رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد سنحت لي الفرصة عندما كنت مديراً عاماً لوكالة الأناضول للأنباء، لزيارة الدول الناطقة باللغة العربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وذلك للتعريف بالمزايا التي تقدمها نشرة اللغة العربية، التي تبثها الوكالة، لقد طرح علي مراراً وتكراراً وفي العديد من البلدان التي زرتها، سؤال "عمّا إذا كانت تركيا هي جزء من مشروع عثماني جديد أم لا؟"، فيما كان يدعي آخرون مع كل حفل افتتاح لأحد مكاتبنا الجديدة في الشرق الأوسط، بأن تركيا تقوم بالتأسيس لحلم عثماني جديد.
لقد تلقيت العديد من الرسائل، عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، لاستخدامي كلمة "الحجاز"، في إحدى مقالاتي التي نشرت في الأسابيع الأخيرة، حيث ادعى البعض أن استخدامي لتلك الكلمة (أي الحجاز)، ينم عن وجود أهداف إمبريالية، ووجود رغبة في اتجاه إعادة استعمار المنطقة، وبناء إمبراطورية عثمانية، كما لم تخل بعض الرسائل التي تلقيتها، من عبارات قاسية وشتائم.
"الإمبريالية العثمانية والخيانة العربية"
إن إدعاءات من قبيل "العثمانية الجديدة"، و"التوسعية"، و"عودة الاستعمار"، تعتبر من المصطلحات الأكثر شيوعاً بين أولئك الذين يريدون خلق وتحفيز وجود تيار معارض لتركيا في العالم العربي، وفي الضفة المقابلة تماماً، نرى وجود تيار يدّعي وقوف العرب إلى جانب الإنكليز في الحرب العالمية الأولى، وقيامهم بغدر الأتراك وطعنهم من الخلف، وخيانتهم للدولة.
إن تلك الإدعاءات، الموجودة داخل المجتمعين (العربي والتركي)، لا تجذب السواد الأعظم من أفراد المجتمع، إلا أن المناهج التعليمية في البلاد التي تدور في فلك الغرب وتقع تحت دائرة نفوذه، تفرد مساحات واسعة لمثل تلك الإدعاءات، وأعتقد أن الأشخاص الذين يعملون على ترويج مثل هذه الإدعاءات، لا يمتلكون أفكاراً جيدة تجاه العالم الإسلامي، كما أعتقد بأن الأشخاص الذين يعملون على إنتاج مثل هذه الإدعاءات، وإشاعتها داخل أفراد المجتمع، هم الأشخاص الذين لا يمتلكون وعياً تجاه مفهوم الأمة، ولا يدركون أهمية هذا المفهوم.
كان يطرح علي السؤال التالي بشكل مستمر "ما هو الهدف من بث وكالة الأناضول أخباراً باللغة العربية؟"، وكنت أجيب على ذلك السؤال دوماً بالقول: "إن هدفنا من بدء بث أخبار باللغة العربية اعتباراً من 2011، هو نفس الهدف الذي دفع "وكالة فرانس برس" عام 1969، و"رويترز" عام 1980 على إطلاق بث باللغة العربية"، أعتقد أنه من اللافت جداً قيام البعض بتوجيه مثل هذا السؤال لي، في الوقت الذي لا يجدون ضيراً في قيام وكالات غربية، ببث أخبارها باللغة العربية، وافتتاح مكاتب لها في كل زاوية من زوايا الشرق الأوسط، ولا ينبسون ببنت شفة، تجاه تلك الوكالات، ولا يصفونها بأنها جزء من مشروع استعماري، يهدف لاستعمار المنطقة. لقد أثار تكرر طرح هذا السؤال فضولي، فقمت بالتقصي عن الأشخاص الذين يكررون طرح هذا السؤال على مسامعي، وتبين لي أن معظمهم صحافيون، سبق وأن عملوا في وكالة "فرانس برس" و"رويترز"، بصراحة لم أكن مندهشاً أبداً..
عالم إسلامي أسير لإعلام الوكالات الغربية
دعونا لا ننسى، أن التبادل الإخباري بين تركيا والعالم العربي، كان يتم من خلال وكالات غربية، إلى أن بدأت وكالة الأناضول للأنباء بث أخبارها باللغة العربية، لقد بقيت وسائل الإعلام التركية الراغبة بالحصول على أخبارٍ حول العالم العربي، ووسائل الإعلام العربية الراغبة بالحصول على أخبار عن تركيا، أسيرة للأخبار التي تنقلها وكالات الأنباء الغربية، قرابة قرن من الزمن.. لم تكن الأخبار المهمة في البلدان العربية وتركيا – بما في ذلك تصريحات رؤساء الدول التي تحمل في طياتها رسائل هامّة - تترجم إلى لغات مختلفة.
بل وهنالك ما هو أخطر مما سبق، حيث كانت الوكالات الغربية، تشكل شبكة التواصل في مجال الأخبار بين الدول العربية نفسها، وعليه، فنحن لا نعرف مقدار الأخبار الملفقة، والكاذبة، والتي وقع فيها أخطاءٌ في الترجمة، خلال تلك الفترة، ولعل إدعاءاتٍ من قبيل "الإمبريالية العثمانية" و"الخيانة العربية"، التي أثارت مشاعر العداء بين شعوبنا، قد انتشرت في منطقتنا بهذه الطريقة. أما الآن، فلم نعد أسرى لدى البلدان الغربية، حيث تقوم وكالة الأناضول بترجمة جميع الأخبار المهمة في المنطقة العربية، إلى اللغات التركية والعربية والإنكليزية والفرنسية، كذلك الأخبار الخاصة بالتطورات في تركيا، تترجم إلى 8 لغات، بما في ذلك اللغة العربية، وهذا يعني طبعاً، كسر احتكار الوكالات الغربية لتلك الأخبار، فعل أزعجت كل تلك التطورات أحدهم يا ترى؟.
