رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

291

هديل رشاد

حربٌ مستترة!

07 يناير 2026 , 02:03ص

داخل جرارٍ زراعيٍّ متآكلٍ بات خارج الخدمة، تعيش المسنّة الفلسطينية فاطمة أبو سعادة مع من تبقى من عائلتها في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، يحيطها الفقر والمرض معًا.

فالجرار الزراعي تحوّل إلى مأوى قسري، وسقفٍ تستظل به من عراء الحاجة، وخطّ الدفاع الأخير أمام برد الشتاء وغبار الركام. الحاجة فاطمة، التي تعاني الربو منذ سنوات، لم يعد جسدها يحتمل هذا الهواء الثقيل المشبع بالدخان والعفن والرطوبة، ومع غياب الأدوية وأجهزة الاستنشاق، لجأ ابنها إلى وسيلة لا تخطر على بال أحد، إذ اتخذ من منفاخٍ مخصص لنفخ عجلات السيارات وسيلةً، علّها تسعف والدته المسنّة، محاولةً منه لتخفيف معاناتها. يضغط به الهواء عبر خرطوم، علّه يمنح صدر أمه نفسًا إضافيًا، يؤخّر اختناقًا صار روتينًا يوميًا في ظل تداعي النظام الصحي جراء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. في هذه الصورة، نستطيع أن نتخيّل المشهد الصحي في غزة، الذي دفع بأهلها إلى اللجوء لأدوات بدائية قد تكون الوسيلة الأخيرة لمنحهم حقهم البديهي في الحياة.

ما تعانيه الحاجة فاطمة أبو سعادة ليس حالة فردية معزولة، بل تجسيد صارخ لحرب غير معلنة تُدار بأدوات مختلفة؛ حرب تستهدف الحق في العلاج، وتُفرغ مفهوم وقف إطلاق النار من مضمونه، وتحوّله إلى توقفٍ شكلي مقابل استمرار الحصار، ليموت الغزي موتًا بطيئًا.

فبينما وُقّعت اتفاقيات بوجود ضامنين دوليين تلزم الاحتلال بفتح المعابر، وتأمين تدفّق المساعدات، وضمان دخول الأدوية والمستلزمات الطبية، تواصل إسرائيل التملّص من التزاماتها، عبر قيود مشددة، وتأخيرات ممنهجة، وشروط تعجيزية تجعل من وصول العلاج مسألة حظٍّ لا حق، مرهونة بمزاج المحتل وحكومته النازية.

الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة ومنظمة الصحة العالمية تكشف حجم الكارثة؛ فأكثر من 90% من المنشآت الصحية في القطاع تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، فيما خرجت غالبية المستشفيات عن الخدمة، ولم يبقَ منها سوى عدد محدود يعمل بقدرات شديدة التواضع. فمن أصل ستةٍ وثلاثين مستشفى، يعمل أقل من نصفها بشكلٍ جزئي، وسط نقصٍ حاد في الوقود، الأمر الذي يفاقم الأزمة الإنسانية ويهدد بانهيار ما تبقى من الخدمات الأساسية، فضلًا عن نقص الأدوية والأجهزة الطبية الأساسية، والكوادر الطبية. كما أن مراكز الرعاية الصحية الأولية، التي تُعد خط الدفاع الأول للمرضى، أصبحت تعمل بأقل من نصف طاقتها، وبعضها أُغلق بالكامل، ما حرم مئات الآلاف من المرضى من المتابعة الدورية والعلاج الأساسي.

وتشير وزارة الصحة في قطاع غزة إلى نفاد أكثر من ثلث الأدوية الأساسية، ونقصٍ حاد في المستهلكات الطبية الحيوية، بما فيها تلك المستخدمة في الطوارئ والعناية المركزة. فما يواجهه مرضى غزة لا يقتصر على نوع واحد من الأمراض؛ فالمعاناة تشمل المرضى جميعًا، من مرضى السرطان، ومرضى القلب، ومرضى الفشل الكلوي، فضلًا عن مرضى الأمراض غير الانتقالية من ضغط وسكري وأمراض تنفسية، التي تتطلب علاجًا مستمرًا ونظامًا صحيًا مستقرًا ومهيّأً لعلاج هذه الحالات، غير أن النظام الصحي المنهار بات شريكًا في حرب الإبادة، عن غير قصد.

