رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
داخل جرارٍ زراعيٍّ متآكلٍ بات خارج الخدمة، تعيش المسنّة الفلسطينية فاطمة أبو سعادة مع من تبقى من عائلتها في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، يحيطها الفقر والمرض معًا.
فالجرار الزراعي تحوّل إلى مأوى قسري، وسقفٍ تستظل به من عراء الحاجة، وخطّ الدفاع الأخير أمام برد الشتاء وغبار الركام. الحاجة فاطمة، التي تعاني الربو منذ سنوات، لم يعد جسدها يحتمل هذا الهواء الثقيل المشبع بالدخان والعفن والرطوبة، ومع غياب الأدوية وأجهزة الاستنشاق، لجأ ابنها إلى وسيلة لا تخطر على بال أحد، إذ اتخذ من منفاخٍ مخصص لنفخ عجلات السيارات وسيلةً، علّها تسعف والدته المسنّة، محاولةً منه لتخفيف معاناتها. يضغط به الهواء عبر خرطوم، علّه يمنح صدر أمه نفسًا إضافيًا، يؤخّر اختناقًا صار روتينًا يوميًا في ظل تداعي النظام الصحي جراء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. في هذه الصورة، نستطيع أن نتخيّل المشهد الصحي في غزة، الذي دفع بأهلها إلى اللجوء لأدوات بدائية قد تكون الوسيلة الأخيرة لمنحهم حقهم البديهي في الحياة.
ما تعانيه الحاجة فاطمة أبو سعادة ليس حالة فردية معزولة، بل تجسيد صارخ لحرب غير معلنة تُدار بأدوات مختلفة؛ حرب تستهدف الحق في العلاج، وتُفرغ مفهوم وقف إطلاق النار من مضمونه، وتحوّله إلى توقفٍ شكلي مقابل استمرار الحصار، ليموت الغزي موتًا بطيئًا.
فبينما وُقّعت اتفاقيات بوجود ضامنين دوليين تلزم الاحتلال بفتح المعابر، وتأمين تدفّق المساعدات، وضمان دخول الأدوية والمستلزمات الطبية، تواصل إسرائيل التملّص من التزاماتها، عبر قيود مشددة، وتأخيرات ممنهجة، وشروط تعجيزية تجعل من وصول العلاج مسألة حظٍّ لا حق، مرهونة بمزاج المحتل وحكومته النازية.
الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة ومنظمة الصحة العالمية تكشف حجم الكارثة؛ فأكثر من 90% من المنشآت الصحية في القطاع تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، فيما خرجت غالبية المستشفيات عن الخدمة، ولم يبقَ منها سوى عدد محدود يعمل بقدرات شديدة التواضع. فمن أصل ستةٍ وثلاثين مستشفى، يعمل أقل من نصفها بشكلٍ جزئي، وسط نقصٍ حاد في الوقود، الأمر الذي يفاقم الأزمة الإنسانية ويهدد بانهيار ما تبقى من الخدمات الأساسية، فضلًا عن نقص الأدوية والأجهزة الطبية الأساسية، والكوادر الطبية. كما أن مراكز الرعاية الصحية الأولية، التي تُعد خط الدفاع الأول للمرضى، أصبحت تعمل بأقل من نصف طاقتها، وبعضها أُغلق بالكامل، ما حرم مئات الآلاف من المرضى من المتابعة الدورية والعلاج الأساسي.
وتشير وزارة الصحة في قطاع غزة إلى نفاد أكثر من ثلث الأدوية الأساسية، ونقصٍ حاد في المستهلكات الطبية الحيوية، بما فيها تلك المستخدمة في الطوارئ والعناية المركزة. فما يواجهه مرضى غزة لا يقتصر على نوع واحد من الأمراض؛ فالمعاناة تشمل المرضى جميعًا، من مرضى السرطان، ومرضى القلب، ومرضى الفشل الكلوي، فضلًا عن مرضى الأمراض غير الانتقالية من ضغط وسكري وأمراض تنفسية، التي تتطلب علاجًا مستمرًا ونظامًا صحيًا مستقرًا ومهيّأً لعلاج هذه الحالات، غير أن النظام الصحي المنهار بات شريكًا في حرب الإبادة، عن غير قصد.