لماذا لا يكون هنالك مشكلة عندما يفعلها الإنكليز أو الفرنسيون؟
لم تطفُ تلك المشاكل على السطح، قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، حيث كانت تركيا تولي وجهها صوب الغرب بشكل كامل، وكانت تمتلك علاقات محدودة جداً مع الدول العربية، وهنا أتساءل عمّا إذا طرحت مثل تلك الانتقادات والتساؤلات في المنطقة العربية، خلال تلك الفترة، وفيما إذا انتقد أولئك الصحافيون كلا من بريطانيا، التي أقامت علاقات سياسية واقتصادية مع مصر، وفرنسا، التي أقامت علاقات مماثلة مع تونس والمغرب، أو اتهموا تلك البلدان بالسعي لـ "إعادة حقبة الاستعمار"؟ إن بدء الصحافة الغربية بكتابة مقالات تحذر فيها من عودة تركيا إلى امتلاك قوة تماثل قوة "للدولة العثمانية"، وقادرة على السيطرة على المنطقة، جاء بالتوازي مع تغيير رجب طيب أردوغان لقواعد العمل السياسي والدبلوماسي في تركيا، وشروعه في إقامة علاقات قوية ومتينة مع جميع الدول العربية، وقد تناقلت بعض الصحف العربية تلك المقالات، وروجت لها.
أما اليوم، فلا نجد في تركيا قط، كتابا تربويا يعتبر أن "العرب أقدموا على خيانة العثمانيين"، بل بالعكس تماماً من ذلك، يتم تشجيع النشر باللغة العربية في تركيا، كذلك تشجيع المحال التجارية والشركات، على كتابة لوحاتها التجارية باللغتين التركية والعربية.
إن رفع يافطة "العثمانية الجديدة" يتم لتحقيق هدفين محددين، هما، تشويه صورة الدولة العثمانية وتاريخها في المنطقة، ومنع تعزيز العلاقات بين تركيا والدول العربية، وهكذا، تضمن بعض الأطراف استمرار بقاء حالة التشرذم التي تعتري العالم الإسلامي، بعد انهيار الوحدة الإسلامية قبل قرن من الزمن.
عندما يمكن قيام "اتحاد أوروبي" ولا يمكن قيام "وحدة في الشرق الأوسط"
لقد تمكن الغربيون، من تأسيس "اتحاد أوروبي"، ونسيان حربين ثقيلتين جاءتا على الأخضر واليابس، خلال 50 عامٍ فقط، وتسببتا بقتل الملايين من الناس، ورغم أن جميع الدول الأعضاء في الاتحاد، هي دول مسيحية، إلا أن أحداً لم ينتقد ذلك الاتحاد ولم يفسره على أنه "وحدة للأمة المسيحية"، و"عودة تجسّد روح الحروب الصليبية"، لكن عندما يتعلق الموضوع بالبلدان المسلمة، ترى العالم كله يقف متأهّباً، ويبذل كل ما في وسعه من أجل إجهاض أي جهودٍ تبذل في اتجاه عمل مشترك قد يقوم بين البلدان الإسلامية، أو منع تبلور أي رغبة في اتجاه بناء وحدة ضمن منطقة الشرق الأوسط.
لم يكن لديَّ أي نية سيئة، عندما أطلقت مشروع بث الأخبار باللغة العربية في وكالة الأناضول للأنباء، أو عندما استخدمت وصف "الحجاز" للإشارة إلى الأماكن المقدسة بالنسبة لجميع المسلمين، بل لم أكن أعلم حتى أن تلك الكلمة قد تزعج البعض، وقد علمت ذلك للمرة الأولى، من خلال الرسائل التي وصلتني على حسابي، في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".
على العالم الإسلامي التخلص من المحظورات والممنوعات، والادعاءات الكاذبة، وعلينا تذكر أن "الهُوّة الحضارية" التي تفصلنا عن الحضارة الغربية، تقارب ال 100 عام، حيث حققوا تقدّماً فيما تأخّرنا، ولم تشهد بلدانهم منذ الحرب العالمية الثانية حروباً، ولا إرهاباً، ولا فوضى، فيما زالت تشهد بلداننا معاناةً أليمة، وسيلا من الدموع، ونزيفا غير منقطع من دماء الإخوة منذ مائة عام. متى سنقول "كفى" لكل ما يحدث، ومتى سنبدأ بالعمل من أجل إيجاد حلول لكل المشاكل العظيمة التي تواجهنا؟..
كيف تمنح أطفالك خبرة شخص خمسيني؟
حينما ينقل شخص خبرته لشخص اقل خبرة منه، فإنه بذلك يقيه من عراقيل واخطاء كثيرة قد تواجهه بسبب... اقرأ المزيد
150
| 07 أغسطس 2026
أسباب ارتكاب الجرائم والسرقات
أغلب الدول في العالم لا تخلو من بعض حالات الجرائم والسرقات رغم أنها تُصنف من بين الدول الأقل... اقرأ المزيد
246
| 07 أغسطس 2026
حين يضيع معنى الاستحقاق
أحيانا لا يبدأ التجاوز من كسر النظام. يبدأ من اللحظة التي نجد فيها لأنفسنا مبررا لتجاوزه. ورقة تقول... اقرأ المزيد
99
| 06 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
7641
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4665
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2373
| 01 أغسطس 2026