رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نوت الدوسري

مساحة إعلانية

مقالات

216

نوت الدوسري

حين يضيع معنى الاستحقاق

06 أغسطس 2026 , 11:13م

أحيانا لا يبدأ التجاوز من كسر النظام. يبدأ من اللحظة التي نجد فيها لأنفسنا مبررا لتجاوزه. ورقة تقول إنك كنت مريضا، وأنت تعرف أنك لم تكن كذلك. قد تبدو المسألة بسيطة: يوم غياب، وتوقيع، وورقة تنتهي صلاحيتها بعد أن تؤدي غرضها. لكن بعض الأوراق تنتهي صلاحيتها، ولا ينتهي ما تكشفه.

فقضية الإجازات الطبية المزورة التي باشرت النيابة العامة التحقيق فيها لم تفتح أمامنا ملفا عن الغياب فقط، بل فتحت سؤالا أكبر: كيف يتحول ما نعرف أنه ليس حقا لنا... إلى شيء نأخذه وكأننا نستحقه؟

ليست المشكلة في يوم غياب أضيف إلى رصيد أحدهم. ولا في ورقة عبرت من يد إلى أخرى. المشكلة تبدأ قبل ذلك بكثير، في اللحظة التي يصبح فيها الخطأ قابلا للتبرير، فقط لأن الطريق إليه أصبح ممكنا. وهنا تحديدا يضيع معنى الاستحقاق. فالحق لا يصبح حقا لأننا وجدنا طريقا إليه. والورقة، مهما بدت رسمية، لا تستطيع أن تمنح الضمير عذرا يعرف في داخله أنه غير حقيقي.

الإجازة المرضية لم تخلق مكافأة لمن يريد يوما بعيدا عن مسؤولياته. إنها حق لمن يحتاجها. وهناك فرق شاسع بين أن تستخدم حقا منحه لك النظام، وأن تأخذ منه ما لم يمنحه لك. قد يبدو الفرق مجرد يوم غياب. لكنه في الحقيقة أكبر من يوم. فمن يتغيب بغير حق لا يأخذ من المال العام ورقة نقدية بيده، لكنه يأخذ وقتا لم يعمل فيه. وأجرا لم يقابله عمل. ويترك خلفه مسؤولية كان ينبغي أن يكون في مكانه ليؤديها. فالمال العام لا نخسره دائما في رقم يصرف، أحيانا نخسره في وقت دفع ثمنه، ولم يؤد حقه. وهكذا تصبح الخسارة بلا صوت، لا نسمع ارتطام شيء حين تحدث، ولا نرى خزينة تفتح أمامنا، ومع ذلك تكون حقيقية.

والأخطر أن مثل هذه الممارسات لا تبدأ كبيرة. تبدأ بتبرير صغير: إنه يوم واحد. ثم يصبح يومين. ويأتي تبرير آخر: الجميع يفعل ذلك. ثم نعتاد المشهد... حتى يتوقف السؤال عن كونه: هل يحق لي؟ ويصبح: هل أستطيع؟

وبين السؤالين، قد تضيع أشياء أكبر بكثير من إجازة مرضية. تضيع قيمة العمل. وتضعف هيبة الأنظمة. ويتراجع ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين الحق الذي نطالب به، وما نأخذه لمجرد أننا استطعنا.

ولعل أجمل ما في الحقوق أنها لا تحتاج إلى حيلة كي تصل إلى أصحابها. فمن كان مريضا، يستحق أن يرتاح. ومن كان عاجزا عن أداء عمله، من حقه أن يجد نظاما يحميه. ولهذا فإن إساءة استخدام هذا الحق لا تسيء إلى النظام وحده، بل إلى معنى الحق نفسه. لأن كل إساءة لاستخدام امتياز مشروع، تضع شيئا من الشك في طريق من يحتاجه فعلا. وهنا تصبح الخسارة مضاعفة: شخص أخذ ما ليس له... وشخص آخر قد يضطر يوما إلى إثبات أنه يستحق ما هو له أصلا.

نحن نطالب المؤسسات دائما بالرقابة. ونطالب الأنظمة بسد الثغرات. ونطالب بالقوانين والعقوبات. وكل ذلك ضروري. لكن ثمة جهة رقابية لا يظهر اسمها في أي هيكل تنظيمي، ولا تحتاج إلى توقيع أو ختم.

الضمير. ذلك الصوت الذي يعرف الحقيقة قبل أن تصل الورقة إلى أي مكتب. ويعرف أن الشيء قد يكون متاحا، دون أن يكون مستحقا. وربما لا تكون الحكاية في ورقة زُوّرت، ولا في يوم غياب لم يكن مستحقا.

فالأوراق تكتشف، والثغرات تغلق، والقوانين تعرف طريقها إلى من يتجاوزها. لكن ماذا عن ذلك الحد الذي يتراجع داخل الإنسان، كلما أخذ شيئا يعرف أنه ليس له؟

هنا تكمن الخسارة التي لا تظهر في أي كشف مالي. لأن المال قد يعوض، والوقت قد يمضي، والورقة قد تنتهي صلاحيتها، لكن اعتياد الإنسان أن يأخذ ما لا يستحقه، هو الخسارة التي يصعب أن نجد لها رقما. لذلك، ربما لم تكن القضية يوما: هل أستطيع أن أحصل عليه؟ بل: ماذا يبقى مني، حين آخذ ما أعرف أنه ليس لي؟

فبين الحق وما نقدر على الوصول إليه، يقف شيء لا يُرى، ولا يحتاج إلى ختم، ولا تحرسه كاميرا: ضمير يعرف أين ينتهي حقه، ويبدأ حق الآخرين.

اقرأ المزيد

هل نقيس ساعات التدريب.. أم قيمة التغيير؟ هل نقيس ساعات التدريب.. أم قيمة التغيير؟

قد تنجح مؤسسة في تنفيذ خطتها التدريبية بنسبة مائة في المائة، وتحقق العدد المستهدف من البرامج والمتدربين والساعات،... اقرأ المزيد

171

| 10 أغسطس 2026

مقومات نجاح التوطين في القطاع الخاص مقومات نجاح التوطين في القطاع الخاص

لا يختلف اثنان على أن القطاع الخاص أحد أهم ركائز الاقتصاد، فهو المحرّك الرئيس للنمو، والشريك الأساسي في... اقرأ المزيد

309

| 10 أغسطس 2026

قطر وسلطنة عُمان.. علاقات أخوية راسخة قطر وسلطنة عُمان.. علاقات أخوية راسخة

تعكس الزيارات المتبادلة على أعلى المستويات بين دولة قطر وسلطنة عمان، حرص القيادة الحكيمة في كلا البلدين، على... اقرأ المزيد

117

| 10 أغسطس 2026

مساحة إعلانية