رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لعلّ في هذه المِحنة الرهيبة التي يعيشها السوريون منذ خمس سنوات من الحرب الظالمة عليهم ألف درس ودرس ومِنحة ومِنحة، ولا تزال هدايا الأخيار تأتي من المَكارِه فيصبرون فيُجازَون بالجنة التي حُفّت بها، بينما حفّت النار بالشهوات، هذا من جهة، أما من طرف آخر فقد تنهال المصائب على أناس بسبب إصرارهم على الذنوب التي تهدم الديار والشعوب إن لم تتب إلى علّام الغيوب كما قال تعالى (وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) الشورى: 30 وذلك لهدف النظر في عواقب ذلك ومعرفة تبدّل الأحوال والسخط على الأقدار دون رضا بالقضاء الذي هو من أهم أركان الإيمان، ولذلك فإن من يصعد كثيراً يهبط، والتاريخ شاهد، خصوصا إذا كانت المخالفات الشرعية من نوع ما يعاند الله، فالحذرَ الحذرَ من الخطايا دون إنابة، فإنه تنزل بسببها البلايا والكوارث، ويُمتحن الناس بالبأس فيما بينهم، وقد ابتلينا نحن السوريين بالطغاة، خصوصا الأسد الأب ثم ابنه وطائفتهما ورُكُون بعض منسوبي العلم إليهم وغفلتهم عن رب العالمين، مثل مفتي مدينة حلب الذي قال مؤخراً: إن الثورة السورية كانت كذبة كبرى، وأيّدَ الدكتاتور الطاغية ومن يساعده من الروس والجيش من حُماة بشار، بل وزكّى فعله بعض المشايخ ممن يسيرون حسب الموجة! على أننا لا ننسى في هذا الصدد- خصوصا- بعد تدخل الاحتلال الروسي الوحشي- كعادته- والذي يريد
" بوتين " به أن يُعيد طغيان القياصرة والسوفييت، بوتين الذي ولَغَ في دماء المدنيين والأحرار في سوريا حتى الثمالة! لا ننسى أن نذكّر أهل حلب وريفها وأهل درعا وريفها، بل ودمشق وريفها وحمص وحماة ومعرّة النعمان وأريافها.. بأن الهدف من خلقنا في الحياة إنما هو الابتلاء ( خلق الموت والحياة ليبلوكم... ) الملك: 2 ( ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوَ بعضَكم ببعض والذين قُتلوا في سبيل الله فلن يُضلّ أعمالهم، سيهديهم ويصلح بالهم، ويدخلهم الجنة، عرّفها لهم) محمد: 4-5-6 وكما ورد عنه صلى الله عليه وسلم ( إذا أحبّ اللهُ عبداً ابتلاه ) أليس الأنبياء قد ابتُلوا! وهذا ما جرى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يوم غزوة أُحد إذ كُسرت رباعيته وسال الدم من قدميه في هجرة الطائف، وخُنق عند الكعبة وحاولوا اغتياله فحماه الله منهم..وذلك من أجل أن نستهين بحوادث الدنيا ونتفكّر في حوادث الآخرة، وليس من التكاليف أصعب من الرضا بقضاء الله، وكما يقول ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر: إن الزمان لا يثبت على حال، فتَارةً يفرح الموالون وتارةً يشمت الأعادي، والحرب سِجال، وقد ثبتَ إخواننا في حلب وريفها حتى لم يتركوا قرية كـ(تل رفعت) مثلاً إلا بعد أن أعطوا المعتدين الروس وبقايا اللانظام والميليشيات الشيعية من الحرس الثوري وحزب الشيطان دروساً في المقاومة والثبات، وجزموا أنه لابد من العودة بإذن الله، ومعنوياتهم عالية تماماً والحمد لله. وأما الظالمون الطغاة فسيرحلون إلى مزابل التاريخ كما رحل غيرهم قبل، ونُكِبوا مرات وتعرّضوا للعجائب التي ساقها المؤرخون، إذ لكل ظالم نهاية بسوء المصير، ولابد من إدامة الصبر والمصابرة والاصطبار حتى قيام الساعة، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كلما ضاق الكرب اقترب الفرج. وكما قال الأصوليون: إن الأمر إذا ضاق اتسع.( حتى يقول الرسول والذين معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) البقرة: 214. وقد عدّ كثير من الفقهاء أن اليأس من مغفرة الله وفرج الله ونصر الله كفر كما في قول يعقوب عليه السلام لأبنائه في القرآن ( ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) يوسف: 87، وعدّ فقهاء آخرون أن هذا اليأس والقنوط من أكبر الكبائر، وهكذا فإن تسلط الكفار على الأنبياء والمؤمنين ابتلاءٌ، وسيبقى المبطلون خاسرين مهما تجبروا :
رأيتُ الله أكبرَ كلّ شيءٍ مقاومةً وأكثرَهم جُنودا
فمن تفكّر في عظمة الله لم يضرّه كيدهم شيئاً ( قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين..)الشعراء: 61-62 ( إنا من المجرمين منتقمون ) السجدة: 22، سيّما أنهم يتهمون أهل الحق بالإرهاب:
ولا خيرَ في الدنيا ولا في حقوقِها إذا قِيل طُلابُ الحقوقِ بُغاةُ!