والصورة داخل المستشفيات القليلة المتبقية لا تقل سوداوية عن الوضع الصحي العام، فالاكتظاظ يتجاوز القدرة الاستيعابية، والأسرّة غير كافية، والأطباء يعملون في ظروف استثنائية، بين انقطاع الكهرباء، وشح الوقود، ونقص الأدوات، واتخاذ قرارات قاسية حول أولوية العلاج. مرضى السرطان والفشل الكلوي وأمراض القلب يدفعون الثمن الأعلى، إذ توفي المئات بسبب تعذّر تلقي العلاج أو منعهم من السفر، فيما يُترك آلاف آخرون لمضاعفات بطيئة، لا تُحتسب في بيانات القصف، لكنها لا تقل فتكاً.

في قطاع غزة، لم يعد الموت مرهونًا بقصف منشأة سكنية، أو استهداف مقر نزوح، أو مدرسة إيواء؛ فالموت أضحى الشيء الوحيد المضمون. لم يعد مرهونًا بالصاروخ فقط، بل بقرار المحتل الذي يُغلق معبرًا، أو يعرقل دخول شاحنة دواء، أو يقلّص كمية وقود، غاية وقف جهاز تنفّس، أو تعطيل حضّانة خدج، أو إلغاء عملية جراحية، ومع كل حديث عن تهدئة أو اتفاق، تتكرر المفارقة ذاتها الورق يَعِد، والواقع يخنق.

قصة الحاجة فاطمة أبو سعادة واحدة من آلاف القصص التي تكشف جوهر المشهد الصحي في القطاع: إنسان يُقاوم بأدوات بدائية، ونظام صحي يُستنزف عمدًا، ومجتمع دولي يراقب ويوثّق المأساة بالأرقام والتصريحات دون حل جذري، فالجرار الزراعي الذي تسكنه الحاجة فاطمة لا يدينها ولا عائلتها، بل يدين المجتمع الدولي الذي تخلى عن مسؤولياته، ويؤكد أن الاتفاقيات الدولية والمعاهدات تُداس ببساطير الاحتلال يوميًا، في مشهد يكشف أن الفلسطيني يحيا بحقوق مسلوبة، حتى من حقه في «التنفّس».

ختامًا..

إن استمرار الاحتلال في تقييد المساعدات، وتلاعبه بتنفيذ بنود اتفاق وقف الحرب، يعني أن الحرب في غزة لم تتوقف، بل باتت مستترة، توقفت بالصورة التي اعتادها من يعيش خارج القطاع، لكنها لا تزال تُمارَس على الغزي بصورة مختلفة، تتجسد في إغلاق المعابر، وتضييق الخناق على المساعدات الإغاثية الأساسية والضرورية للبقاء. فالاحتلال اليوم يمارس طقسا نازيا أكثر شراسة، مستخدماً كل السبل الممكنة لقطع الحياة عن غزة.

اقرأ المزيد

alsharq السياسة الخارجية التركية عام 2025

شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في سياق إقليمي ودولي مضطرب، على نحو يشبه ما عرفه العالم... اقرأ المزيد

66

| 12 يناير 2026

alsharq سلطان الخير وسـتة أعـوام من الإنجازات

إدارة الناس بحكمةٍ واقتـدار في شؤون الحكم ليست بالأمر السهل أو البسيط، بل هي من أصعب التحـديات التي... اقرأ المزيد

69

| 12 يناير 2026

alsharq معول الهدم

لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس المجاملة، ونخشى الحقيقة أو نُخفيها. لقد تحوّلت المجاملة من سلوكٍ... اقرأ المزيد

327

| 12 يناير 2026

مساحة إعلانية