدعي أن زين العابدين هو أفضل رئيس لتونس ومدى الحياة؟!، وكأنه يرسل رسالة للشعب الليبي أن الصبر على المكروه والجوع والبطالة أفضل من الثورة عليه؟!
في مكان ما في هذه اللحظات، هناك غرفة سوداء يجتمع فيها العديد من ممثلي أجهزة المخابرات وممثلي الدول ليبحثوا الأمر، والسؤال الرئيس أمامهم ما تكلفة القبول بحدوث تغيير بهذا الأسلوب، وما مدى الخطر الذي يترتب على تحقيق نتائج ناجحة لحركة تمرد شعبي؟ وما مردود ذلك على دول المنطقة التي تموج بذات المعاناة والرغبة في التغيير للنظم الحاكمة؟ وهذا الدور يماثل الدور الذي لعبه "نادي السفاري" الذي كان يضم المخابرات الإيرانية والمغربية والفرنسية والمصرية في سبعينيات القرن الماضي ولعب أدواره في إفريقيا ضد حركة الشعوب في أنجولا وإثيوبيا.
وفي ذات اللحظة لا يغيب عن المجتمعين الانتشار الخارجي لأبناء تونس وأبناء المغرب العربي في أوروبا، وهو الوجود الذي فرض على فرنسا الخروج عن قناعات سلطة ساركوزي، فرفضت لجوء زين العابدين إليها رغم ما أذيع عن أن فرنسا كانت طرفا في اتفاق مغادرته تونس.
ومن بين البدائل المتاحة أمام الحركة المضادة للثورة، الحفاظ على بقايا النظام والتضحية برأس "بن علي" ومنعه من التصرف في أمواله، ويمكن الوصول إلى حد تسليمه للقادم على كرسي الرئاسة في تونس لمحاكمته على الفساد، وهذا كله لا تكلفة له إذا تمت مقارنته بتكلفة خروج الشعب التونسي منتصرا في معركة التغيير، ويحقق التغيير بإرادته وبقواه الذاتية.
بقايا النظام ومعمر القذافي والغرفة السوداء لا تخوض معركتها في مواجهة الشعب التونسي فقط، ولكن معركتها الحقيقية في مواجهة استرداد الشعب العربي لإرادته وكسره لحاجز العجز والخوف والثقة في امتلاك قدرة التغيير.
ويبقى على الشعب التونسي وقواه الحقيقية من اتحاد الشغل والمحامين والنقابات والأحزاب والقوى السياسية الرئيسة، مسؤولية الاحتفاظ بقوة الدفع وتنظيمها لمواجهة احتمالات المخططات المضادة للثورة، وإدراك أن إزاحة رأس النظام لم تكن هي الهدف، وأن الحزب الحاكم وبقايا النظام في الوزارة والمؤسسات والمجلس النيابي، هي منظومة الفساد، وأن الدستور وترسانة القوانين هي ستار يحمي أهدافها وليس لصالح الشعب، وكل ذلك في خندق واحد معاد للشعب التونسي، وعلى الشعب أن يدرك أن القدرة التي مكنته من تشكيل لجان شعبية للدفاع عن الأحياء والمنشآت في مواجهة عمليات التخريب بالتعاون مع الجيش، هذه القدرة تمكنه من وضع أساس بناء دولة حديثة في تونس المحررة.
وتكون البداية من تشكيل وزارة انتقاليه تتولى إعلان حرية تشكيل الأحزاب، وحرية إصدار الصحف، وإلغاء العزل السياسي، وإعداد التعديلات الدستورية والقانونية المطلوبة وتشرف على انتخاب جمعية وطنيه لوضع العقد الاجتماعي الجديد وعلى أساسه تتم الدعوة لانتخاب رئيس للجمهورية، ويمكن حينها القول إن تونس على باب المجتمع الديمقراطي.
كتب صديق من تونس في رسالة "إن مصلحة رموز الحزب الحاكم تكمن في بقائهم في السّلطة لتأمين مستقبلهم، وإلا سينتهي بهم الأمر في السجون، فشخص كـ"عبد الله القلال" رئيس مجلس المستشارين الصوري، لا يمكنه الخروج من تونس لأن محاكم سويسرية أصدرت ضدّه برقية تفتيش دولية لجرائم اقترفها لمّا كان وزيرا للداخلية. وقد ظهر "عبد الله القلال" هذا على يمين الوزير الغنوشي في خطاب تنحية بن علي وهو يرتدي ربطة عنق بنفسجية وهو اللّون المفضل لزين العابدين بن علي! وهذا الأمر رغم عفويته فإنّه يدل على أن فكر بن علي ومنهجه التعسفي لا يزال قائما في تونس رغم رحيله".
التحديات كبيرة، وما تم إنجازه عظيم، وما زال الطريق لتحقيق الهدف في المنتصف.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8922
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4845
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4149
| 23 سبتمبر 2026