والصورة داخل المستشفيات القليلة المتبقية لا تقل سوداوية عن الوضع الصحي العام، فالاكتظاظ يتجاوز القدرة الاستيعابية، والأسرّة غير كافية، والأطباء يعملون في ظروف استثنائية، بين انقطاع الكهرباء، وشح الوقود، ونقص الأدوات، واتخاذ قرارات قاسية حول أولوية العلاج. مرضى السرطان والفشل الكلوي وأمراض القلب يدفعون الثمن الأعلى، إذ توفي المئات بسبب تعذّر تلقي العلاج أو منعهم من السفر، فيما يُترك آلاف آخرون لمضاعفات بطيئة، لا تُحتسب في بيانات القصف، لكنها لا تقل فتكاً.
في قطاع غزة، لم يعد الموت مرهونًا بقصف منشأة سكنية، أو استهداف مقر نزوح، أو مدرسة إيواء؛ فالموت أضحى الشيء الوحيد المضمون. لم يعد مرهونًا بالصاروخ فقط، بل بقرار المحتل الذي يُغلق معبرًا، أو يعرقل دخول شاحنة دواء، أو يقلّص كمية وقود، غاية وقف جهاز تنفّس، أو تعطيل حضّانة خدج، أو إلغاء عملية جراحية، ومع كل حديث عن تهدئة أو اتفاق، تتكرر المفارقة ذاتها الورق يَعِد، والواقع يخنق.
قصة الحاجة فاطمة أبو سعادة واحدة من آلاف القصص التي تكشف جوهر المشهد الصحي في القطاع: إنسان يُقاوم بأدوات بدائية، ونظام صحي يُستنزف عمدًا، ومجتمع دولي يراقب ويوثّق المأساة بالأرقام والتصريحات دون حل جذري، فالجرار الزراعي الذي تسكنه الحاجة فاطمة لا يدينها ولا عائلتها، بل يدين المجتمع الدولي الذي تخلى عن مسؤولياته، ويؤكد أن الاتفاقيات الدولية والمعاهدات تُداس ببساطير الاحتلال يوميًا، في مشهد يكشف أن الفلسطيني يحيا بحقوق مسلوبة، حتى من حقه في «التنفّس».
ختامًا..
إن استمرار الاحتلال في تقييد المساعدات، وتلاعبه بتنفيذ بنود اتفاق وقف الحرب، يعني أن الحرب في غزة لم تتوقف، بل باتت مستترة، توقفت بالصورة التي اعتادها من يعيش خارج القطاع، لكنها لا تزال تُمارَس على الغزي بصورة مختلفة، تتجسد في إغلاق المعابر، وتضييق الخناق على المساعدات الإغاثية الأساسية والضرورية للبقاء. فالاحتلال اليوم يمارس طقسا نازيا أكثر شراسة، مستخدماً كل السبل الممكنة لقطع الحياة عن غزة.
السياسة الخارجية التركية عام 2025
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في سياق إقليمي ودولي مضطرب، على نحو يشبه ما عرفه العالم... اقرأ المزيد
66
| 12 يناير 2026
سلطان الخير وسـتة أعـوام من الإنجازات
إدارة الناس بحكمةٍ واقتـدار في شؤون الحكم ليست بالأمر السهل أو البسيط، بل هي من أصعب التحـديات التي... اقرأ المزيد
69
| 12 يناير 2026
معول الهدم
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس المجاملة، ونخشى الحقيقة أو نُخفيها. لقد تحوّلت المجاملة من سلوكٍ... اقرأ المزيد
327
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صحفية فلسطينية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1272
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1071
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1002
| 07 يناير 2026