رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما سألت قريبتي لماذا غاب زوجها عن دعوتنا ولم يحضر معها، فقالت هامسة أصله (بيعمل شفط) سألتها مندهشة شفط ايه؟ قالت شفط صدره!! ضحكت، وضحكت، لكنني توقفت عند حكاية الشفط التي انتقلت من (الحريم) إلى السادة الرجال لتصبح (عادية) وتواردت أسئلة كثيرة، هل نعتني حقا بسلامة ما نأكل؟ هل نقرأ، ونسأل ثم نقرر شراء المعروض أو رفضه؟ ماذا عن معلوماتنا فيما يدخل إلى بطوننا من سموم نشتريها بحكم العادة دون أي تدقيق؟ زمان عشنا زمن (الطبيعي) فيما نأكل دون إضافة هرمونات تحقن بها الدجاج مثل (الاسترويد) الذي يستخدمه الرياضيون لنفخ عضلاتهم، ودون كيماويات تلوث الزرع وتنجب السرطانات، اليوم في غيبة الرقابة، والضمير يتم قتلنا بـ (الصناعي)، لا تهم الكارثة التي تجلبها الهرمونات، والكيماويات، الأهم الأرباح وجني الثروات!! وضروري أسأل في زحمة انشغالاتنا غير المهمة هل لاحظنا زيادة انتشار الفشل الكلوي، والسرطانات؟ هل لاحظنا تزايد حالات اختلال تحديد جنس الأطفال بظهور صفات أنثوية على الذكور؟ هل لاحظنا انتفاخ صدور الشباب وبروزها بدرجة لافتة مما أدى إلى لجوء الكثير إلى عمليات الشفط تجنبا للاحراج؟ هل يعلم الشباب ان انتفاخ صدورهم وبروزها بسبب ما دخل ببطونهم من أطعمة مشبعة بالهرمونات المؤثرة كالدجاج وخلافه؟ هل نما إلى علمنا أن بعض الدواجن غير الصالحة للاستهلاك الآدمي، والتي تصادرها الرقابة بالمنافذ لا يتم التخلص منها وإنما يعيد أصحابها إنتاجها بتحويلها إلى علف للدواجن السليمة لتبدأ دورة المرض من جديد دون أي احساس بالمسئولية عن صحة الناس وسلامتهم؟ هل نعرف ان الاسماك في بحيراتها الصناعية لا تنجو هى الأخرى من نفس المخاطر، بسبب الأعلاف نفسها، وأن المواشي مآسٍ أخرى لا تقل فداحة بسبب مراعيها المشبعة بالكيماوي؟ هل يعلم الذين أشبعوا الدجاج بحبوب منع الحمل أنهم أصابوا كثيرين بالعجز الجنسي الذي أصبحت مشاكله تناقش علنا؟ هل يعلمون ان هرموناتهم اللعينة تؤثر على عظام الاطفال، وتتلف الغدة الدرقية وتزيد مضاعفاتها؟ أكيد يعلمون لكن لا شيء يهم. فالغاية تبرر الوسيلة، الأهم امبراطوريات تبنى على أوجاعنا، وسقم يسكن الأجساد؟ وطال الفساد كل شيء، المصدرون يغشون، ويسرطنون، والمطاعم تقدم منتهي الصلاحية وتغش، والفاسد يعاد تأهيله، ويفرم في وجبات جنان، والمستهلك المسكين يدفع، ويأكل، ويمرض، ويموت!! طيب إلى متى؟ اجابة السؤال تعتمد على ثقافتنا الغذائية، الصحية، وتصدينا لما يؤذينا، ويظل الحل الوحيد تنمية الصناعة الوطنية، وتحقيق الوفرة، والكفاية من المنتج المحلي الآمن لنجني على الاقل سلامة ما نأكل من الصعق الكهربائي، والخنق بالغاز، والذبح على غير الطريقة الإسلامية كما يحدث في بلاد المنشأ التي تصدر (بلاويها) لنا عوضا عن سلاسل من المشاكل الصحية المتفاقمة نشتريها بمالنا ونأكلها بإرادتنا ونحن نقول (الله لذيذة)!!.
* بعض الدول ترسل مندوبا عنها الى دول تصدير اللحوم، دول المنشأ ليراقب ذبح ما يرسل إلينا بالطريقة الاسلامية، السؤال، هل تحفل دولنا العربية كلها بهذه المراقبة ام تكتفي بكلمة (ذبح حلال) التي (يلطعونها) لنا على الأغلفة، وببلاهة نصدق، ونأكل؟.