فتعساً للروس والإيرانيين ذيول إسرائيل، وبئست أمريكا التي تتآمر معهم على شعبنا وأرضنا، ويدّعون أنهم يصلحون وهم يسبحون في دمائنا..ويستخدمون السفاح أداة طيعة في أيديهم للتقتيل والتشريد خصوصا النساء والأطفال. فياأيها المهاجرون عليكم بالعمل في أي شيء أنتم وأبناؤكم كما هو شأن العصاميّين حتى تعودوا إلى سوريا إن شاء الله كما قال السعدي:
أرى كَّل من بالكدح يدرك خبزه فليس بمحتاج لمِنّةِ حاتمِ
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2295
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1932
| 30 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل قد يظل متماسكًا من الخارج، بينما في داخله آلاف الشقوق التي لا تُرى، هكذا نحن بعد الخذلان، نبدو كما كنا، نتحدث، نبتسم، نُكمل أيامنا، لكن في الداخل شيء ما لم يعد كما كان. الخذلان لا يوجع لأنه جرحٌ عابر، بل لأنه إعادة تعريف قاسية للأشياء التي كنا نؤمن بها، هو اللحظة التي نكتشف فيها أن القرب لم يكن أمانًا، وأن المعرفة العميقة بنا لم تمنع الأذى، بل سهّلته. من علّمنا أن من يسمعنا جيدًا لن يكسرنا؟ أن من يعرف تفاصيلنا سيحفظها لا يستخدمها؟ أن من اقترب قد اختار البقاء؟ الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: أقسى الخيبات ليست في سوء الناس، بل في تصوّراتنا عنهم، نحن لا نُخذل فقط لأنهم أخطؤوا، بل لأننا بنينا داخلنا نسخةً منهم لا تشبه حقيقتهم، أحببنا ما ظننّاه فيهم، ووضعنا ثقتنا في صورة رسمناها نحن، ثم صدمنا حين تصرّفوا بما هم عليه فعلًا، لا كما تمنينا. لكن… هل هذا ذنبنا؟ هل يُلام القلب لأنه صدق؟ هل يُعاقب الصدق لأنه لم يشكّ؟ هل نُدان لأننا منحنا الأمان كما نتمناه لأنفسنا؟ ربما لا لكن النضج يهمس لنا بشيء آخر: أن النوايا الطيبة لا تكفي لحماية أرواحنا، وأن العطاء بلا حدود قد يتحول إلى استنزاف، وأن الثقة، وإن كانت نقية، تحتاج إلى وعي يحرسها. نحن لم نُخطئ حين وثقنا، لكننا تأخرنا في قراءة الإشارات، تجاهلنا ما كان واضحًا، وبرّرنا ما لم يكن يُبرَّر، لأن فكرة الأمان كانت أجمل من حقيقة القلق ولهذا كان الانكسار عميقًا، لأنه لم يكسرنا فقط من الآخر، بل كسر شيئًا في فهمنا لأنفسنا، حين ينكسر الزجاج من الداخل. لا يعود السؤال: من كسره؟ بل: كيف نعيد تشكيله دون أن نفقد شفافيته؟ كيف نبقى كما نحن دون أن نكون ساذجين؟ كيف نثق دون أن نسلّم أنفسنا بالكامل؟ كيف نُحب دون أن نذوب؟ ربما الجواب ليس في أن نغلق قلوبنا، بل في أن نُبطئ فتحها، أن نفهم أن القرب لا يُقاس بالكلمات ولا بالوقت، بل بالمواقف حين لا يكون هناك ما يُجبر الآخر على أن يكون جيدًا، أن نُدرك أن بعض الناس يُتقنون الاقتراب، لكن القليل فقط يُجيدون البقاء دون أن يُؤذوا، وحينها لن نتوقف عن العطاء، لكننا سنتوقف عن إعطائه لمن لا يعرف قيمته لأننا، ببساطة، لا نستحق أن نُكسر كل مرة. فقط لأننا كنا نبحث عن الأمان في المكان الخطأ.
810
| 03 مايو 2026