رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة فرق بين التسليم بنظرية المؤامرة.. وقراءة الواقع بجدية وعمق، فالتسليم بنظرية المؤامرة يلغي قدرة الإنسان على التمييز بين الأمور، لأنها تعني قبول ما يردده الآخرون، بينما قراءة الواقع تعني الاعتراف بما لا يمكن تجاهله بناء على شواهد لا مجال للتشكيك فيها، ومن ذلك أننا لا نزال نقرأ ونسمع وقائع لا يمكن أخذها إلا في إطارها الصحيح، ومنها هذه المقابلات التي يجود بها كبار المسؤولين الأمريكان على أفراد من بلدان مختلفة، وما يغدقونه عليهم من الألقاب والأوسمة والهدايا، لا لأن أولئك الأفراد من كبار المخترعين، ولا لأنهم من المبدعين المتميزين، ولا لأنهم ممن خدموا العالم في أي فرع من فروع المعرفة الإنسانية، بل لأنهم إما منشقون على حكوماتهم، أو من أدعياء الحرية وحقوق الإنسان، أو من أصحاب المواقف المناوئة الهزيلة التي لا تمثل تيارا فكريا رائدا، ولا إنجازا إنسانيا متميزا، ومعظمهم من المعارضين الذين هربوا من بلدانهم ليمارسوا المعارضة في فنادق (الفايف ستارز) والتنقل بسيارات (الرولز رويس) في عواصم أوروبا وأمريكا، وهدف أمريكا من ذلك كله هو ضمان ولائهم للتبعية الثقافية الأمريكية، ومحاولة ترسيخ وهم كبير عن مبادئ الحرية والديمقراطية في أذهان البسطاء، مع أن الشواهد تثبت أن سياسة أمريكا الخارجية أبعد ما تكون عن هذه المبادئ، فأمريكا التي تطبق هذه المبادئ، وتحرص على حقوق الإنسان داخل حدودها.. هي أمريكا نفسها التي تنتهلك حقوق الإنسان في معظم بلاد العالم، والأكثر من ذلك.. مناصرتها للظلم والعدوان عندما تشهر سلاح حق النقض "الفيتو" في وجه قرارات الإدانة الأممية لشتى أنواع الممارسات غير الإنسانية في العالم، ودولة بهذا التعنت والتجاهل للحقوق، لا يمكن أن تؤتمن على القضايا العادلة للشعوب، كما لا يمكن تفسير فتح أبوابها لتستقبل بالأحضان أولئك المغضوب عليهم والضالين في بلدانهم ومجتمعاتهم وأسرهم لتحتفي بهم وتكرمهم.. ما لم يكن هدفها تهجينهم ليسيروا في ركابها، مسلوبي الإرادة، بعد أن باعوا قيمهم ومجتمعاتهم وأوطانهم بأبخس الأثمان.
لقد اتسمت المواقف الأمريكية بالكثير من الازدواجية والتناقض تجاه القضايا الساخنة في العالم، ولم تكن عادلة في مواقفها تجاه دول كثيرة، مما أثار عليها نقمة العالم، وعدم ثقته في سياستها الخارجية، وإدانته الدائمة لتحركاتها العسكرية وتدخلاتها السافرة في الشئون الداخلية لبعض الدول، وفي كتابهما "لماذا يكره العالم أمريكا؟" أورد المؤلفان ضياء الدين سرادار وميريل واين ديفيز مئات الأمثلة التي توضح التدخل العسكري الأمريكي في شؤون بعض الدول، تحت شعارات منها درء الخطر الشيوعي ثم الدفاع عن الديمقراطية، ثم الحرب على الإرهاب، ثم ما تلاها من شعارات لا تعني في حقيقتها سوى مشاريع عسكرية بعيدة المدى للسيطرة على العالم، وفرض نفوذ القطب الواحد، في ظل العولمة وما تعنيه من سيطرة ثقافية واقتصادية وعسكرية.
وهذه التدخلات ليست وليدة الحاضر بل تمتد جذورها إلى الحرب العالمية الأولى عندما تدخلت لمناصرة الحلفاء ضد ألمانيا، وغير بعيد عن الأذهان جريمة أمريكا التي لا تغتفر ضد هيروشيما ونجازاكي، والحقيقة أن كل جرائم امريكا لا تغتفر، وهي وإن اختلفت في بعض الجوانب، فإنها ذات وجه قبيح واحد.. وإن نسي العرب شيئا فكيف ينسون موقف أمريكا من قضاياهم العادلة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، وما ذكر هنا لا علاقة له بالخضوع لنظرية المؤامرة، لأنه يحدد وقائع لا مجال لنكرانها أو تبرير أهدافها.
وهاهي تستقبل في بيتها الأبيض ووزارة خارجيتها أشخاصا من كل العالم، بحجة تكريمهم، وهو تكريم يعني ضمنا تحريضهم على الأوضاع السائدة في بلدانهم، بصرف النظر عن سوء أو عدم سوء تلك الأوضاع، إلى جانب ما ينطوي عليه هذا التصرف من تدخل في الشؤون الداخلية للدول التابعة لها هذه الشخصيات والتي تعتقد بأن أمريكا تريد الخير لها أو لبلدانها، وياله من خير لا يختلف عن العسل الذي يدس فيه السم، وأمريكا خير من يجيد (دس السم في العسل).
khlilf@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1650
| 04 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
870
| 07 يناير 2026
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
843
| 31 ديسمبر 2025