* إحداهن تتصدر للفتوى فتقول (مخنوق ولا مصعوق متشغليش بالك سمي وكلي وخلاص)، ياريت واحد من أهل العلم يرد عليها لتسكت.
* كلما رأيت الزحام (وكامل العدد) في محلات الوجبات السريعة تأكدت أن الآباء والأمهات يهدون أولادهم قنابل موقوتة ستنفجر لاحقا بكل ما لا يحمد عقباه.
* حزينة ومكتئبة لان ابنها (ضرب) وأصبحت سمنته تهدد صحته، لم تنتبه إلى أن حضرتها أحد أهم أسباب وعكته بطلبات (الدلفري) غير المقطوعة ولا ممنوعة!.
* أتصور أن درء مخاطر الطعام الوارد من الخارج بتشديد المراقبة أرخص كثيرا وأقل ميزانية من علاج الناس بعد الاصابة بما يأكلون.
* مسافر الى الخارج عاد ليقول إن معظم ما تستورده الدول العربية من دواجن مذبوح بالصعق، وبالهنا والشفا!.
* ماذا تنتظر ملايين الأفدنة في شرقنا الجميل كي تستغل وتحقق الاكتفاء الذاتي، وتغنينا عن استيراد النطيحة، والموقوذة، والمتردية، (وهم ما يتلم)؟ ما الذي يمنع أن نكون سلة غذاء العالم وكل الامكانات متاحة؟ غاويين ندفع بالدولار؟.
* طبقات فوق الهمس
* سمعنا مثلا يقول ، من حفر حفرة لأخيه وقع فيها، واشكر (محمد عبد المقصود) الذي ساق لنا حكاية المثل ويقول إن رجلا وشى بجار له عند الحاكم، واتهمه زورا بشرب الخمر، ولعب الميسر في داره، وكان هذا الجار طيبا، وطاهرا، واشتم الحاكم رائحة الغدر في كلام الواشي، فصرفه، وأمهله حتى يحقق بنفسه في الأمر، وكان الواشي يشرب الخمر، ويفتح داره للعب الميسر والمجون، وجاء الحاكم إلى الحي الذي يسكنان فيه ليستطلع الأمر، ويقف على الحقيقة، فظهر له كذب الواشي، وأنه هو الذي يستحق العقاب، فقبض عليه وسجنه، وذاعت قصة وشايته بجاره فقال احدهم (يا فاحت البير ومغطيه..مسيرك يوم تقع فيه) هذه حكاية نهديها لكل من يسعى في ايذاء الناس، ونصب المكائد لهم زورا، وبهتانا، وهنا يحضر القول الصائب (الجزاء من جنس العمل).
* طوبى للطيبين الذين تنتعش القلوب بلقياهم، وتتدفأ الحنايا بودهم، ويغيبون فتغيب معهم سعادة الروح.
* أغانٍ للحب، مواويل للحب، قصص للحب، ورغم الوفرة رخص الحب، كلمة الحب أصبحت (مرمطة) لاحظوا الأفلام، والإعلام، والصحيان، والنيام وهم يدسونها في كلام، أي كلام.
* الملك إذا اعطى أدهش، راقبوا الخيرين.
* السكينة والرضا، من عرفهما عرف حقا طعم حياة فريدة عصية على التكرار.
* لم تخلص لأحد، فأصبحت وحيدة لا يخلص لها أحد.
فنّ الثبات في زمن التقلّب
ليست الحياة طريقًا مستقيمًا مفروشًا بالطمأنينة، بل هي سلسلة من الفصول؛ يمر فيها الإنسان بأيام يظن أن السماء... اقرأ المزيد
207
| 06 أغسطس 2026
العقل في إجازة
هذا عنوان فيلم قديم عُرِضَ في مصر عام 1947 لمحمد فوزي وليلى فوزي وشادية. فيلم حافل بالضحك والغناء،... اقرأ المزيد
249
| 05 أغسطس 2026
كرة القدم ونحر القيم
أطلق عليها ما شئت من عنوان، كرة القدم وقتل القيم! كرة القدم والرصاصة الأخيرة على القيم! كرة القدم... اقرأ المزيد
390
| 05 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
5160
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
2529
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2343
| 01 أغسطس 2026